لتحيا اللغة العربية: يعيش سيبويه

 

 

 بقلم  :د. إبراهيم عوض

 

     أصدر الأستاذ شريف الشوباشى، وكيل وزارة الثقافة المصرى للشؤون الخارجية، منذ أشهر قلائل كتابا عنوانه "لتحيا اللغة العربية: يسقط سيبويه"، تناول فيه اللغة العربية الفصحى والكلام الذى يثور فى العصر الحديث بين الحين والحين عن صعوبة قواعدها عارضًا الوسائل التى يراها كفيلة بالقضاء على هذه الشكوى مع الحفاظ على الفصحى فى ذات الوقت حسبما جاء فى كلامه. وهو ينطلق مما يقول إنه لاحظه فى التقويم السنوى العالمى المسمى بـالـ"ألمناك" لعام 2004م من تراجع اللغة العربية عن المكانة التى كانت تشغلها قبلا، وهو ما فهمتُ منه أنها قد أُسْقِطَتْ نهائيا من هذه المطبوعة التى تهتم بإيراد أحدث الإحصاءات والمعلومات الأساسية فى كل المجالات فى العالم. يقول كاتبنا إن الـ"ألمناك" لم تَعُدْ تنظر إلى لغتنا بوصفها لغةً قائمةً بذاتها، إذ اللغة إنما جُعِلَتْ لتكون أساسا للتفاهم اليومى بين الناس لا لتكون أداة للدراسة والتعليم. وما دامت اللغة العربية قد انحصر استعمالها فى الدرس والعلم ولم تعد تستخدم فى أغراضنا اليومية، فمعنى ذلك أنها أضحت لغة ميتة، وبناءً على هذا فلا يصح إدراجها بين اللغات التى لا يزال يستخدمها أصحابها. ثم يمضى قائلا إن الأمر قد هاله وبعثه على التفكير فى هذه القضية، وبخاصة أن تلك المطبوعة هى أحد أهم المراجع بالنسبة لكبار الكتاب والمتخصصين فى الغرب، ومن الخطإ إذن أن نأخذ ما جاء فيها باستخفاف. ومع ذلك فلا بد من التنبيه إلى أنه رغم هذا قد أشار ، ولكن على نحو عارض وسريع ، إلى أن الـ"ألمناك" هو من المطبوعات التى لا تخلو من الأغراض الخبيثة (ص7ـ 8). وهنا أحب أن تكون أولى وقفاتى، فمن المؤكد أن ما فعله الـ"ألمناك" بشأن لغتنا هو الزيف والتدليس والخبث بعينه ونفسه وقَضّه وقََضِيضِه، وليس له معنى غير هذا، ولا يمكن أن يُفْهَم إلا على هذا النحو. ولكن كيف ذلك؟ المعروف أن اللغة، أية لغة، لها مستويات عدة: المستوى الفصيح، ومستوى الأحاديث الثقافية للمتعلمين، ومستوى أحاديثهم العادية، ومستوى العامة، ومستوى الدهماء والغوغاء. بل إننا فى هذا المستوى الأخير مثلا يمكن أن نميز بين ضروب مختلفة من العامية كما هو الحال فى لغة بعض الطوائف الخاصة كطائفة اللصوص أو الشحاذين… وهلم جرا. وهذا لون واحد من ألوان التقسيمات اللغوية حسب المستوى الثقافى والاجتماعى للمتحدثين بها، وقد تُقَسَّم هذه المستويات على نحو مختلف بعض الشىء كما فعل د.السعيد محمد بدوى فى كتابه "مستويات العربية المعاصرة فى مصر"(دار المعارف/ 1973م/ 89 وما بعدها)، إذ قسمها إلى: فصحى التراث، وفصحى العصر الحاضر، وعامية المثقفين، وعامية المتنورين، وعامية الأميين. بل إن اللغة لتختلف فى البلد الواحد من مكان إلى مكان، مثلما هو الوضع فى مصر حيث تتمايز لغة أهل الصعيد بوجه عام عن لغة الوجه البحرى، وكما تتمايز لغة أهل قريتى عن لغة القرية المجاورة لها مع أنهما توشكان، بفضل التوسع العمرانى، أن تصبحا قرية واحدة. واللغة فى الواقع  هى كل هذه المستويات، وذلك على عكس ما يريد محرِّرو الـ"ألمناك" أن يوهمونا به من أن اللهجات العامية التى يتحدث بها العرب ليست هى اللغة العربية، وعليه فلا بد من استبعاد هذه اللغة من قائمة اللغات التى لا تزال حية تُسْتَعْمَل! إن هذا لهو البَكَش بعينه! وإلا فليست هناك لغة واحدة فى العالم ينطبق عليها هذا الشرط الغريب الذى لم يشأ أصحاب الـ"ألمناك" أن يطبقوه إلا على لغة القرآن الكريم لغرض فى نفس يعقوب!

 

       فمعروف أن المستوى الفصيح فى أية لغة يقتصر استعماله على مجال التأليف والإبداع والخطب والمحاضرات والندوات، أما فى الحياة اليومية فهناك مستويات أخرى يلجأ إليها الناس لتصريف أمورهم كما أشرنا آنفا. هكذا كانت اللغات البشرية، وهكذا هى الآن، وهكذا ستظل. ومن يقل غير هذا فهو إما جاهل أو بكّاش، والذين قاموا على إخراج الـ"ألمناك" لا يمكن أن يصلوا فى الجهالة إلى هذا المدى المغرق فى السُّفُول، وإلا كانت فضيحة لا تغتفر! فلم يبق إلا أن أن يكونوا بكّاشين. والغرض من وراء ذلك أن يغرسوا فى نفوسنا أن لغتنا قد انتهى دورها ولم يعد أمامها إلا أن نواريها التراب وأن نتخذ العاميات عنها بديلا. وهذا فى الواقع هو ما يريده منا بعض المستشرقين والمبشرين ممن يعملون على أن يقيموا بيننا وبين القرآن المجيد حاجزا لا يمكن تخطيه، ألا وهو حاجز اللغة، إذ متى ما اختفت اللغة الفصحى التى نزل بها كتاب الله فقد حيل بيننا وبين ذلك الكتاب، اللهم إلا أن يفكر فى دراسته بعض المتخصصين، أو نترجمه إلى اللغة العامية كما سمعنا من ينادى بهذا فى الأشهر الأخيرة فى أرض الكنانة حامية القرآن واللسان الذى نزل به هذا القرآن، وعندئذ لن يكون النص المترجَم هو القرآن الكريم بل كلاما عاميا متخلفا ليس بينه وبين أسلوب القرآن المعجز أية صلة، فضلا عن أن الترجمة لن تكون سوى فهم خاص لذلك النص بما لا بد أن يصاحب هذا الفهم من قصور وأخطاء ونزوات وأهواء. ثم مع توالى الأيام يزداد النص المترجَم ابتعادا عن الأصل الإلهى الكريم... إلى أن نفيق ذات يوم على نص ليس بينه وبين الأصل أية وشيجة.

 

      لكن الأستاذ الشوباشى يؤكد أنه حريص أبلغ الحرص على اللغة الفصحى لأنها، حسبما يقول، هى الرباط الوحيد الآن بين شعوب الأمة العربية بعد تفرقهم سياسيا وتمزقهم اقتصاديا، كما أنه، حسبما يقول، لا يحب أن ينقطع ما بيننا وبين التراث العظيم المكتوب بالفصحى، ومن ثم فهو لا يفكر فى استبدال العامية بها(ص16ــ 17، 138، 165ــ 166)، بل كل ما يبغيه هو تطوير اللغة العربية بتقريب الفجوة التى تفصل فصحاها عن عاميتها حتى يستطيع الناس أن يتكلموا بها ويكتبوا دون أن يقعوا فى الأخطاء التى يقعون فيها الآن، وحتى تساير العصر الذى نعيش فيه فلا يأتى علينا يومٌ نجد أننا لا بد أن نتخلى عنها لعجزها عن الوفاء بمتطلباتنا(ص141)، وذلك من خلال تطوير قواعدها التى لم تتغير طوال عمرها البالغ خمسة عشر قرنا، مخالفة بذلك ما جرى للُّغات الأخرى من عدم توقف قواعدها عن التغيير  كل هذه المدة كما حدث للغة الصينية التى كانت تتطور قواعدها كل خمسمائة عام، وكما حصل فى اللغة الإنجليزية أكثر من مرة رغم تاريخها القصير بالنسبة للغتنا، وكما أراد الفرنسيون كذلك أن يصنعوا فى لغتهم، وإن لم يصلوا إلى المدى الذى بلغه أهل الإنجليزية، وبخاصة فى أمريكا، من تبسيط وتطويع انتقلت به هذه اللغة من حال إلى حال لتصبح أسهل لغات العالم تعلما(ص45ــ 46، 49، 55).

 

      هذا ما قاله الكاتب، ولكن ما طبيعة التطوير الذى يريد من خلاله التقريب بين الفصحى والعامية يا ترى؟ إنه يرى أن المفعول به يمثل عقبة كأداء فى سبيل إتقان العربية، ومن ثم نراه ينادى بألا يكون منوَّنا، بل يُكْتَفَى فيه بالسكون (ص172). وهو يريد بهذا إلغاء الإعراب، لكن كلامه تُعْوِزه الدقة ووضوح التعبير كما هو بيّن جلىّ.  كذلك نراه ينادى أيضا بالتخلص من التأنيث فى الأرقام وفى الجمع معا، فنقول مثلا: "تسع رجال، وتسع نساء" على السواء، كما نقول: "النساء كلهم أكلوا" بدلا من "النساء كلهن أكلن"... وهكذا، وهو ما ينسحب على الأسماء الموصولة التى تكتفى العامية فيها بكلمة "اللى" فى كل الحالات(ص171ــ 172، 175)، على حين تستعمل الفصحى مجموعة كاملة منها هى "الذى والتى واللذان واللتان والذين واللاتى". وبالمثل نجده ينادى بالتخلص من صيغة المثنى فلا يكون لدينا بعدها إلا المفرد والجمع فقط مثلما هو الأمر فى اللهجة العامية واللغات الأوربية. وعلى نفس الوتيرة يهاجم الجملة الفعلية زاعما أنها تؤدى إلى التباس المعنى بخلاف الاسمية التى تعبر عن المراد بكل وضوح ودقة(ص168). وفوق ذلك فهو يهاجم العربية لكثرة ما فيها من مترادفات(ص177ـ 180)، كما يتهمها بأن فيها نقصا معيبا فى حروف العلة وأن غالبية حروفها ساكنة(ص168ـ 170). والمتأمل فى هذه الاقتراحات والاتهامات يلحظ من فوره أنها تكاد تقلب الفصحى عامية بما يباعد بيننا وبين اللغة التى ظل آباؤنا وأجدادنا يستعملونها فى الكتابة والقراءة والتفكير العلمى والإبداع الأدبى لما ينوف على خمسة عشر قرنا، ومن ثم يقيم بيننا وبين التراث العظيم الذى خلفوه جدارا عاليا سوف يزداد مع الأيام والسنين ارتفاعا وسُمْكا وصلادة، فضلا عن أنه سوف يجعلنا نشعر مع القرآن الكريم بغربة مزعجة لا نجدها الآن، وهو ما يتناقض مع ما أكده فى أكثر من موضع فى الكتاب من أنه لا يهدف أبدا إلى القضاء على الفصحى وإحلال العامية مكانها!

 

     ولست أريد أن أدخل فى مناقشة نيته من وراء ما كتبه فى هذه القضية، فقد يكون حسن القصد فيما يدعو إليه ومؤمنا بأن ما يقوله من شأنه أن يخدم لغته القومية فعلا، وقد يكون أقدم على هذا الذى كتبه هنا وهو يدرك أنه سوف ينجلى عن نتائج غاية فى الوخامة، فعلم ذلك كله عند الله. ثم إنى أعترف بأن انتسابه إلى الأستاذ محمد مفيد الشوباشى، القصاص والشاعر والناقد والمترجم المعروف صاحب الأسلوب المحكم الجميل، والمدافع بمنتهى الشراسة والحق عن أصالة الحضارة الإسلامية والعقلية العربية وجمال لغة الضاد أسلوبا وإبداعا أدبيا رغم أنه كان يساريا، والذى قرأت له عددا من المؤلفات والمترجمات واستمتعت بها غاية الاستمتاع منها "القصة العربية القديمة" و"رحلة الأدب العربى إلى أوربا" و"الأدب الثورى عبر التاريخ" و"آسيا وجداول الربيع" لترجنيف و"نافخ البوق" لتوماس هاردى، أقول إن انتسابه لمحمد مفيد الشوباشى يَغُلّ يدى عن أن أتناول ما كتبه فى موضوعنا بنفس الشدة التى أرد بها على من يهاجمون العربية أو الإسلام. ولقد بلغ من اعتزاز الشوباشى الكبير بلغتنا العبقرية أنه كان ينحى باللائمة على كاتبنا فى شبابه حين يراه يجرى على منوال اللغات الأوربية فى كثير من الأحيان بإيثاره الجملة الاسمية على الفعلية حسبما حدثنا الكاتب نفسه(ص168)، وإن لم ألاحظ فى الكتاب الذى بين يدىّ الآن والذى أرسله لى كاتبنا مشكورا ولا فى كتابه الآخر "الداء العربى" الذى أرسله معه أن للجملة الاسمية الغلبة على غريمتها الفعلية. كما أن الأديب الراحل كان يرفض أشد الرفض استعمال العامية فى الكتابة حتى ولا فى الحوار القصصى. والطريف أنه كان يستند، ضمن ما يستند إليه فى ذلك الرفض، على التحليلات الماركسية فى الفكر والأدب. ويستطيع القارئ أن يجد شيئا مما  كتبه فى هذا المجال فى مقال له بمجلة "العالم العربى" القاهرية فى عدد مارس 1958م. وهناك سبب آخر يمنعنى أن أكون شديدا فى نقد ما كتبه أ.شريف الشوباشى، فقد بدا لى، أثناء مناقشتى أنا ود.عبد الله التطاوى له ولآرائه الواردة فى كتابه المذكور فى الحلقة التى سجلتها معنا قناة "التنوير" المصرية من برنامج "لِلــْوُدّ قضيـّة" منذ أيام، أنه رجل دمث الخلق متواضع، وليست فيه لجاجة بعض الكتاب ممن يعملون على التنقص من تراثنا فى الدين أو الفكر أو الأدب. بل إنه فى الكتاب الذى نحن بصدد الحديث عنه هنا لم يحدث أن تعرض بكلمة سوء لأى من رموزنا التاريخية، وكذلك لم يقع أن ذكر الرسول إلا بمنتهى التبجيل والاحترام، كما كان دائم الصلاة عليه إلا فيما ندر. وكان أدبا جميلا منه أن نجده يقول عن هذا الصحابى أو ذاك: "سيدنا فلان". وفوق هذا كله فقد رأيناه يبتدئ كلامه فى تلك الحلقة بالقول بأن  ما كتبه فى كتابه ذاك إنما هو مجرد رأى قد يكون صوابا، وقد يكون خطأ. على أن هذا كله لم يمنعنى فى الحلقة التلفازية المذكورة ولن يمنعنى الآن من أن أختلف معه غاية الاختلاف إذا رأيت أن كلامه غير منطقى أو أن من شأن الأخذ به أن يقودنا إلى ما لا تحمد عقباه من نتائج.

 

     وينطلق كاتبنا فى دعوته إلى تطوير اللغة وقواعدها من منطلقين: الأول أن كثيرا من الكتاب والخطباء العرب يخطئون فى لغتهم، وأن التلاميذ والطلاب يشكون مُرَّ الشكوى من حصة اللغة العربية ولا يرون فيها شيئا أكثر من كونها عبئا ثقيلا لا بد أن يتحملوه كى ينجحوا فى امتحانات آخر العام، والسلام، غير واجدين أية لذة فى دراستها. ثم إنها ليست وسيلة طبيعية فى التعبير عن أفكار من يستعملها ومشاعره، بل عليه أن يتكلفها تكلفا. والثانى أنها لم تعد تساير العصر أو تفى بمتطلبات التعبير عنه بعد أن طال بها الزمن دون أن يطرأ عليها ما تحتاجه من تطورعلى عكس اللغات العالمية الأخرى التى لا يكتفى أصحابها بما يعتريها من تطور طبيعى، بل يحدثون فيها ضربا آخر منه يقصدونه قصدا.

 

     يقول أ.الشوباشى: "كثيرا ما فوجئت بكبار المثقفين يخطئون أخطاء لا تُصَدَّق فى لغتهم الأم التى يكتبون ويبدعون بها، وبعض هؤلاء أو معظمهم يُعَدّون من رموز الأدب والكتابة فى مصر والعالم العربى... وعندما كنت أقارن حالنا بالآخرين كنت أجد نفسى مضطرا لأن أعترف بأنه لا يوجد مثقف واحد فى فرنسا أو إنجلترا أو إسبانيا أوحتى البرازيل يخطئ فى لغته الأم بهذه الصورة. فهل كل الشعوب العربية بمثقفيها ومفكريها أصبحت معوقة ذهنيا بحيث لا تستطيع تعلم اللغة والإلمام بها إلماما سليما؟ وإذا وسّعْنا باب المقارنة مع الآخرين نجد أن أى سكرتيرةٍ متواضعةٍ حاصلةٍ على شهادة متوسطة فى أى دولة غربية قادرةٌ على أن تكتب بنفسها خطابا دون أخطاء لغوية… فهل السكرتيرة الفرنسية تمتلك قدرات ذهنية أرقى من المثقفين وأصحاب الشهادات العليا فى العالم العربى؟ بالطبع لا. إذا فالخلل يكمن فى الطرف الآخر من المعادلة، وهو اللغة المستخدمة عند كل من الطرفين... فاللغة الفرنسية طيعة وسهلة ومباشرة، كما أن السكرتيرة، مَثَلُها مَثَلُ  كل من يجيد الفرنسية، لديها أدوات تسهل مهمتها وتجعلها قادرة على تجنب الخطإ. وعلى رأس هذه الأدوات قاموس اللغة الفرنسية الذى يقوم على ترتيب الحروف الأبجدية، بالإضافة إلى ترسانة من القواميس الخاصة بالقواعد وبالمترادفات وغير ذلك من الكتب التى يتعلم أى تلميذ فرنسى كيفية استخدامها فى المدرسة"(ص67ــ 68).

 

     والرد على هذا سهل غاية السهولة، فقد كان الكتّاب والعلماء والأدباء والشعراء العرب طوال الخمسة عشر قرنا الماضية يستخدمون لغتهم استخداما سليما ويسيطرون عليها ويبدعون بها على أحسن وضع، فلماذا يعجز كثير منهم الآن عن أن يصنعوا صنيع أسلافهم؟ إنه الكسل العقلى والاكتفاء بأقل القليل، وهو عيب شامل، وليس خاصا بالكتابة فحسب، بل كل صاحب حرفة أو عمل يعانى من نفاد الصبر، وليس عنده من طول البال ما يساعده على تجويد ما تصنع يداه. وهذا هو السبب فى أن عماراتنا كثيرا ما تنهار الآن قبل أن يمر عليها سوى أشهر أو سنوات معدودات. وهو نفسه السبب فى أننا نشكو من إهمال الصنائعية والعمال، وهو أيضا السبب فى أن كثيرا من شوارعنا ممتلئة بالحُفَر والمطبّات والقاذورات والأصوات العالية المزعجة والبذاءات المقذعة التى تشمئز منها النفوس الكريمة، وأن البلاعات فيها إما أعلى من مستوى الأرض أو أوطأ منها، وكثيرا ما تكون مكشوفة بحيث يقع فيها الأطفال لتبتلعهم بأفواهها الفاغرة وتغيّبهم فى بطونها إلى الأبد، وأن كل شىء فى حياتنا تقريبا قبيح ومشوه، وأننا لا نستطيع أن نعتمد على أنفسنا فى توفير ما نحتاج إليه من طعام أو ملابس مثلا، ناهيك عن تصنيع السيارات والحواسيب ومعدات القتال...إلخ. ثم إنك يا أ.شوباشى تعرف أن كثيرا جدا ممن تسميهم مثقفين وكتّابا كبارا ليس لديهم اطلاع كاف على اللغة أو التراث رغم أنهم كثيرا ما يتعرضون لهما بالكتابة والتقويم. أليست هذه محنة؟ ولسوف أعطيك هنا مثالا سريعا على ما أقول: فقد كتب جمال الغيطانى فى روايته المسماة بـ"الزينى بركات"، والتى يطنطن لها البعض بغير حق، أن اليهود قد طاردوا النبى محمدا بالحجارة من فوق أسوار الطائف حين التجأ إليها فى عهد الدعوة المكية، وأن امرأة من يهود هى التى أكلت (لاحِظْ:" أكلت" لا  "لاكَتْ") كبد حمزة رضى الله عنه(دار المستقبل العربى/ ط 3/ 1985م/ 225). وهذا، كما ترى، كلام مضحك بل تخريف عجيب إن وقع من أى تلميذ صغير كان جديرا أن يعاقَب على جهله بمثل هذه الوقائع الأساسية فى سيرة نبينا عليه السلام، فالتلاميذ والطلاب فى كل مراحل الدراسة ونوعياتها، بما فيها مدرسة الصنائع التى تخرج منها الكاتب، يعرفون أن الذين طاردوا النبى فى الطائف ورَمَوْه بالحجارة أوانذاك هم عبيدُها وصبيانُها وسفهاؤها من المشركين وليس اليهود، لأن اليهود لم يكونوا قد ظهروا فى حياة النبى عليه السلام بعد، كما أن التى لاكت كبد حمزة، رضى الله عنه (لاكَتْ لا أَكَلَتْ) هى هندٌ بنتُ عتبة زوجةُ أبى سفيان لا امرأةٌ من يهود، وكان ذلك عقب غزوة أُحُد . ومعروف أن ذلك إنما وقع بعد الهجرة بالقرب من المدينة، وليس فى الطائف فى العهد المكى! والغيطانى أحد الكتاب الذين قد ترى فيهم طائفة من نقاد آخر زمن أديبا ذا شأن، فضلا عن أنه كثير الحديث عن ولعه بالتاريخ الإسلامى، مما يجعلنى أتساءل: ترى ماذا كان يمكن أن يكون علمه بهذا التاريخ لو لم يكن وَلِعًا به إلى هذا المدى؟  كما أن فى لغته ضعفا وركاكة استفزا فاروق عبد القادر فأصلاه فى الكتاب الذى صدر له فى سلسلة "كتاب الهلال" منذ شهور نارا حامية. ولو كان محمد مفيد الشوباشى حيًّا لأسمعه هو وأمثاله من الكتّاب ما يؤلمهم جزاءً وِفاقًا على هذا الضعف المزرى فى لغتهم القومية! والمصيبة أن المؤلف لم يتنبه ولا نبهه أحد ممن حوله لهذا الجهل على مدى الطبعات الثلاث التى طُبِعَها الكتاب فيصححه!

 

     وبالمناسبة لماذا كان الشوباشى والمنفلوطى والعقاد والرافعى وإبراهيم رمزى والمازنى وأمين الريحانى ومطران ونعيمة وجبران وكرم ملحم كرم ومَلَك حفنى ناصف ومىّ زيادة والزيات والصيرفى والسحرتى وعنان وهيكل ومحمد لطفى جمعة وفخرى أبو السعود وشكيب أرسلان وكرد على وشفيق جبرى ونزار قبانى وسعد الله ونوس وغادة السمان وعبد القدوس الأنصارى وأحمد السباعى وخليل سكاكينى وابنته وداد وإبراهيم طوقان وأخته فدوى وهارون هاشم رشيد ومحمد عزة دَرْوَزَة ونازك الملائكة والجواهرى والسياب وعبد الكريم غلاب ومحمود المسعدى وحسنى عبد الوهاب ومحمود شلتوت والسحار وباكثير وأمين يوسف غراب وزكى نجيب محمود وزكريا إبراهيم ومحمد الغزالى وخالد محمد خالد وعبد الرحمن الشرقاوى مثلا بهذه القوة والمتانة فى الأسلوب، ولم يتخرج أىٌّ منهم من أى من أقسام اللغة العربية بالجامعة، بل إن عددا منهم لم يتلقَّوْا تعليما جامعيا أصلا؟ حتى سلامة موسى، الذى كان كثير العيب على اللسان العربى ويرميه بالبداوة ويعلن كراهيته له لأنه اللسان الذى نزل به القرآن، يخلو أسلوبه من الأخطاء التى تبرقش كتابات أدبائنا الذين تسللوا إلى ميدان الأدب والفكر فى غفلة من الزمن! ثم لماذا هذا الضعف الشائن فى كثير من كتّاب هذا الجيل بالذات؟ أتكون اللغة العربية قد انقلبت بين عشية وضحاها من لغة يمكن إتقانها لمن يريد ويبذل فيها ما تحتاجه من جهد واهتمام إلى لغة عصيّةٍ شَموس؟ ولكن هل هذا مما تسمح به طبيعة الأشياء؟ إن المشكلة هى أننا أصبحنا فاقدى الصبر، على طريقة العوامّ الذين ما إن تبدأ فى شرح ما تريده لهم حتى يفاجئوك بقولهم دون أدنى حياء: هات من الآخر! وعبثا تحاول أن تعرف ما الذى يستعجلهم كل هذا الاستعجال فلا تجد إلا نفاد الصبر وقلة الأدب! فحياتهم، والحمد لله، فارغة من أى شىء مهم، وكل ما هنالك أنهم يفتقرون إلى ذلك الصبر الذى تحدث عنه الشيخ محمد عبده فى تفسيره لسورة "العصر" فأفاض وأمتع، وهو الصبر الإيجابى الذى بدونه لا تقوم حضارة ولا يتم تقدم: الصبر على مشقات العمل والإنتاج والإبداع والإتقان والتخطيط والاهتمام بالتفاصيل والالتزام بالنظام الدقيق والحرص على المراجعة والعمل على إصلاح الخطإ أوَّلاً بأوّل... وما إلى هذا.

 

      إن الناس الآن تبدو وكأن عفريتا قد ركبها، وكل ما يهمها هو أن تأخذ فلوسا، أما أن تقدِّم لك لقاء هذه الفلوس الخدمة التى تريد على الوجه الذى يرضى الله ورسوله فكلا وألف كلا! وبالمناسبة فكاتب هذه السطور، الذى هو أنا، رغم تخصصى فى الأدب العربى، دائما ما أراجع المعاجم وكتب النحو والصرف حتى فيما أنا متأكد منه، وذلك كى يجىء أسلوبى على أحسن ما أستطيع. ولست أعرف ذلك الاطمئنان الكاذب الذى يأخذ كثيرا من الكتّاب فلا يراجعـــون شيئا مما يكتبــون البتة. ثم إنى أجد فى هذه المراجعات متعة عقلية وفنية لا تقدر بثمن، كما أنها توسع أفق معارفى وتكسبنى الثقة بنفسى. وأنت نفسك يـا أ.شوباشى قد قلتها: فالسكرتيرة الفرنسية تتدرع لمهنتها بعدد من معاجم اللغة والإملاء وما إلى هذا مما يعصم ما تكتبه من كثير من الأخطاء التى تقع فيها أمثالها عندنا ممن لا يهتممن بأن يكون فى حوزتهن قاموسٌ فردٌ يوحّد الله لأنهن لا يفكرن أصلا فى تثقيف عقولهن ولا التأنق فى كتاباتهن، ولا شغلةَ طول النهار لهن إلا الكلام عن تقميع البامية وتقلية الملوخية والفستان التى اشترته فلانة والطلاق الذى وقع على رأس علانة... وهَلُمَّ جَرًّا. ولا أحسب الرجال يختلفون عن النساء كثيرا فى هذا السبيل! إنه الفرق بين مجتمع متحضر مثقف ومجتمع لا تهتم الغالبية الساحقة من أفراده إلا بالطعام والشراب والتسالى الخفيفة كمشاهدة المرناء وحل الكلمات المتقاطعة والتآمر على الجيران ومكايدتهم ونحوه، حتى إن كثيرا من دور النشر عندنا لم تعد تطبع من الكتب التى تصدرها أكثر من خمسمائة نسخة للكتاب تباع فى عدة أعوام! يا أ.شوباشى، أنت تنكأ الجراح، فبالله عليك لا تتهم اللغة العربية. إننا، فى هذه الأيام النحسات، شعوب تعيش خارج خريطة التاريخ، شعوب لا قيمة لها حضارية، شعوب تستهلك ولا تبدع! إن العرب والمسلمين، يوم أن كانوا يتمتعون حقا بالثقة بأنفسهم والإيمان بربهم والقدرة على التضحية والتحمس للعمل والإنتاج والسعى فى أعقاب العلم واللهاث خلف الثقافة الرفيعة، قد فتحوا البلاد وبسطوا سلطانهم ولغتهم ودينهم على الدنيا فى بضعة عقود قليلة من السنين رغم أنهم لم يكونوا يملكون من الإمكانات شيئا يذكر. وكانوا فى ذلك الوقت أيضا يقبضون على زمام لغتهم  أحسن ما يكون القبض على الزمام، أما الآن فانظر تَرَ ماذا أصبح حالهم. إنهم يصعبون على الكافر، وإسرائيل، التى تتكون من عصابات متنافرة من أرجاء الأرض المتباعدة، تسومهم الخسف والهوان دون أن يستطيعوا أن يقولوا لها: "بِمْ"، رغم أنها من الناحية العددية لا تبلغ خمس معشارهم! ويوم أن يعود لهم سابق عزهم ومجدهم فعندها لن نسمع من يقول إن العربية صعبة أو إنها تحتاج إلى حذف هذا الجزء أو ذاك من قواعدها وتقريبها إلى العامية. إنها منظومة واحدة، والحال هنا هى نفسها هناك. ولهذا ترانا ضعفاء حتى فى ميدان الرياضة واللعب مع توفر الإمكانات اللازمة للتفوق فى هذا المجال. لكنه، مرةً أخرى، الكسل واللامبالاة وغياب الروح وضعف الشعور بالكرامة القومية والظن بأن الفًَهْلَوَة والبَكَش يمكن أن يوصلانا إلى ما نريد، مع أنه قد ثبت لنا مرات ومرات ومرات أن هذا الأسلوب لا يؤدى إلى غير الكوارث، لكننا لا نتعظ أبدا! ترى أأمضى فى هذا الموّال أم الأفضل أن أكفأ على الخبر ماجورا وأسكت؟ أما أنا فأوثر أن أسكت! وعلى الناحية الأخرى أستطيع أن أعدد لك أمثلة على سهولة إتقان اللغة الفصحى لمن يريد بحقٍّ أن يتقنها: فقد كان معنا فى المدينة الجامعية فى النصف الثانى من ستينات القرن الماضى طلاب من الصين والاتحاد السوفييتى وبعض البلدان الأفريقية والآسيوية يحسنون الحديث والكتابة بها مع أنهم إنما تعلموها فى بلادهم لا فى بلد عربى. كما أذكر فتاتين صغيرتين لأب مصرى وأم بريطانية التقينا بهما فى أوكسفورد فى أواخر العقد الثامن من القرن الفائت، وكانتا تحسنان العربية الفصحى إلى حد كبير حديثًا وكتابةً رغم أنهما لم تكونا قد تخطّتا الثانية عشرة من عمرهما. وعندما كنت فى جامبيا فى غرب أفريقيا فى منتصف الثمانينات من القرن المنصرم تعرفتُ إلى شاب أفريقى من سيراليون رأيت لديه اهتماما بأن يكمل دراسته فى اللغة العربية، وكان يبيع فى السوق بعض الأشياء الصغيرة التى تهم المرأة بغية أن يوفر شيئا من المال يستعين به على هدفه. والشاهد فى الحكاية أننى أردت أن أستوثق من مدى معرفته بلغة العرب التى درسها كلغة أجنبية ولم يَعْدُ فى تعليمه المدرسىّ الثانية الثانوبة، فعقدت له امتحانا فى النصوص والقواعد فوجدته قد أحرز درجة عالية رغم انقطاعه عن الدراسة منذ وقت ليس بالقصير. وكان يكلمنى باللغة الفصحى بسهولة كبيرة. وقد دفعنى هذا إلى تشجيعه، بل إننى حين عدت وقتها إلى مصر أرسلت إليه طَرْدَيْن (أو بلغة البريد فى بعض دول الخليج: بَعِيثَتَيْن) من الكتب. كذلك كانت مَىّ زيادة لا تستطيع فى البداية أن تكتب بالفصحى، بل تستخدم الفرنسية، ثم بدا لها أن تتقن لغة القرآن، وصحّ منها العزم على ذلك، وساعدها فى هذا السبيل أحمد لطفى السيد، وكان من بين ما نبهها إليه وأخذها فيه بالحزم وجوب قراءة القرآن المجيد والتضلع من أسلوبه وموسيقاه...حتى أصبحت فى نهاية الأمر واحدة من أكابر كتاب العربية وأصحاب الأساليب فيها. وبالمناسبة هناك من بين المستشرقين من يتقن لغة القرآن أفضل من كثير من كتاب هذه الأيام عندنا! كما أن مئات العلماء الهنود والباكستانيين والإيرانيين يكتبون باللغة العربية ويتكلمون بها أفضل من كثير من أبناء العربية!

 

     أما عن التلاميذ والطلاب العرب وضعفهم فى لغتهم الأم فيقول كاتبنا: "ومن منطلق معرفتى بمستوى التعليم فى فرنسا وغيرها من الدول الغربية أستطيع أن أجزم بأن المستوى اللغوى لخريجى الجامعات المصرية من غير المتخصصين يوازى مستوى تلميذ فى بداية المرحلة الإعدادية هناك فى لغته الأم. فهل يعكس هذا نبوغ تلاميذ العالم الغربى وتخلف طلاب العلم عندنا؟ بالتأكيد لا، فإن المستوى الذهنى متقارب بين الاثنين. إنما المعضلة تكمن فى اللغة العربية التى ترقى تعقيداتها إلى مستوى اللوغاريتمات على عقول غير المتخصصين… فعلينا بعيدا عن النفاق أن نعترف بأن طلبة المدارس يكرهون حصة اللغة العربية وينعون همها أكثر من أى مادة تعليمية أخرى. فإلى متى نجعل أطفالنا وشبابنا يتجرعون عذاب القواعد المعقدة التى عفا عليها الزمن ولم تعد تواكب العصر؟"(ص 12). هذا ما قاله الكاتب، وأنا أزيد عليه أن الأغلبية الساحقة من الطلاب المتخصصين فى اللغة العربية وآدابها لا تعرف شيئا ذا قيمة عن أدب أمتهم أو لغتها بل لا يحسنون الكتابة دون أخطاء إملائية فادحة، بل لا يعرف كثير منهم كيف يضبط النص بالفتح والكسر والضم… إلخ  مما دفع زميلا لنا ظريفا إلى القول بأن الواحد من هؤلاء الطلاب يحمل مخلاة فى جيبه مملوءة بما شئت من الفتحات والكسرات والضمّات والسكنات والشدّات والتنوينات، ثم إذا ما طولبوا بتشكيل نص من النصوص أخرجوا المخلاة ومدوا أيديهم فيها وكبشوا حفنة من محتوياتها ثم رشّوها كيفما اتفق على كلمات النص فتقع حركات التشكيل هنا وهناك اعتباطا، وأن هذا هو السبب فى أن بعضهم قد يضع مثلا على أول حرف فى الكلمة سكونا ثم يُتْبِعه على الحرف الثانى بشَدّة...وهكذا مما لا يُعْقَل لأنه مستحيل. لكن كيف يكون مستحيلا، ونحن قوم بارعون فى صنع المعجزات مما لا قِبَل به للغربيين سادة العالم الآن فى ميادين العلم والثقافة والإبداع؟ ألسنا نحن الذين دهنّا الهواء دُوكُو؟ ألسنا نحن الذين عبّأنا الشمس فى زجاجات؟ ألسنا نحن الذين صَرَرْنا الفيل فى المنديل؟ هل يستطيع أحد أن يدلنى على قوم آخرين حققوا هذه الإنجازات أو نصفها أو ثلثها أوعشرها أو حتى واحدا على الألف أو على المليون منها؟ إن  كل ما فعله الغربيون مثلا أنهم اخترعوا القطارات والسيارات والغواصات والقنابل والصواريخ وسفن الفضاء والحاسوب والمِشْباك (النِّتّ) وما إلى هذا مما لا إعجاز فيه لأنه يخضع للقوانين التى يسير عليها الكون، أما نحن فنأتى بالمستحيل الذى لا يستطيعه أحد سوانا من البشر! إلا أننى ينبغى أن أضيف أن الأغلبية الساحقة أيضا من الطلاب فى أى تخصص لا يفترقون عن طلاب أقسام اللغة العربية فى الضعف العلمى. فالشكوى عامة بين الأساتذة من أن الطلبة لا يهتمون بما يتلقَّوْن من علوم ودروس، وأن كل همهم هو النجاح فى الامتحان والحصول على الشهادة من أى طريق، ولهذا تراهم لا يبذلون الجهد المطلوب ولا يقرأون شيئا إلا فى الشاذ النادر. وكنت اليوم فى زيارة لصديق مريض فى المستشفى، ومررت فى طريق العودة ببائع للكتب القديمة أعرفه فتوقفت عنده لأشترى بعض ما أجدنى بحاجة إليه منها، وأخذت أسأله كعادتى عن مدى إقبال طلاب الجامعة التى يقع جَوْسَقه على الرصيف المواجه لها، فجاءت إجابته على ما توقعت من أنهم لا يكادون يقرأون شيئا، اللهم إلا إذا كلفهم الدكتور ببحث، فإنهم عندئذ يأتون فيسألونه عن الكتب التى  يمكن أن يجدوا فيها ما ينقلونه فى هذا البحث. أقول: "ينقلونه"، لأن البحث عندهم لا يعنى أكثر من نقل بضع صفحات من هذا الكتاب أوذاك دون فهم: نقلها نقلا كله أخطاء إملائية ودون أية إضافة شخصية!

 

      فالعيب يقع أساسا فى هذه المنطقة، منطقة اللامبالاة بالقيم الثقافية والعقلية وكذلك الترهُّل الذهنى والذوقى. ودعنا من حكاية ارتفاع سعر الكتاب، فالعرب ليسوا كلهم فقراء، وهم  جميعا، سواء منهم الفقراء والأغنياء، حريصون على اقتناء أدوات الحضارة الحديثة مهما كانت غالية الثمن. ثم هاهى ذى إصدارات "مكتبة الأسرة" مثلا فى مصر تباع بأسعار زهيدة، فهل تغير المصريون وأضحَوْا أكثر حُبًّا للقراءة؟ أستطيع أن أجيب بملء يقينى على ذلك السؤال بالنفى، وإلا فأين موضع المكتبة فى البيت المصرى؟ إن المكتبة عندنا، إن وُجِدَتْ، ليست فى معظم الأحوال أكثر من مكان توضع فيه التحف وجهاز المِرْناء وبعض الدباديب، وكان الله يحب المحسنين! ترى كيف يمكن أن يسيطر على لغته القومية من لا يقرأ شيئا فى هذه اللغة ولا يستطيع أن يتذوق روائعها بل لا يبالى بأن يتذوق هذه الروائع، وإذا حدثتَه عنها كنتَ كمن يتحدث عن إحدى غرائب واق الواق؟ على أن هذا لا يعنى أن المنهج الذى تعلَّم به اللغة العربية هو منهج سليم، فالواقع أن أساتذة النحو غالبا ما يحصرون أنفسهم فى دائرة المعلومات النظرية، فترى الطلاب لهذا يحفظون القواعد حفظا، وقد يستطيع بعضهم (بعضهم فقط) أن يُعْرِبوا ما يُطْلَب إليهم إعرابه من كلمات أو جمل، لكنهم لا يقدرون مع هذا أن يقرأوا أو يكتبوا على نحوٍ صحيح!  كذلك فدروس النحو والصرف محشوة بالتفصيلات التى قلما تفيد عارفها فى ميدان الواقع. وأنا أزعم أن مجموعة القواعد التى يحتاح إليها الشخص العادى لكى يكتب ويقرأ على نحو سليم ليست بالكثيرة ولا المرهقة. والمهم هو الاهتمام بالدروس التطبيقية التى يردد فيها الأستاذ الأمثلة الأساسية فى كل درس، ويظل الطلاب يكررونها بعد ذلك فى المدرسة والجامعة والبيت قراءة وكتابة حتى تنطبع فى آذانهم وأيديهم وأذهانهم وتنطلق بها ألسنتهم وأقلامهم كأنها سليقة فيهم. والمهم أيضا أن يقتنع الطالب بأن اللغة قيمة قومية ودينية وثقافية واجتماعية تستحق أن يبذل فيها الجهد والتعب، أما قبل ذلك فكلا وألف كلا. ولقد كنت أفعل هذا منذ صباى أنا وزميل لى أصبح الآن أستاذا فى الجامعة مثلى حتى أتقنّا لغتنا مبكرا دون أن نجد حولنا من يأخذ بأيدينا، بَيْدَ أن تحمّسَنا لهذه اللغة وأدبها وطموحَنا من البداية إلى أن نكون من الكتاب والأدباء كان نعم المعين! وقد كان هذا هو نفسه الأسلوب الذى جريت عليه مع الطلاب حين عُهِد إلىّ، فى أواسط السبعينات من القرن البائد، أن أدرّس للطلاب، وأنا لا أزال مدرسا مساعدا، مادة التدريبات النحوية رغم عدم تخصصى فى النحو أصلا، فكان اهتمامى كله تقريبًا منصبًّا على التطبيقات وعلى تمرين الطلاب على القراءة والكتابة الصحيحة. وقد أثمر هذا الأسلوب مع عدد منهم أصبحوا بدورهم فيما بعد دكاترة فى الجامعة، على عكس الباقين الذين لم يكونوا مهتمين بالأمر، فإنهم لم يستفيدوا كثيرا كما لا أحتاج أن أقول. أما الآن فإن الغالبية الرهيبة من الطلاب لا تريد أن تبذل أى جهد حتى إنهم لا يفكرون مثلا فى الرجوع إلى المعجم، بل لا يعرفون كيف يستعملونه إذا حدثت المعجزة وبدا لهم أن يستفسروا عن معنى كلمة من الكلمات، فيأتون إلينا ويسألوننا عما يريدون. فإذا نبهناهم إلى أنهم ينبغى أن يرجعوا بأنفسهم إلى هذا القاموس أو ذاك أخذوا ينظرون إلينا فى استغراب بل فى بلاهة وكأننا نحدثهم عن عجيبة من عجائب الحياة! والغريب أن هؤلاء الطلاب أنفسهم إذا ما ألقت الأقدار بواحد مثلى فى طريقهم بعد تخرجهم واشتغالهم ببعض الحرف أو الصنائع التى يلجأون إليها فى هذا العصر الممتلئ بالبطالة فإنهم يستطيعون بمنتهى السهولة خداعى أنا الذى أظن نفسى ذكيا، ويلعبون بى وبأسلافى بعبقرية شيطانية عجيبة كما يلعب الحواة بالبيضة والحجر! والسؤال هو: كيف قد صاروا أذكياء على هذا "النحو" يا ترى، وهم الذين لم يكونوا يفهمون شيئا فى "النحو"؟ إنها كراهية العلم، والبراعة مع ذلك فى الفهلوة وشغل الثلاث ورقات! إنهم أبناء مجتمعهم وبيئتهم! وللتفكهة أذكر أن أحد أساتذة النحو المشهورين كان قد ألف مذكرة فى تلك المادة سماها: " تحفة الطلاب، فى النحو والإعراب"، فكنت، لشدة ضيقى بمستوى الطلاب المتدنى والمخجل فى لغتهم، أقترح عليه أن يغير تسميتها إلى "ضَرْب القبقاب، فى رؤوس الطلاب"، فيضحك حتى يستلقى على قفاه!

 

      وهنا أود أن أوضح شيئا، ألا وهو أن الخطأ سيظل ملازما لكل من يتحدث اللغة الفصحى رغم ذلك، لا لعيب فى هذه اللغة بل بسبب الطبيعة البشرية التى لا تنفك عن الخطإ مهما حاولت التحرز منه. وقديما قال رسولنا الأعظم: " كُلّ بنى آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون". والتوبة من الخطإ فى هذا المجال تكون ببذل مزيد من الجهد فى مراجعة القواعد وفى تطبيقها فى الكلام والكتابة. وهذا الكلام لا يقتصر على فصحانا وحدها بل على كل فصحى، ومنها فصحى الإنحليزية والفرنسية والألمانية التى أخشى أن يكون حديث الأستاذ الشوباشى عن تفوق أهلها فى استعمالها قد أوحى للقارئ أنهم لا يخطئون فيها كما نخطئ نحن فى فصحى لغتنا الأم! كذلك أود أن ألفت النطر إلى أن الخطأ فى استخدام اللغة لا يقتصر على المستوى الفصيح فحسب، بل ينسحب أيضا على المستويات العامية. كل ما فى الأمر أننا، بسبب عدم وعينا بقواعد العامية، ولأن الأحاديث اليومية التى نستخدم فيها اللهجات العامية ليست مناسبات رسمية، لا نلتفت للخطإ فيها، وبخاصة أننا لا نبتغى فيها المتعة والأناقة كما فى الفصحى، بل نكتفى منها عادةً بمجرد التفهيم وتوصيل الفكرة التى نريد الحديث عنها بأى سبيل. بالضبط مثلما لا نلتفت لخطإ من تخطئ فى المشى، بينما نتنبه بحدةٍ لمن تخطئ فى حركات الرقص مثلا، ومثلما لا نلتفت لإهمال المرأة  فى لبس مباذل البيت، على حين تكون أعيننا مُفَنْجَلَة لأى تقصير فى طريقة ارتدائها لملابس السهرة... إلخ. إننا فى الواقع لا نكف عن البابأة والتأتأة والفأفأة والتلعثم والتردد وقطع الجملة قبل تمامها واستخدام الكلمات فى غير موضعها واللجوء إلى  كثير من جمل الحشو لملء الفراغات فى أحاديثنا العامية اليومية، وكثيرا ما نخطئ أيضا فى نطق هذا اللفظ أو ذاك، وتركيب هذه الجملة أو تلك، بيد أننا لا نتنبه لذلك ولا نلقى إليه بالا لأن اللهجة العامية لا علاقة لها بالرسميات ولا يُقْصَد بها إلى الإمتاع، وليست لها فى أذهاننا قواعد واضحة كالفصحى نضعها نصب أعيننا لنتحاكم إليها. ويوم تصبح رسميا، لا قدر الله، هى لغة الكتابة والمحاضرات والندوات والصحافة والإذاعة وندرس قواعدها فى المدارس والجامعات، فعندئذ سوف نتنبه لما نقترفه فيها من أخطاء! وكل هذا رغم أننا لا نكفّ لحظة عن استعمالها، على عكس الفصحى التى لا تستخدم إلا فى التأليف والمحاضرات والندوات والخطب وما أشبه! وبالمناسبة فقواعد العامية  كثيرة ومعقدة على عكس ما نظن. أقول هذا من واقع قراءتى لقواعد بعض اللهجات العربية، ومنها لهجتنا المصرية التى أذكر أنى راجعت آجُرّوميّتها، أيام أن كنت أدرس للحصول على درجة الدكتوريّة فى بلاد جون بول، فى كتاب وضعه أحد الضباط الإنجليز على عهد الاحتلال البريطانى لمصر يقع فى عدة مئات من الصفحات الممتلئة بكثير من التفصيلات والاستثناءات التى ليس لها ضابط، مما يسبب للذهن الدوار... وهَلُمَّ جَرًّا.

 

      وحجة كاتبنا فى المناداة بالتغيير الذى يدعو إليه هى أن العربية الفصحى لم تتطور قواعدها منذ خمسة عشر قرنا بحيث لم تعد ملائمة للتعبير عما نريد فى عصرنا هذا(ص 13، 55، 71)، بل إنه ليدّعِى أن العرب قد هجروا فصحاهم تماما(ص 135). وإنا لنسأله: متى وكيف عجزت اللغة الفصحى عندنا عن مجاراة العصر أو التعبير عن أية فكرة أو عاطفة نريد التعبير عنها؟ هاهى ذى الكتب تصدر فى بلاد العرب فى كل التخصصات مكتوبة بالفصحى، ولم نسمع أن أحدا قد شكا من أنه عاجز عن التعبير من خلالها عما يريد لا فى الفلسفة ولا فى الطب ولا فى الجيولوجيا ولا فى الكيمياء ولا فى الطبيعة ولا فى القانون ولا فى الاقتصاد ولا فى السياسة ولا … ولا… رغم أننا لسنا فاعلين حضاريا فى هذه الطور المخزى من تاريخنا بل مجرد متلقين فى معظم الأحوال. فما بالنا لو أننا كنا من المبدعين مثل أسلافنا فى أيام عز الحضارة العربية حين كان العالَم يتعلم على أيديهم ويفتح آذانه وأعينه وقلبه لما يقولون؟ ثم هاهو ذا كاتبنا نفسه قد ألف كتابه بهذه الفصحى التى ينعى عليها عجزها وتخلفها! أليس هذا هو التناقض بعينه؟ ومن قبل ردد سلامة موسى هذه الفرية التى افتراها جماعة من المبشرين والمستشرقين ممن يسوؤهم أن يَرَوُا القرآن أمام أعينهم فهم يعملون بكل ما عندهم من كيد وخبث على محوه عن طريق تدمير اللغة التى نزل بها، وهى اللغة الفصحى. وكان سلامة موسى، ومن قبله بعض شياطين الاستشراق والتبشير، يَدْعُون بدعوتهم الإبليسية مستخدمين هذه الفصحى التى يزعمون بشأنها المزاعم والأباطيل! والذى قرأ سلامة موسى يعرف أنه كثير الكتابة فى موضوعات العلوم الطبيعية والنفسية والفلسفية الحديثة، فبأية لغة يا ترى كتب ما كتب فى هذه الموضوعات؟ لقد كتبها بالفصحى! ومع هذا كان يردد دائما فى إملال مزعج كاذب أن هذه اللغة هى لغة قديمة لا تصلح أن تكون وعاء للعلوم العصرية. فأَنَّى لنا أن نصدّق هذا السخف الفِجّ؟ ويستطيع القارئ أن يجد كلامه ذاك التافه فى كتابه "البلاغة العصرية واللغة العربية"( المطبعة العصرية/ 1953م/ 49ـــ 51). إن مزاعم هذا الرجل ليس لها من معنى إلا أن اللغة الفصحى قد وردت إلينا الآن لتوّها من الماضى البعيد، وعلينا أن نستعين بها فى التعبير عن علوم العصر وأفكاره وهى لا تزال بعَبَلها، أو كما كان قدماؤنا يقولون: لا تزال بعُجَرها وبُجَرها! وكأنها ليست ذات تاريخ طويل مرّت فيه بتطورات هائلة جعلتها فى كل مرحلة من مراحله قادرة تمام المقدرة على التعبير عن كل ما يريد منها أصحابها لم تخذلهم يوما! ومما قاله ذلك الرجل أيضا فى معرض الزراية على الفصحى والتنفير والتحقير منها بصريح القول ودون أية تورية أو تجميل أن اللغة عند زكى مبارك وابن عربشاه والحكومة المصرية "ليست لغة الديمقراطية والأتومبيل والتلفزيون بل هى لغة القرآن وتقاليد العرب"(المرجع السابق/ 54). وكان كلامه هذا تعليقا على قول زكى مبارك (والعهدة عليه) إن المرأة لا تستحق إلا الضرب بالحذاء، وعلى استنكار المؤرخ المسلم ابن عربشاه لخلوّ مراسلات جنكيز خان من عبارات التبجيل والتفخيم التى كان يجرى عليها الإنشاء الديوانى فى عصور التخلف الأدبى، وعلى ما يقوله هو من أن الحكومة المصرية عندما أنشأت كلية دار العلوم لم تسمح للنصارى بالالتحاق بها. فانظر كيف جاءت إشارته إلى القرآن فى هذا السياق المسىء الذى يراد منه اتهام كتاب الله العظيم بأنه يناقض الديمقراطية والعلوم العصرية والتسامح الدينى واحترام المرأة! وانظر كذلك إلى هذه اللدغة السامة فى دعواه الكاذبة بأن العربية التى وصلتنا عن آبائنا وجدودنا غير صالحة للتعامل مع المعارف العلمية الحديثة، إذ يقول: "لم يكن المجتمع العربى القديم يعيش على المعارف والمنطق إلا فى أقله، وكان يعيش على العقائد والغيبيات فى أكثره، ولذلك يشقّ علينا فى مجتمعنا أن نؤدى المعانى للمعارف المادية لأن لغتنا حافلة بكلمات الغيبيات والعقائد دون كلمات العلوم الجديدة"(السابق/ 51). ووجه التدليس والكذب فى هذا الكلام أنه يضع العقائد والغيبيات (الإسلامية طبعا، وليس غيرها) فى مواجهة المعارف والمنطق. فهذه واحدة، ولست محتاجا إلى أن أنصّ للقارئ على هدفه الخبيث من وراء ذلك. والثانية أنه يتجاهل بكلامه هذا الميراثَ اللغوىَّ العظيمَ الذى ورثناه عن عصور الازدهار العلمى من تاريخنا الحضارى فى مجالات الطب والحساب والكيمياء والطبيعة والفلك والهندسة والفلسفة والجغرافيا والمنطق... إلخ. وقد نقل كاتبنا(ص 40) قول سلامة موسى عن العربية إننا "قد ورثناها من بدو الجاهلية فى عصر الناقة، ويراد لنا أن نتعامل بها فى عصر الطائرة"، وأبدى موافقته على هذا الحكم، وإن كان قد احترز بأنه، على عكس سلامة موسى، لا يريد استبدال العامية بالفصحى(ص 40ــ 41). ولا أدرى أىّ خَبَلٍ قد أصاب عقل موسى، الذى كان كثير الطنطنة بالعلم ولا يكف عن التنفج بأنه كاتبٌ عصرىٌّ بل مستقبلىّ، فكل اللغات ترجع إلى أصول قديمة لا علاقة لها بالعلوم الحديثة، لكنها مع ذلك تتطور لتواجه المواقف الجديدة التى لم يكن لها بها عهد من قبل. أم ترى اللغات الأوربية التى يمجدها فى الفاضية والملآنة قد نزلت من السماء دفعة واحدة كاملة لا ينقصها شىء إلى يوم يُبْعَثون؟ أرجو أن يرى القارئ الفاضل التواء المنطق والذهن عند من يحاربون لغتنا، وغير لغتنا أيضا!

 

     ولبنت الشاطئ، رحمها الله، كتاب شديد الأهمية عن تطور اللغة العربية عنوانه "لغتنا والحياة" تتبعت فيه المراحل التى مرت بها هذه اللغة العبقرية منذ العصر الجاهلى إلى العصر الحديث، وكيف انفتحت لها القلوب والعقول مع انتشار الإسلام، وكيف كانت تواجه الظروف والأوضاع والمشاكل التى تقابلها وتنتصر عليها، وكيف أَثْرَتْ واتسعت ألفاظًا وتراكيبَ وصُوَرًا حتى صارت على ما هى عليه اليوم ولم تبق على نفس الوضع التى كانت عليه فى الجاهلية أو فى صدر الإسلام ، بل وَسِعَتْ كلَّ أنواع الفنون والعلوم. وينبغى على القارئ أن يرجع إلى هذا الكتاب كى يكون على ذكر مما حدث للغة الضاد من تطورات هائلة ومتنوعة ويتضح له تدليس من يريدون أن يبيعوا له الترام فى عز النهار متصورين فى أنفسهم الذكاء واللَّوْذَعِيّة، وفيه هو البلاهةَ والغباء. ترى هل يمكن لأى بكّاش أن يدعى أن اللغة التى نكتب بها اليوم هى نفسها اللغة التى كان يستعملها امرؤ القيس كما يقال عادة أو حتى لغة ابن المقفَّع أو الجاحظ أو القاضى الفاضل أو حتى لغة الرافعى أو الزيات مثلا؟ إن العربية لم تكف قطّ عن التطور، ومن يَقُلْ بغير هذا فهو إما واهم لا يدرك ما يقع حوله وإما جاهل وإما غشاش! ترى أيمكن أن  يمر يوم بل ساعة بل دقيقة على أى كائن حى دون أن تعتريه التغيرات من كل نوع؟ كلا بالطبع. وهو نفسه الجواب فى حالة اللغة. وردًّا على دعوى من يقول إن اللغة العربية لم تتطور نشير بسرعة إلى توارى آلاف الكلمات عن الأنظار ونشوء آلاف أخرى لم تكن موجودة فيها من قبل، واختفاء ألوان من التراكيب والتعابير والصور كانت لها شَنّة ورَنّة يوما ثم تغيرت الأذواق فاختفت أو كادت. مثلا أين يا ترى ذهب العدد الهائل من الألفاظ الرعوية التى كان العرب الجاهليون يستعملونها؟ لقد اندثرت أغلبيتها ومال الباقى على أسلات أقلامنا وعلى ألسنتنا نحن أهل الحضر إلى الاحتجاب، لأننا لم نعد نعيش فى مجتمع رعوى. وبالمثل أين ذهبت الصيغ القَسَمِيّة التالية: "وَايْمُ الله، أَجِدَّك، عَمْرُك الله، تَرَبِّ الكعبة" أو تركيبات مثل: "إنْ كاد فلان لَيَفْعَل كذا، وكَرِِبَ أن يفعله، واخْلَوْلَقَ أن يصنع كيت، وجعل يصنعه، وجاء القوم أكْتَعِين أبْصَعِين، وقام الطلاب ليس/ أو لا يكون زيدا، وارتفع السحاب متى لـُجَج البحر، وأَجمِْلْ بفلانة، وإنْ كُلُّ مهاجم لمـّّا عليه مدافع"، فضلا عن كثير من صور التنازع والاشتغال المعروفة لدارسى النحو العربى المفصل، وعدد غير قليل من صيغ الأسماء والأفعال مثل: "فِعْلَلّ وفُعَلِّل وفَعَيْلَل وفَعْفَعِيل وفَوْعال وفُعَلْعَل وفِعْلِياء وفَعْلَلَى وفِعَلاّل وفَعَلَّلَى، وفَعْيَلَ وفَيْعَلَ وفَعْوَلَ وفَعْنَلَ وافْعَالَّ وافْعَنْلَلَ وافْعَنْلَى"؟   كما أننا بوحه عام قلما نستخدم الآن صيغ التصغير أو أسلوب الإغراء والتحذير. وبالمثل يندر أن يََصِف أحدنا المنادى العَلَم أو يعطف عليه اسما آخر، أو يستعمل من أدوات النداء"أَىْ" أو "هَيَا" أو حتى الهمزة، أو يستخدم "بَلْهَ" بل نقول عادة: " فضلاً عن". كذلك فنحن نلزم فى الأعلام الحديثة، والأجنبية منها بالذات، السكون فى كل الأحوال، ونكتفى فى عبارة "لا حَوْلَ ولا قوَّةَ إلا بالله" مثلا بفتح اللام من "حول" والتاء المربوطة من"قوة" مهملين الإعرابات الباقية فلا نقول: " لا حولٌ ولا قوةٌ" أو "لا حولاً ولا قوةً"، ولم نعد نستخدم من أخوات "ظَنََّّ" الفعل "دَرَى (أحمدُ أستاذَه عالمـًا كبيرًا)" المتعدّى إلى مفعولين، أو الفعل "أرَيْتُه (العملَ قيمةً كريمةً)" المتعدى لثلاثة فاعيل، بالضبط مثلما لم نعد نستعمل فى الحال قولهم: "جاؤوا الجَمّاءَ الغفيرَ"...وهكذا. ومن ناحية أخرى فقد أخذ المجمع اللغوى بمصر بكثير من التسهيلات فلم يَرُدّ أى لفظ أو تركيب أو عبارة مستجدّة لها وجه من الصحة، ودعا إلى التوسع فى القياس بدلا من العناد الحرون الذى يلجأ إليه بعض المتنطعين فى اعتراضهم على اعتماد القياس فى بعض الاستعمالات الجديدة بشبهة أننا ينبغى أن نلتزم بما ورد عن العرب فى هذه المادة أو تلك الصيغة أو ذلك التركيب ولا نقيس على ما قالوه . وإذا كان الشىء بالشىء يذكر فقد يكون من المناسب أن أقول إنى قد أصبحت بدورى أكثر تسامحا ومرونة تجاه ما يسارع غيرى إلى تخطئته بناء على أنهم لم يقابلـوا هذا الاستعمال من قبل. ورأيى فى هذا الموضــوع أن من الصعب الجزم بأن التركيب الفلانى أو التعبير العلانى خطأٌ ما دام لا يصادم أصلا من أصول اللغة، إذ ثبت لى فى كثير من المواقف أن الاستعمال المَقُول بخطئه ليس فى الحقيقة كذلك، بل كل ما هناك أن المخطِّئ قد تسرع فحكم على ما ليس له به علم، وبخاصة أنه قد صار سهلا الآن أن يكون تحت أيدينا فى دقائق معدودة كل الشواهد الشعرية أو جُلّها وكثير جدا من شواهد كتابات الفحول القدماء فى الاستعمال الذى نكون بصدده بنقرات قليلة على فأرة الحاسوب، وذلك كله ببركة الأقــراص المدمجــة، وهو ما كان علماء العــرب يُفْنُون فيه الأيــام والليالى، وربما الشهور والسنين، كى يضعــوا أيديهــم على بعضه.

 

    وأما ما كان ينقص العربية من المعانى والمفاهيم والمصطلحات الجديدة  مما كان موجودا فى غيرها من اللغات أو مما توصل إليه علماؤها أنفسهم فإنها كانت تستحدثه أوّلاً بأوّل بطُرُقها المختلفة كالاشتقاق والنحت والتعريب وإضفاء المعنى الجديد على لفظة قديمة...إلخ. وبين يدىّ، وأنا أكتب هذا الكلام، كتاب د.عبد الصبور شاهين: "العربية لغة العلوم والتقنية"، الذى يتناول فيه الجانب اللغوى من التراث العلمى العربى وكيف استطاعت لغة القرآن أن تستوعب العلوم المختلفة فى كل مرحلة من مراحل تاريخها حتى العصر الحديث، إلى جانب قضايا الترجمة وصَوْغ المصطلحات العلمية التى تحتاجها اللغة كلما هلّ عليها علم أو فن جديد. وهو ما يبين أن العربية لم تعجز يوما عن التعبير عن أى فكرة أو مفهوم علمى، على عكس ما يريد إيهامَنا به المتعجلون الذين لا صبر عندهم على التحقيق والتمحيص، أو المقلدون الحاطبون فى حبال أعداء هذه اللغة ودينها. كذلك للدكتور كارم السيد غنيم كتاب فى ذات الموضوع عنوانه "اللغة العربية والصحوة العلمية الحديثة" يحسن بالقارئ الرجوع إليه أيضا لأهميته الشديدة فيما نحن بصدده. فكيف يقال بهذه البساطة إن نحو لغتنا وصرفها لم يعترهما أى تطور؟ لقد تطورا، لكنه التطور الذى لا يمس جوهر اللغة وسماتها الفارقة، بل يحافظ على خطوطها العامة ويُبْقِى على شخصيتها. أما ما يريده الكاتب من تطوير فما هو فى الحقيقة بتطوير بل تغيير لملامح اللغة وروحها، وهو كفيل ببتّ الصلة بيننا وبين اللغة التى عرفها أسلافنا وآباؤنا طوال الخمسة عشر قرنا الماضية أو يزيد، وكذلك الآداب والعلوم التى كُتِبَتْ بها، وقبل هذا وذاك القرآن المجيد. لماذا؟ لأنه يريد أن يلغى، وإلى الأبد، أبوابا من النحو والصرف لا غنى للغة ولا لنا عنها، أما ما توارى من الاستعمالات القديمة مما تحدثتُ عنه آنفا فإنه لم  يُلْغَ، بل مازال موجودا فى مستودع اللغة بحيث نستطيع أن نستخرجه متى وجدنا أننا بحاجة إليه. فهو يمثل إذن مخزونا إستراتيجيا ينفعنا وقت الضيق، علاوة على أن هناك تحت أيدينا بدائل تغنى عنه بحيث لا تفقد اللغة شيئا أساسيا منها: فـ"اخلولق" مثلا تنوب عنها "عسى"، و"إنْ...لـمّا" نستعيض عنها بـ"ما ... إلا"، و"دَرَيْتُ سعيدا وفيًّا للعهد" يمكن أن نقول بدلا منها: "تيقنت/ تأكد لى أنه وفىٌّ للعهد"، وبالمثل يمكننا أن نقول: "ما أجمل فلانة" عوضا عن" أَجْمِِلْ بها"... وهكذا. أما إذا حذفنا التثنية والتأنيث والإعراب مثلا من لغتنا إلى الأبد، فماذا نحن فاعلون عندئذ؟

 

     ويا ليت الأمر يقتصر على هذا الذى يقترحه أ.الشوباشى، فالواقع أن كل من لا تعجبه اللغة العربية له اقتراحاته التى يريد لىّ عنقها إليها، فما العمل إذن؟ أنأخذ بكل تلك المقترحات؟ إذن ففى ضربة واحدة لن يبقى من قواعد اللغة التى نعرفها شىء تقريبا! أم نأخذ مقترحات البعض ونهمل مقترحات البعض الآخر؟ ولكن على أى أساس سيكون قبولنا أو رفضنا؟ لقد سبق أن نادى قاسم أمين مثلا فى كتيّبه المسمَّى:" كلمات" بتسكين أواخر الألفاظ. كما نادى عبد العزيز فهمى باصطناع الحروف اللاتينية، وله كتاب فى هذا الموضوع اسمه "الحروف اللاتينية لكتابة العربية". وتابعه فى ذلك سلامة موسى، الذى نادى أيضا بإلغاء المثنى، وبالتذكير والتأنيث فى الجمادات والمعانى والأعداد أسوة بالإنجليزية (البلاغة العصرية واللغة العربية/ 102 وما بعدها). ونادى طه حسين فى كتابه "نقد وإصلاح" بأن نكتب الألفاظ كما ننطقها، وهو ما من شأنه إرباك اللغة وإملائها على السواء تمام الإرباك. وألقى أمين الخولى محاضرة عن التجديد فى النحو عام 1943م نادى فيها بتنوين كل الأسماء وإلغاء باب "الممنوع من الصرف" إلى غير رجعة، وإعراب المثنى بالألف دائما، وإلزام "أبوك وأخوك" الواو باستمرار، وإجراء جمع المذكر السالم فى كل أحواله مجرى كلمة "حين"، أى بالياء والتنوين مثل الاسم المفرد. ويمكن قراءة هذه المحاضرة فى كتابه "مناهج تجديد فى النحو والبلاغة والتفسير والأدب". وقبل هذا كله نادى بعض المستشرقين والمبشرين، مثل ولهلم سبيتا وسلدين ولمور ووليم ولكوكس، بهجران الفصحى واستبدال العامية بها، وتابعهم فى هذه الدعوة المشؤومة بعض العرب من مسلمين ونصارى: ومنهم عثمان صبرى، الذى ألف فى ذلك بحثين على الأقل وطبق دعوته فى روايتين كتبهما على النحو الجديد الذى اقترحه بلغة متكلفة مصطنعة، ولويس عوض، الذى كتب "مذكرات طالب بعثة" بلغة لا ندرى من أين أتى بها، لأنها لا تشبه أيا من العاميات التى نعرفها، وسعيد عقل الصليبى اللبنانى الذى كان يريد، لا تَرْك الفصحى فقط، بل إحياء النزعة الفينيقية أيضا من بعد أن أجحمها الله... ترى ما الذى يبقى من لساننا العبقرى بعد هذا كله؟ وما سر هذه الدعوات المحمومة التى انطلقت أول ما انطلقت من قِبَل المستشرقين والمبشرين؟ إنهم يزعمون أن الفصحى لا تستطيع استيعاب العلوم الحديثة أو التعبير عنها؟ فهل يا ترى تستطيعه اللهجات العامية المتخلفة التى لا تاريخ لها على الإطلاق فى مجال الآداب أو العلوم أو الفنون، اللهم إلا بعض الأزجال قديما فى الأندلس، وهذه الأغانى والمسرحيات التى نسمعها فى المذياع أو نشاهدها على المسرح أو فى المرناء فى عصرنا الحالىّ، ثم الأمثال الشعبية، وهذا كل ما هنالك؟ ثم ما القول فى هذه الآلاف المؤلفة من الكتب والبحوث والمقالات والدراسات والمحاضرات والأحاديث العلمية التى صبها أصحابها فى قالب الفصحى ولم يَدُرْ فى خَلَدهم للحظةٍ أن يكتبوها بالعامية؟ أَوَعلينا أن نلغى عقولنا ونصدق هذا التدليس؟ إن مثل هذه الشبهات لا تجوز على أى شخص له عقل فى رأسه.

 

     والآن نريد أن ننظر فيما قاله كاتبنا لنناقشه. ولكن لا بد أولا من إيضاح نقطة على جانب كبير من الأهمية، فقد يستغرب بعض القراء موقفى هذا الذى يبدو متشددا ويتصورون أنه مبالغة فى الخوف مما لا مخافة فيه. والواقع أن المسألة ليست كما تبدو للعيان، إذ إن هذه الخطوة التى يدعونا المؤلف إلى اتخاذها هى بمثابة خلع الطوبة الأولى فى الجدار، التى إن تم خلعها كان خلع الأحجار الباقية أسهل شىء فى الوجود كما هو معلوم، فمعظم النار من مستصغر الشرر، ورحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة. وهناك مثالان قريبان جدا خبرتهما بنفسى، إذ صدر منذ عامين كتاب يحمل فيه صاحبه على سيبويه ويدعو إلى نبذ الإعراب والفصحى والاستعاضة عنها بالعامية، وفكرتُ فى كتابة رد عليه رغم أن أحدا لم يسمع به من قبل ورغم ما يعكسه الكتاب من جهل مبين وتهور أحمق. وكان رأى بعض من عرفوا بنيّتى أنه لا داعى لأن أشغل نفسى بشخص مثله ليس على شىء من العلم. إلا أننى كان لى رؤية أخرى، فقد تنبهتُ إلى مغزى أن تنشر له كتابَه التافهَ دارُ نشرٍ كبيرةٌ مشهورةٌ وفى حلةٍ جذابةٍ فاخرة، وأن يكتب عنه بعض الصحافيين واصفا إياه بأنه حلقة فى سلسلة اللغويين الكبار بدءا بابن جنى، وانتهاء بإبراهيم اليازجى. المهم أننى، بعد أن أصدرت بعدة أشهرٍ كتابى "دفاع عن النحو والفصحى ـــ الدعوة إلى العامية تطلّ برأسها من جديد"، الذى فنَّدْتُ فيه الهراء الماسخ الذى هرف به صاحبنا، علمت من أحد الأصدقاء أن ذلك الجاهل المتهور قد أصدر كتابا آخر يهاجم فيه كتب الأحاديث والمحدّثين، على الرغم من أنه كان حريصا، أثنـــاء هجومه على النحو وسيبويه، أن يطمئننــا بأن دعوته لا  تَمَسّ الدينَ بأى سوء. وهاهو ذا الدين قد مسَّه هو نفسه لا سواه من خلال إنكاره الأحاديث النبوية التى تمثل المصدر الثانى للتشريع فى الإسلام ، ولم تمرّ على طمأنته الكاذبة لنا إلا سنتان اثنتان لا غير. والبقية تأتى!  كذلك كنت قد لاحظت، فى ثمانينات القرن الماضى، ما يكتبه خليل عبد الكريم من مقالات فى جريدة "الأهالى" يدعو فيها إلى وجوب النأى بالدين عن ميدان السياسة والاقتصاد والاقتصار منه على جوانب العبادة والأخلاق حفاظا على قدسيته وطهارته كما يقول هو وأمثاله، وكأن الدين لم ينزل لتطهير السياسة والاقتصاد مما يخالطهما من رِجْس، بل لنلفّه فى ورق سلوفان ونضعه على الرفّ كى نمتِّّع أبصارنا به أو لنبلّه ونشرب منقوعه على الريق. ثم وجدتُ بعد ذلك بقليل أنه شرع يلمز هذين الجانبين أيضا، لِيُثنِّىَ بالتنقص من الصحابة، مع بعض الخبطات من تحت لتحت فى شخص النبى علبه السلام، وهو ما استفزنى للرد عليه وإظهار جهله ونياته السيئة فى كتابى "اليسار الإسلامى وتطاولاته المفضوحة على الله والرسول والصحابة". ثم كشف الرجل الغطاء تماما عن مقاصده وظهر كتاب باسمه يقول فيه عن سيد النبيين والمرسلين إن خديجة بنت خُوَيْلِد وورقة بن نوفل هما اللذان أعدّاه للنبوة وصنعاه صناعة، وإن خديجة قد "صَنْفَرَتْه وقَلْوَظَتْه" (هكذا بالنص على أسلوب الحُوذِيّة والحشاشين)، فدفعنى هذا مرة ثانية إلى الرد على قلة الأدب تلك فى كتاب بعنوان "لكنّ محمدا لا بَوَاكِىَ له" عبّرت فيه عن شكِّى القوى فى أن يكون مؤلفه شخصا ينتمى إلى أسرة مسلمة مهما يكن رأيه الحقيقى فى دين محمد، ورجَّحْتُ، بناء على أسبابٍ رأيتُها جِدّ وجيهة، أن يكون وراءه مبشر رقيع يتنقّب بالاسم المذكور على الغلاف، برضا صاحبه طبعا! ثم هاهو ذا مؤلفنا، على رقته ودماثة نفسه كما قلت، قد وقعتُ له على عبارة عارضة، لكن لها دلالتها الخطيرة، إذ وجدته يقول فى الصفحة المائة والعشرين، زاريا على من سماهم "الذين يفرضون مرجعياتٍ سَلَفِيّةً لكل قضايا المجتمع ومشكلاته المستعصية"، إنهم "يقحمون الدين الحنيف فى كل شىء. ليس فى السياسة فقط، لكن فى التعاملات اليومية والعلاقات الاجتماعية والقوانين وقواعد السلوك العام". ترى يا إلهى ما الذى يتبقى من "الدين الحنيف" بعد أن ننحّيه عن ميدان السياسة والقوانين والسلوك العام والعلاقات الاجتماعية؟ أسيظل بعد هذا "دينا"، و"حنيفا" أيضا؟ إننا نشمئز من شرب الخمر ومن لحم الخنزير والزنا واللواط والسحاق والتعامل بالربا بسبب نهى الشريعة المغلظ عنها، ونحترم الكبير ونصل الرحم ونغض البصرعن التطلع إلى النساء ونأكل بيمنانا ونسمى الله عندئذ ونحمده بعد الفراغ من الطعام لأن ديننا قد حث على ذلك، ونستهجن تبرج المرأة أو تشبُّهها بالرجال أو تشبُّه الرجال بها لأنه غير مقبول فى دين محمد، ونستحرم الربا لأنه ممنوع فى القرآن والسنة، وقوانيننا فى الزواج والطلاق والميراث مثلا مستقاة من الإسلام...وهكذا. فهل يريد المؤلف منا أن نلقى كل هذه الأوامر والنواهى وراء ظهورنا أم ماذا ؟

 

     والآن مع مقترحات أ.الشوباشى: وأول شىء نقف عنده ما قاله بشأن المفعول به، ونصّه: "ولعل من أبرز أسباب تعقيد العربية ووقوع الغالبية فى شرك الخطإ هو المفعول به. والمشكلة أن المفعول به فى العربية لا يُعْرَف من مكانه فى الجملة، وإنما من إعرابه، وبالتالى من تشكيله. وأرى أنه من الأقرب إلى المنطق أن نقول مثلا: "رأيت رجلْ طويلْ يأكلْ خبز" بدلا من "رأيت رجلا طويلا يأكل خبزا". والسبب الوحيد الذى يجعلنا نتمسك بالمفعول به "مُنَوَّنًا" هو أننا ورثناه من نحاة العصور السالفة وأصبح مألوفا لآذاننا. لكنه من غير المنطقى أن نقبل هذا السبب ونستكين لثقافة الأذن. وإذا قلنا: "رأيت رجلْ طويلْ يأكلْ خبز"، فهل يؤدى هذا للقارئ أو المستمع أى التباس فى المعنى؟ وبغير مكابرة فإن الغالبيية العظمى يخطئون فى المفعول به عند الكتابة، كما أنهم لا يفهمون معنى بعض الجمل غير المشكَّلة بسبب ذوبان المفعول به وسط مفردات الجملة حيث إن تركيبة اللغة العربية لا تحدد له مكانا محسوبا ومعروفا سلفا"(ص172).

 

      وتعليقى على هذا هو أن المسألة التى يتكلم عنها الأستاذ غير مقصورة على المفعول به، بل تشمل تقريبا كل الأسماء والأفعال المضارعة أيضا، إذ إن وظائف الكلمات فى لغتنا لا تتضح أساسا إلا بضبطها. كما أننى لا أفهم تخصيصه "التنوين" بالذات باعتراضه، والمفعول به وغير المفعول به لا ينوَّن فى جميع الحالات كما هو معروف؟ فهذا دليل آخر على أن المسائل فى ذهنه غير واضحة. أما بالنسبة لثقافة الأذن التى يعدّها من عيوب العرب فعلينا أن نلاحظ أنه يتكلم، لا عن عرب الجزيرة وحدهم، بل عن المصريين والعراقيين والشوام والمغاربة والسودانيين ، فهل هؤلاء جميعا ثقافتهم أذنية مع أن أغلبهم لم يكونوا يوما أميين يعتمدون فى آدابهم ومعارفهم على الأذن والحفظ والمناقلة الشفوية بالمعنى الذى نقصده حين نتكلم عن العرب الأصلاء أيام الجاهلية؟ وحتى بالنسبة للعرب الأصلاء، أيظن أنهم ظلوا لا يتطورون حتى بعد أن أصبحوا سادة الدنيا فى العلوم والآداب؟ لقد كان الأوربيون إلى قرون قليلة خلت متخلفين ومتوحشين بطريقة مزرية، وكان العرب الذين لا يعجبون مؤلفنا الآن يسخرون منهم ومن جهلهم وخشونتهم. فهل نظل ننعتهم بأنهم متوحشون أميون إلى أبد الآبدين؟ ثم ما العيب فى الاعتماد على الأذن فيما ينبغى الاحتكام إلى الأذن فيه؟ إن التنوين، بلا شك، يضفى على الكلمة موسيقية يجعلها أجمل وأقدر على غزو القلوب، فهل نتخلى بهذه البساطة عن التنوين، وبخاصة أن آذاننا، كما تقول، قد ألفته؟ إن اقتراحك هذا يذكرنى بالتركى الذى اشترى بعض القُلَل ووضها أمام بيته، ثم جلس إليها، وكلما مر أحد السابلة من خلق الله الغَلابَى من أمثالى ومدّ يده إلى واحدة منها ليبلّ ريقه الناشف أسرع التركى فنهره قائلا، وهو يشير إلى قُلَّة أخرى بعيدة: "اترك هذه، واشرب من تلك!". طيب! ثلاثة أيمان بالله العظيم يا أستاذ شوباشى ما أنا شارب إلا من القُلّة التى أُحِبّ، والذى تريد أن تعمله، اعمله!

 

      إن المعيار الذى تتخذه هنا هو أن تؤدى الكلمة المعنى، والسلام. لكن من قال إن هذا معيار سليم فى كل الأحوال؟ ترى لماذا جئتَ لابسًا بدلةً ورباط رقبة وكنت على سِنْجَة عشرة يوم تسجيل الحلقة التلفازية الخاصة بمناقشة كتابك؟ لقد كان يكفى أن تلبس مثلى قميصا وسروالا. لا، بل إنه ليكفى أن يضع الواحد منا خرقة على جسمه إذا أراد الخروج للشارع! لا، بل إنه ليس للخرقة أي داع فى أوقات الحر، ولْيخرج الواحد منا كما ولدته أمه، على الأقل لنوفر العملة الصعبة التى نشترى بها آلات الغزل والنسيج أو التى نشترى بها الملابس الجاهزة حتى لو كانت من المنتوجات الصينية التى أسعارها فى متناول أى كحيان عدمان، وأنت سيد العارفين بأن بلادنا فى حاجة إلى كل دولار نُدبِّقه كى يهبش الملايينَ أىُّ لص من خريجى مدرسة " خذ الفلوس واجْرِ" من شاكلة المرأة الحديدية! (المرأة الحديدية من الطبعة المصرية لا الإنجليزية من أمثال مسز ثاتشر، التى ظُفْرُها برقبة ألف ممن يُسَمَّوْن بـ"الرجال" من العالم السَّكّة الذى يدعونه: "العالم الثالث" رغم كراهيتى الشديدة لها ولعنجهيتها ولوقوفها ضد قضايانا). ومرة أخرى أقول: لماذا يا ترى نحرص فى الحفلات والمناسبات السعيدة على تزيين المائدة عندما نجلس إلى الطعام، وعلى إضاءة الشموع الخافتة بدلا من الثريا التى اشتريناها بالغالى ودفعنا فيها شيئًا وشويّات، وعلى تشغيل موسيقى هادئة من النوع الكلاسيك التى يغرم بها من لا يعجبهم من المثقفين "نِصْف لبّة" موسيقانا من عزف خالد الذكر المعلم حسب الله حتى يقال عنهم إن ذوقهم أوربى، ويقوم على تقديم الطعام لنا جرسونٌ أنيق يرتدى بابيونة فى رقبته وينحنى فى كل مرة بأدب يفقع المرارة بل يفلق الحجر، واضعا طَبَقًا وراء طبق وعلى راحته تماما (ولماذا العجلة؟ هل سيفوته ا لقطار؟)، ونحن نبتسم له رغم أن عصافير بطوننا لا تكفّ عن الزقزقة وتود لو نَزَلَتْ على الطعام "حَتَتَك بَتَتَك" غير مبالية بهذا الذى يسمونه: "الإتيكيت"، لعنة الله عليه؟ ألم يكن يكفى أن يُدْلَق الطعام على الأرض دَلْقًا، وعلى كل من يريد أن يأكل أن ينبطح على بطنه ويلعقه كما تفعل القطط مثلا؟ ألم نكن سنشبع؟ أم كان الطعام سيقول: لا؟ ولماذا كذلك الرقص والغناء؟ ألا يكفى أننا نمشى ونتكلم ونصيح؟ ألا بد من الحركات والأصوات الموقَّعة؟ ولماذا كل هذه القواعد الكثيرة المعقدة التى يتحكم بها أهل الفيفا فى لعبة الكرة ؟ لقد كان الناس قديما يلعبونها كيفما اتفق فيركل الواحد منهم الكرة أو خُصْيَتَىْ غريمه: لا يهم! كُلّه ماشٍ! وكان الذى ينكسر من اللاعبين أو حتى  يموت يروح فى ستين ألف داهية دون أن يسأل عنه أحد أو يدفع له دية، فما الذى جعل خبراء الفيفا يحشرون أنوفهم فى أمور الكرة ويحرمون الناس من الحرية التى كانوا يتمتعون بها فى ممارستها؟ إنها الحضارة، كما تعرف، والرغبة عند أهل الذوق الراقى فى المتعة يا أستاذ. ولكنك تتجاهل ذلك عند مناقشتك لأمور النحو العربى! وأرجو ألا يقول لى أحد: وهل أوربا غير متحضرة، وليس عندها إعراب؟ فجوابى جاهز، وهو أن هذه مسألة أذواق، وهم لهم ذوقهم، ونحن لنا ذوقنا، مثلما لهم نبيهم، ولنا نبينا، وكل من له نبىّ يصلى عليه! وفوق ذلك فالإعراب فى لغتنا يعطيها مرونة عجيبة فى بناء الجملة لا تتوفر فى أية لغة أخرى، فترانا نقدّم ونؤخّر، ونحذف ونَذْكُر حسبما تقتضيه البلاغة. كما أن التشكيل جزء أصيل فى الإملاء العربى، على الأقل لإزالة الالتباس كما لا بد أن يكون القراء قد لاحظوا ذلك فيما أكتب، وإن كنت أسرف قليلا فى هذا السبيل. أما اللغات الأوربية التى ترى أنها هى المثال الذى ينبغى أن نحتذيه فهى لغات متيبّسة الحركة كالذى فى رقبته خشونة أو غضروف، فهو لا يستطيع أن يتلفت براحته، بل عليه أن يظل ناظرا قدامه، أو كالقطار الذى لا يمكنه إلا أن يجرى فوق القضبان وإلى الأمام فقط آخذا كل شىء فى وجهه، لكن ليس على طريقة قطار كَفْر الدوّار الذى دخل فى البيوت والدكاكين وحصد من الأرواح ما لا أعرف عدده الآن. أتذكرونه؟ والله إنى لحزينٌ وآخذٌ على خاطرى منك كثيرا يا أستاذ شوباشى، فأنت ابن الرجل الذى أمتعنا، ونحن شبانٌ، بأسلوبه العذب الذى يغزو القلوب غزوا سواء فى ذلك مؤلفاته أو مترجماته. لا عليكِ يا لغتنا العبقرية الفاتنة! غدًا، حين نزيح غُمّةَ التخلف والكسل عن كواهلنا وسوادَ خزيه عن وجوهنا، يأتيكِ من يقدّر جمالك وأناقتك وسحرك ودلالك وأصالة البيت الذى أنت منه ويدفع فيك المهر الذى تستحقين! صحيـح: لم يجـدوا فى الورد عيبا فقـالوا له: يا أحمـر الخـدين!

 

    ونأتى إلى اقتراح كاتبنا بحذف التأنيث. وأذكر أن د.عبد المنعم تليمة قد دافع، فى حلقة التلفاز التى تكررت الإشارة إليها آنفا، عن هذا الرأى قائلا إننا الآن فى عصر يهتم بحقوق المرأة ولا يقبل أبدا أية تفرقة بينها وبين الرجل. وعلى هذا فلا بد أن تُعَامَل كالرجل سواءً بسواءٍ فى الضمائر والأسماء والصفات. وقد رددتُ على ذلك بالقول بأن الله جعل كل الأحياء ذكرا وأنثى، ويوم أن يتوصل  العلماء إلى جعل البشر جنسًا واحدًا لا هو ذكر ولا هو أنثى، فعند ذلك سوف تختفى تلقائيا ظاهرة التأنيث. أما قبل ذلك فلا أدرى سببا للمناداة بإلغائها. ثم أضفتُ أن حقوق  المرأة وحرصها على التميزعن الرجل وعدم الخضوع له يقتضى منا أن نُفْرِدها بضمائرَ وصيغٍ اسميةٍ ووصفيةٍ خاصّةٍ بها، وإلا كانت مجرد ظل لِسِى السيّد فنعبّرعنها بما نستعمله له دون تفرقة. ثم إن التأنيث موجود مثلا فى اللغة الفرنسية التى يتقنها الكاتب، لا فى الضمائر والأسماء والصفات فقط، بل فى أدوات التعريف والتنكير أيضا، على خلاف ما عندنا، إذ لا تعرف لغتنا إلا أداة تعريف واحدة للمذكر والمؤنث إفرادًا وتثنيةً وجمعًا، أما التنكير فليس له لدينا أداة. كما أن لتأنيث الأسماء والصفات فى لغة فولتير قواعد متعددة حسبما هو معروف. لكن البعض قد يعترض بأن المنطق كان يقتضى اتفاق العدد عندنا فى التذكير والتأنيث مع الاسم المعدود فنقول: "تسعة نساء، وتسع رجال"، لا العكس. ولا أحب أن أضيع وقتى ووقت القارئ ووقت المعترض فى مناقشة مثل هذا الاعتراض، بل أختصر الكلام اختصارا وأقول: هذا الذى كان، وهذا الذى حصل، ويستوى من حيث الصعوبة أو السهولة أن نخالف بين العدد والمعدود أو نوافق. المهم أن هناك قاعدة تحكم هذا، وأن الأمر ليس فوضى. وليس من المعقول أن نأتى للغتنا كل فترة فنعبث بها حتى تصير كالخرقة الممزقة. وبالمناسبة فليست هناك لغة فى الأرض أهلُها راضون عنها تمام الرضا حتى ولا الإنجليزية، التى تعانى من عيوب كثيرة جدا على عكس ما يوحى به كلام الأستاذ الكاتب. وكما أكرر دائما، فالعبرة بالتكرار والتعود، وكل صعبٍ لا بد أن يَذِلّ ويُسْلِس قيادَه لمن يَرُوضه بالاهتمام والجِدّ والحرص على الإتقان. وقد أُثيرت مسألة إطلاق كلمة "أستاذ" بصغتها المذكَّرة هذه على بعض دكتورات الجامعة، ودافع الدكتور تليمة عن هذا الصنيع. لكنى أرى أنه مجرد تقليد ممسوخ للغة جون بول، التى لا يصح اتخاذها هى أو غيرها مثالا أعلى للغتنا الدقيقة الأنيقة المصفاة من كل أثر للخشونة الموجودة فى الإنجليزية أو غير الإنجليزية. إن هذا يذكّرنى بما صنعه بنو إسرائيل فور نجاتهم من بطش فرعون، الذى رَأَوْه بأم أعينهم يغرق مع جنوده ومَلَئه لكنهم لم يتعظوا، إذ ما إن أتَوْا فى سيناء على قوم يعكفون على أصنام لهم حتى صاحوا بنبيّهم قائلين: "يا موسى، اجعلْ لنا إلهًا كما لهم آلهة. قال: إنكم قوم تجهلون* إن هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه، وباطلٌ ما كانوا يعملون"(الأعراف/ 139ـ 140). كذلك أذكر أنه كانت لجيراننا بنتٌ حلوةٌ جدا حباها الله شعرًا وَحْفًا ناعمًا جميلاً يصل إلى خَصْرها ويضفى عليها مزيدا من الفتنة والبهاء، لكنها بنَزَقها وقلة عقلها أبت إلا أن تقصّه آلاجَرْسُون تقليدا لصديقة لها شعرُها شائك كالليفة الجديدة ظلت تزنّ عليها وتغريها بذلك غيرةً من شعرها الفاتن الجميل. وعبثا حاولت أمها أن تبصّرها بسوء رأيها، فقد كانت، كما قلت، قليلة العقل عنيدة. ثم رأيناها بعد أن نالت مرادها وقد فقدت شيئا كثيرا من حلاوتها وفتنتها. ولكنْ على من تقرأ مزاميرَك يا داود؟

 

      ومن بين ما أخذه المؤلف على الفصحى وجودُ التثنية فيها. ولست فى الحق أدرى كيف يمكن أن تكون هذه السمة مَعَابة تؤخذ على لغة القرآن، إذ هى دليل على الدقة، فبدلا من أن تتعامل مع ما يزيد على واحد نفس المعاملة نراها تفرق بين الاثنين وما هو أكبر من ذلك. والأستاذ المؤلف يتخذ من اللغات الأوربية هنا أيضا معيارا يعاير به لغتنا، ناسيا أن لكل لسان شخصيته وأوضاعه، فضلا عن أن الحياة ذاتها قد أفردت المثنى بوضع خاص، فالكون كله قائم على التقابلات الثنائية: فاليمين يقابله الشمال، والأعلى يقابله الأسفل، والأمام يقابله الوراء، والذكر تقابله الأنثى، والسماء تقابلها الأرض، والجنة تقابلها النار، والماضى يقابله المستقبل، والبحر يقابله البر…وهكذا. وفى الإنجليزية ما زالت هناك كلمة "both: كلاهما" فى مقابل "all: كلّهم"، وكذلك عبارة "one another: كلاهما الآخر" فى مقابل "each other: كل منهم الآخر"، وهو أمر له دلالته التى لا ينبغى أن تفوتنا. سيقول الأستاذ: لكن الطلبة يضيقون بهذا، فأقول له: ليس للكسالى الحق فى فرض كسلهم على الحياة. إن سقوط الهمة والكسل مسؤولان عن الكوارث المتلاحقة التى تنزل على رؤوسنا منذ قرون، ولا تكاد تترك لنا فرصة لنتنفس ونقبّ على وجه الدنيا. كفانا بلادة وجمود‍‍‍! ولنكن، ولو مرة واحدة، كأجدادنا الذين فتحوا العالم، وليس فى أيديهم غير هذه اللغةِ التى لا تعجب البعضَ والكِتَابِ الذى نزل بها، والذى لا يستطيع أقوام أن يناموا ملء أعينهم رغم كل ما فى أيديهم من سلطان وثروة وقوة وجبروت ما دام هناك من يقرؤه ويؤمن به! أما مبدأ "كله عند العرب صابون" فلا محل له من الإعراب. وهنا ينبغى أن نشير إلى ما جاء فى نهاية كلام المؤلف حول هذه القضية من أن اللهجات العامية قد تخلصت من المثنى تلقائيا وأصبح الاثنان جمعا كما يقتضى المنطق (ص 174). فأما أن المنطق يقتضى هذا فغير صحيح كما سبق أن وضحنا، وأما أن العاميات قد تخلصت من المثنى، فإن كان المقصود أنها تخلصت منه تماما فهذا لم يحدث، إذ ما زلنا نقول فى لغتنا اليومية: ولدين وبنتين وكتابين وورقتين وأستاذين ومدرّستين... إلخ، لكنه صحيح فى مجال الضمائر رغم ذلك.

 

       وقد حاول مقدم البرنامج التلفازى الذى نوقش فيه كتاب الأستاذ المؤلف أن يسوّغ ما نادى به من معاملة المثنى معاملة الجمع، فاستشهد بقوله تعالى: "وداودَ وسليمانَ إذ يحكُمان فى الحرث إذ نَفَشَتْ فيه غنمُ القوم، وكنا لحكمهم شاهدين"(الأنبياء/ 78)، وبقول أمير الشعراء مخاطبًا النبى عليه السلام: 

 

                          فإذا رَحِمْتَ فأنتَ أُمٌّ أو أبٌ     هذان فى الدنيا هما الرُّحَماءُ

 

 حيث استعمل القرآن ضمير الجمع فى كلمة: "حكمـهم" لداود وسليمان، وهما اثنان فقط، واستخدم شوقى صيغة الجمع: "الرحماء" فى وصف الوالدين، وهما اثنان أيضا فقط. وكان جوابى أن ذلك ليس بلازم، فكلمة "حكمهم" يدخل فيها أيضا "القوم" الذين احتكموا إلى النبيين الكريمين ، ومن ثم يكون ضمير الجمع عائدا على أكثر من اثنين: داود وسليمان وأولئك القوم. كما أن فى بيت شوقى غرضا بلاغيا مؤدّاه أن رحمة الأبوين هى الرحمة الحقيقية أو تَعْدِل جميع الرحمة الموجودة فى العالم، فكأنهما كل الرحماء فى الدنيا. أى أن الكلام هنا على المجاز لا على الحقيقة. ويمكن أن أزيد أيضا بعض ما أورده المرحوم محمد خليفة التونسى فى كتابه "أضواء على لغتنا السمحة" (كتاب العربى/ 15 أكتوبر 1985م/ 32ــ 35، 178ــ 180) من شواهد تبدو وكأنها تجرى عكس ما أقول، فقد أورد مثلا قوله عَزَّ من قائل: "هذان خَصْمان اختصموا فى ربهم: فالذين كفروا قُطِّعَتْ لهم ثياب من  نار... * إن الله يُدْخِل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار..." (الحج/ 19ــ 23)، حيث قال سبحانه: "خَصْمان اختصموا" واصفًا المثنى بالجمع. والرد هو أن الخصمين هنا ليسا فردين كما يُظَنّ، بل جماعتين: هما جماعة الكافرين، وجماعة المؤمنين كما هو واضح من بقية الكلام. وبالمثل احتج، رحمه الله، بالآية الكريمة التالية التى تتحدث عن قصة الخلق والحوار الذى دار بين الله سبحانه وبين السماء والأرض حينذاك قائلةً: "ثم استوى إلى السماء وهى دُخَان فقال لها وللأرض: ائتيا طَوْعًا أو كَرْهًا. قالتا: أتينا طائعِين"(فُصِّلَتْ/ 11)، حيث قال تعالى عن السماء والأرض: "طائعِين" لا "طائعتين". لكن توجيه ذلك سهل غاية السهولة، فالمقصود السماء والأرض وسكانهما أيضا لا السماء والأرض فحسب، ولذلك استخدمت الآية الكريمة جمع المذكر السالم الذى لا يستخدم لغير العاقل إلا فى غرض بلاغى كما هو الحال هنا. ومما يعضد هذا أن القرآن الكريم قد يصف الاسم المفرد من هذا النوع أو يخبر عنه بصيغة الجمع أيضا مما يدل على أن المسألة ليست من باب معاملةً اللمثتى معاملة الجمع. وهذه بعض الشواهد على ما أقول: "فإن حزب الله هم الغالبون" (المائدة/ 56)، ألا إن حزب الله هم المفلحون" (المجادلة/ 22)، "وهل أتاك نبأُ الخَصْم إذ تَسَوَّروا المحراب" (ص/ 21)، "وَدَّتْ طائفةٌ من أهل الكتاب لو يُضِلّونكم"(آل عمران/ 69)، "ولْتَأْتِ طائفةٌ أخرى لم يُصَلّوا فَلْيُصَلّوا معك" (النساء/ 102). والذى أريد أن أقوله من خلال هذا التوضيح أن القواعد النحوية ينبغى أن تكون مُطَّرِدة ما أمكن حتى لا يرتبك من يستعملونها.

 

       ومما يعيب به المؤلف اللغةََ الفصحى أيضا الجملةُ الفعلية. وهو متأثر فى هذا باللغات الأوربية التى لا تعرف إلا الجملة الاسمية، مما يذكّرنى بأيام الفقر والعزوبة حين كان طعامنا فى غالب الأحيان شطائر الفول والفلافل وما إليها. فهل هناك عاقل يعرف ما يُصْلِح صحته ويريد أن يستمتع بأذواق الطعام المختلفة التى أنعم الله بها على عباده  يستمر على هذه الخطة القَشِفة حتى بعد أن تتيسر أحواله وتتسع قدراته المادية؟ إن وجود لونين من الجُمَل فى "لغتنا الجميلة"، على حد وصف فاروق شوشة لها، هو نعمة من النعم العظيمة، إذ يتيح لنا أن ننوِّع أساليبنا على ما نحب بدلا من أن نسير دائما على وتيرة واحدة كما سبق القول عندما أشرت إلى المرونة التى تتمتع بها الجملة العربية الفصيحة، فهل نرفس هذه النعمة لأن الأوربيين محرومون منها فى لغاتهم، ونفعل كما فعل بنو إسرائيل حين أرادوا أن يكون لهم إله آخر مع الله كما للوثنيين الذين مَرُّوا بهم فى سيناء آلهة، أو كالبنت صاحبة الشعر الحريرى الطويل الجميل التى لم تهدأ إلا بعد أن قصّته تقليدا أعمى لما فعلته صديقتها بشعرها الليفىّ الأكرت؟ إننى أربأ بأنفسنا أن نكون كرؤساء القبائل الهمجية فى غابات أفريقيا أيام الهجمة الأوربية المسعورة على تلك القارة حينما كان طلائع الاستعمار من شياطين الإنس يضحكون على أولئك الزعماء فيُغْرونهم بقِطَع الزجاج الملونة التى لا قيمة لها على الإطلاق فى مقابل الألماس والذهب وغيرهما من المعادن والأحجار الكريمة. لكننا، والحمد لله، لسنا من التخلف والانخداع بهذه البهرجات الزائفة الرخيصة والفرح بها وإيثارها على الألماس والياقوت واللؤلؤ إلى هذا الحد! والأستاذ الشوباشى ينتمى إلى بيت علم وأدب، وكان أبوه من كبار الأدباء والنقاد والمترجمين، فكيف يقع فى هذا الشَّرَك؟ إننا جميعا نريد للغتنا انتعاشا وازدهارا كما كان حالها أيام مجدها العظيم، لكن السبيل الذى ينتهجه كاتبنا ليس هو السبيل المؤدى إلى هذه الغاية. وثَمَّةَ نقطة لا بد من توضيحها فى هذا السياق، وهى أن الفصحى، رغم كل شىء، قد نهضت نهوضًا عظيمًا ورائعًا من عثارها الطويل الذى كانت مرتكسة فيه أيام الحكم العثمانى حيث كانت الأمية والجهل ضاربين بأطنابهما فى أقطار العرب، والدليل على ما أقول أن الأمية قد انحسرت إلى حد ملموس وانتشر التعليم، وأصبح عندنا الآن ذخيرة من الأساليب قد يصعب أن نعثر على مثلها حتى فى أيام الازدهار الثقافى للأمة العربية أيام العباسيين. وقد سبق أن أعطيت بعض الأمثلة على أصحاب الأساليب الفخمة فى عصرنا بما يغنى عن إعادة القول فيها هنا. لكننا، مع ذلك، نريد لهذه اللغة الكريمة أن تنتعش وتزدهر أكثر وأكثر، وأن يشعر الناس جميعا بحلاوتها وروعتها وفتنتها ويتذوقوا النعمة التى أنعم بها المولى عليهم فى شخصها، وبخاصة أن التفوق العام فيها مرتبط بالتفوق العلمى والأدبى والثقافى مما نحتاجه للخروج من تخلفنا الحالى الذى أوردنا مورد العجز والذل وأطمع فينا من يساوى ومن لا يساوى من دول العالم، فلم يعد أحد يحترمنا أو يقيم لنا وزنا حتى إن الفيلبين وهندوراس ولا أدرى من أيضا من الدول التى لا يعرف أحد مكانها على الخريطة تشترك فى احتلال العراق مساندة للأمريكان، وحتى إن أحدا فى الأمم المتحدة لا يبالى بما يحدث لإخواننا الفلسطينيين الأبطال على يد عصابات بنى صهيون المدعومين ماليا وعسكريا وسياسيا من أمريكا والغرب كله من مجازر لا تتوقف يوما ولو ساعةً من نهار، على حين أنه لو تألم شخص واحد من الأقليات فى بلد إسلامى أو عربى لوجعٍ فى ظفر خنصره الشمال من قدمه الحافية الجرباء لقام مجلس الأمن فى الأمم المتحدة بهيله وهيلمانه يدعو إلى استقلال صاحب الظفر بدولة قائمة برأسها ومعاقبة العرب والمسلمين جميعا بسبب ما حدث لظفره! وبالمناسبة فالإنجليزية والفرنسية مثلا تقدِّمان الفعل، فى بعض الأحيان، على الاسم بما يشبه الجملة الفعلية عندنا، وتسميان هذا اللون من التركيب: "inversion"، وإن كانت الإنجليزية تتوسع فيه أكثر من الفرنسية.

 

       ويعيب الأستاذ المؤلف كذلك لسان العرب بما يسميه "النقص الغريب فى حروف العلة"(ص 168). يقصد أننا لانعرف إلا الفتحة والكسرة والضمة الصافية ومدّاتها، بخلاف الفرنسية مثلا، التى تعرف حروف علة أخرى بالإضافة إلى  ما تعرفه العربية من مثل e, u, y, ai, eu, eau, ou"، إلى جانب الــ"accent"، الذى يوضع على بعض هذه الحروف بأشكاله الثلاثة المعروفة. وهو عيب موهوم، إذ من ذا الذى يشعر أن ذلك يقيده فى التعبير عما يشاء؟ ثم إن هذه الحركات كثيرا ما تختلط وتتداخل من كلمة لأخرى، وأحيانا ما يكون وجودها صوريا. ونفس الملاحظة تصدق على الإنجليزية، التى ينبغى عليك أن تحفظ نطق كل كلمة من كلماتها تقريبا بالسماع رغم ذلك، إذ الكتابة فى كثير جدا من الحالات شىء، والنطق شىء آخر. وبالمثل فتانك اللغتان ينقصهما من حروف لغتنا "الثاء والحاء والخاء والعين والغين والقاف والهاء"، ومع ذلك فإننا لا نشغل أنفسنا كثيرا بمثل هذا الأمر ما دام أصحابهما لا يشعرون بأنه يشكل عبئا عليهم فى الإفصاح عما يريدون. وما دمنا قد دخلنا فى هذا الموضوع، فما رأى كاتبنا فى وجود الـ"ph" مع الـ"f" فى الفرنسية والإنجليزية؟ هل يرى له أى لزوم؟  وهل هو راض عن تبدل طريقة النطق للـ"d" والـ"t" والـ"s" فيهما من موضع إلى موضع ما بين ترقيق وتغليظ، فضلا عن عدم نطق بعض الحروف  المكتوبة ؟ وهل يرى داعيا لوجود تركيبة الـ"th" فى الفرنسية ما دامت الــ"t" وحدها تكفى؟  وذلك علاوة على اختلاف نطق الــ"c" والــ"g" فيها وفى الإنجليزية حسب الحرف الذى يأتى بعدهما... إلخ. وبالمناسبة فقد أخطأ المؤلف هنا حين أراد أن يعلل السبب فى تسمية اللغة العربية بــ"لغة الضاد"، إذ حسب أن ذلك راجع إلى أنها هى اللغة الوحيدة فى العالم التى تفخّم "الدال" وتضخّمها فتقلبها "ضادا"(ص 149). فأما أنها، على الأقل فى نطاق علمنا، هى اللغة الوحيدة فى العالم التى تعرف نطق "الضاد" فهذا صحيح، لكن بمعنى غير المعنى الذى شرحه سيادته، لأن "الضاد"، كما جاء فى كلامه، ليست هى "الضاد" العربية الأصيلة بل "الضاد" حسبما ننطقها هنا فى مصر، وهذه موجودة فى الفرنسية والإنجليزية متمثلة فى تفخيم حرف الــ"d" فى كثير من الكلمات على ما هو معلوم، مثل "dogue" فى الأولى، و"double" فى الثانية. أما "الضاد" العربية فهى شىء بين "الضاد" المصرية و"الظاء". كذلك يعيب الأستاذ شريف لغة العرب بأن غالبية الكلمات والأفعال فيها تتكون من حروف ساكنة فقط، على عكس كل لغات العالم الحديثة (ص 169)، وهى دعوى غير صحيحة، إذ الغلبة فيها إنما هى للحروف المتحركة لا الساكنة كما يعرف كل من له أدنى إلمام بلغتنا. أما إن كان يقصد الإملاء وأننا عادة ما نهمل تشكيل الكلمات فملاحظته تكون عندئذ فى محلها. ولكن لا بد مع هذا من المسارعة إلى القول بأن السياق والتعود والإلمام بقواعد اللغة يعوّض عن هذا إلى حد كبير، علاوة على أن كثيرا من المؤلفين يحرصون على تشكيل ما يَرَوْن أنه بحاجة لذلك. بل إن القارئ فى كثير من الأحيان لا يحتاج إلى التشكيل على الإطلاق، وهاهو ذا كتاب المؤلف بين أيدى القراء، وهو غير مشكَّل، فهل وجد أحدهم صعوبة فى قراءة أية كلمة فيه؟  لقد أورد سيادته مثالا على الالتباس الذى يجده القارئ فى هذه الحالة كلمةَ "قتلت" إذا لم يتم تشكيلها، لأنها يمكن أن تُنْطَق بعَشْر طُرُق. وأنا معه فى أن الكلمة المذكورة تقبل النطق فعلا بكل هذه الصُّوَر، لكنْ على المستوى النظرى فقط، أما على أرض الواقع العملى فالسياق والتعود والخبرة والإلمام بالقواعد يسهّل الأمر، كما قلت، إلى حد كبير، بل يعوّض كذلك عن غياب التشكيل تمام التعويض فى كثير من الأحيان، وإلا فكيف كان يقرأ الناس ما يقرأون كل لحظة من نهار منذ أن انتشرت الكتابة فى حياة العرب حتى هذه الساعة؟ أكانوا يتهتهون قليلا ثم يتركون ما يقرأونه وينصرفون عنه إلى شىء آخر أم ماذا؟ ثم إنه إذا كانت الكلمة المذكورة تحتمل عشر طرق فى النطق فإن معظم الكلمات لا تحتمل إلا طريقة أو اثنتين لا غير كما هو معروف. وعلى أية حال فإن التشكيل، كما وضّحْتُ، يُعَدّ ركنا أساسيا فى إملائنا، بَيْدَ أن عبقرية لغة القرآن وانتظامها الشديد فى قواعد صرفها ونحوها يغنيان عن هذا التشكيل فى كثير جدا جدا جدا من الحالات، وبخاصة إذا كان القراء على شاكلتى أنا وأمثالى ممن يعرفون تلك القواعد جيدا. هذا، ولا يفوتنى أن أنبِّه إلى الخطإ الذى وقع فيه الكاتب حين قال إن "غالبية الكلمات والأفعال فى العربية تتكون من حروف ساكنة فقط"، إذ جعل "الكلمات" قسيمة لـ"الأفعال"، وهذا غير صحيح، فالأفعال قسم من أقسام "الكلمة". وعلى هذا فالصواب أن نقول: "الأسماء والأفعال والحروف"، أو أن نكتفى بذكر "الكلمات" فحسب، لأن الكلمات فى لغتنا تنقسم إلى "اسم وفعل وحرف" حسبما هو معروف.

 

وقد نال المترادفاتِ أيضا من هجوم الكاتب وزرايته نصيبٌ كافٍ، فأخذ يتألم من اتساع هذه الظاهرة فى لغتنا داعيا إلى الاكتفاء منها بالقليل. وأنا فى الواقع لا أدرى كيف يمكن أن تكون هذه السِّمَة مَسَبَّةً فى لغة القرآن. ترى هل يمكن أن نجىء إلى رجل شديد الثراء بجِدّه وعمله ودأبه وذكائه وحيويته وطموحه فنقول له موبّخين: لماذا كل هذا الغنى والنعمة التى أنت فيها؟ لم لا تكون فقيرا؟ أم هل يمكن أن نذهب إلى إحدى الجميلات الفاتنات ونبكّتها قائلين: لماذا كل هذا الجمال الذى وَهَبَكِيه الله؟ لم لا تكونين قبيحة؟ وبالنسبة للمترادفات، فليقل لنا الأستاذ الفاضل كيف يمكن أن نتخلص من هذا الفائض اللغوى؟ هل نعمل له محرقة؟ لكن أيضمن ألا يطلع علينا أحد المستشرقين فيتهم العرب والمسلمين بالتخلف والوحشية وحرق الكتب، وبخاصة أننا لم نستطع بعد أن نخلص من التهمة الظالمة السخيفة بحرق مكتبة الإسكندرية رغم تفنيد عدد من الكتاب الغرب أنفسهم لها بأدلة علمية لا يخرّ منها الماء؟ وهبْ أننا دمَّرنا الكتب، ولا أدرى كيف، لأن هذه المترادفات ليست موجودةً فى مكان واحد بحيث يمكن أن نرسل طائرة فتدك المكان فوق رؤوس هذه الكلمات اللعينة التى هى علة كل تخلفنا وذلنا، وتريحنا إلى الأبد منها ومما جلبته لنا من عار وشنار، فما الذى سنستفيده من هذا؟ إن تلك الألفاظ موجودة فى بطون القواميس ولا تسبب لنا أية مشكلة، فلماذا نشغل أنفسنا بها؟ أهى مجرد الرغبة فى إثارة عاصفة فى فنجان؟ أما من يريد أن يستعملها فلسنا نملك له شيئا! أم ترى المؤلف الكريم يقترح إصدار تشريع بإعدامه أو سجنه مثلا؟ لكن المشكلة أن مثل هذا القانون سوف يكون فرصة رائعة لأنصار حقوق الإنسان فى الغرب كى يؤلّبوا علينا أمريكا (دستور يا أسيادى الأمريكان، دستور! اللهم اجعل كلامى خفيفا على الأسياد!) فتحتلنا رغم أنهم يكرهون لغتنا ويعملون على القضاء عليها، وذلك على طريقتهم الشيطانية فى الإفادة من الشىء ونقيضه، كما فعلوا مع صدام حسين وبه، إذ استفادوا منه فى ضرب إيران، وشجعوه على غزو الكويت، ثم انقلبوا عليه واتهموه بالعدوان على هذين البلدين وبحيازة الأسلحة النووية التى اشترى معداتها من أوربا تحت سمعهم وبصرهم وهم ساكتون ما دامت النتيجة هى نزح ثروات العراق إلى بلاد الغرب! إن كثرة المترادفات لهى دليل على الدقة الهائلة التى تتمتع بها لغة العرب، فتراها تسمِّى الشىء أسماء مختلفة حسب الزاوية التى تنظر منه إليها، فالسيوف مثلا تسمى: "هندوانية" للدلالة على أنها صناعة هندية، وكانت الهند وقتها مشهورة بصناعة السيوف، فهذه التسمية لون من الافتخار، كما يقول الواحد منا الآن إن حاسوبه مثلا صناعة يابانية لا صينية. وقد تسمَّى أيضا بـــ"البِيض" للإشارة إلى ناصع لونها، وقد يسمَّى الواحد منها: "جُرَازا" للإيحاء  بمقدرته الرهيبة فى القطع من ضربة واحدة لا غير...وهكذا. على أن هناك سببا ثانيا وراء كثرة المترادفات عندنا، ألا وهو اختلاف القبائل قبل الإسلام فى تسمية بعض الأشياء، مثلما نقول فى مصر الآن: "كرنب"، على حين يقول الشوام: "ملفوف"، ومثلما نقول: "طماطم"، ويقولون هم: "بندورة"...إلخ، علاوة على أن كثيرا من هذه المترادفات ليست فى الحقيقة تسميات مختلفة للشىء بل نُعُوتًا له استعملها الشعراء والكتاب دون موصوفاتها فظن المتعجلون أنها إسراف فى الترادف. لكن ذلك كله لا يمثل لنا أية مشكلة، فهذه التسميات الكثيرة لا تتعدى بطون المعاجم كما قلنا، أما عند الكتابة فلا أحد منا يستطيع أن يتذكر عادةً إلا اسمين أو ثلاثة أو أربعة مثلا لأى معنى كان فى يوم من الأيام يحظى بوفرة فى التسميات. ويظل الباقى هناك مخزونا إستراتيجيا نستعمله عند اللزوم: إما لمسمّاه الأول، وإما فى معنى مجازى جديد، وإما لشىء مستحدَث لم يكن للعرب به عهد من قبل...إلخ. ويشيد د.عثمان أمين بهذه الخصيصة من خصائص لغة الضاد قائلا إنها تتفوق بها على لغات العالم، إذ لا توجد فى أى من هذه اللغات مثل تلك الوفرة من الألفاظ الدالة على الشىء منظورا إليه فى مختلف درجاته وأحواله، ومتفاوت صوره وألوانه. ثم ينقل عن حسن الشريف المثال التالى: "فالظمأ والصَّدَى والأُوَام والهُيَام كلمات تدل على العطش، إلا أن كلا منها يصور درجة من درجاته: فأنت تعطش إذا أحسست بحاجة إلى الماء، ثم يشتد بك العطش فتظمأ، ثم يشتد بك الظمأ فتَصْدَى، ويشتد بك الصَّدَى فتَؤُوم، ويشتد بك الأُوَام فتَهِيم... وواضح أن هذه الخاصية العربية...تغنينا باللفظ الواحد عن عبارة مطوَّلة تحدد المعنى المقصود، وتجعلنا نقول عن المشرف على الموت عطشا إنه "هائم"، حين لا يستطيع الفرنسى مثلا أن يؤدى هذا المعنى إلا فى ثلاث كلمات، إذ يقول : "مائتٌ من الظمإ: mourant de soif"، أو فى سبع كلمات ليكون المعنى أوضح فيقول: "على وشك أن يموت من الظمإ: sur le point de mourir de soif"، ثم يعقّب على هذا النقل قائلا إن "هذا المثال المتقدم يشير إلى خصيصة عربية أخرى لا نكاد نجد لها نظيرا  فى غيرها من اللغات التى نعرفها، وهى الإيجاز فى اللفظ والتركيز فى المعنى دون الإخلال بما درجت عليه من الوضوح والتمييز"(فلسفة اللغة العربية/ المكتبة الثقافية/ أول نوفمبر 1965م/ 58ــ 59). كذلك أثنى والد المؤلف على هذه الخصيصة فى اللغة الفصحى قائلا إن أية لغة غير العربية لا تعرف إلا كلمة واحدة للتعبير عن المشى للرجل والمرأة على السواء، أما لغتنا فتقول عن المرأة: "تتَأوَّد" و"تتبختر" و"تَرْفُل" وغير ذلك من الكلمات التى تصور تأنق المرأة فى مشيتها وتنطق بما كان لذلك من أهمية(العرب والحضارة الأوربية/ المكتبة الثقافية/ 15 أغسطس 1961م/ 62). ومرة أخرى نقول: لم يجدوا فى الورد عيبا، فقالوا له: يا أحمر الخدين! على كل حال لا ينبغى أن تضيق منا الصدور، فمصيرها أن تروق وتحلو! والمهم أن يفيق "أولاد الإيه" العرب من هذا الخُمَار الذى هم فيه، وعندئذٍ، لا قبلئذٍ، لن نسمع مثل هذه التصايحات التى تحاول التشكيك فى كل شىء من تراثنا العظيم! لكن متى؟ "تلك هى المسألة" كما يقول سيدنا شكسبير! أما الآن فواضح أنه "لا حياة لمن تنادى"!

 

     وبهذا نكون قد انتهينا من مناقشة فكرة المؤلف الرئيسية بتفصيلاتها المختلفة، وتبقى بعض النقاط الفرعية التى تحتاج إلى شىء من التريث إزاءها. ومن ذلك قوله إن اللغة العربية "هى اللغة الوحيدة فى العالم التى لم تتغير قواعدها الأساسية منذ 1500 سنة كاملة. قد يرى البعض فى ذلك رسوخًا واستمراريةً ودليلاً على رصانة اللغة، لكنى أرى فيه جمودًا وتحجرًا ينعكس سلبيًّا على العقل العربى"(ص 13). وهذا كلام لا نوافق المؤلف عليه بعدما بيّنّا كيف أن كل ما قاله عن عيوب هذه اللغة هو مجرد دعاوَى قائمةٍ على الشبهات المتعجلة، ولا أزيد. والواقع أن من الصعب الاقتناع بأن طول عمر العربية دليل على التحجر، وبخاصة بعدما رأينا أنها لم تكفّ يوما عن التطور كما وضّحْتُ فى هذا البحث، وأن التأليف بها فى شتى المجالات والعلوم والفنون مستمر على الدوام. إن طول عمر لغة القرآن إنما هو برهان جلىّ على أصالتها التى لم تستطع لغة أخرى أن تجاريها فيها. ولقد دفعت هذه الأصالة العجيبة كبار الأدباء العرب النصارى المتمكنين من لغتهم والغيورين عليها والعارفين بفضلها وعبقريتها إلى الإشادة بذلك السر الذى حمى تلك اللغة من الاندثار أو التغير الجذرى الذى من شأنه أن يقيم حاجزا صَلْدا ما بين ماضيها وحاضرها أو التحلل وإفساح المجال للهجاتها المختلفة مثلما حدث لغيرها من اللغات، ولم يمنعهم عدم إيمانهم بدين محمد من القول بأن ذلك السر هو القرآن. ومن هؤلاء سليمان البستانى مترجم الإلياذة الذى كان يعرف عددا من اللغات الأجنبية، ومنها اليونانية القديمة (إلياذة هوميروس/ دار إحياء التراث العربى/ بيروت/ 1/ 113ــ 115)، وجرجى زيدان (مختارات جرجى زيدان/ مطبعة الهلال/ القاهرة/ 1937/ 187ــ 189). وإلى القرآن الكريم أيضا تعزو مىّ زيادة النصرانيةُ اللبنانيةُ المتمصِّرةُ فصاحةَ المسلمين العربِ واستقامةَ لفظهم وجمالَ نطقهم وفخامةَ أسلوب الكاتبين منهم (باحثة البادية وعائشة التيمورية/ كتاب الهلال/ يونيه 1999م/ 60). وبالمناسبة لقد أحدث الأتراك فى لغتهم تغييرات كثيرة وعنيفة عامدين متعمدين كى يبتعدوا عن مدار العربية ظنا منهم أن ذلك هو المفتاح الذى سيلحقهم بأوربا فى التفوق والتحضر والتقدم الاقتصادى والعسكرى، بَيْدَ أن تركيا ما زالت دولة من دول العالم الثالث، وتعانى من كل ما تعانى منه دول ذلك العالم، ولم يشفع لها ما فعلته بلغتها أو بدينها فى هذا السبيل بشىء! بل إن أوربا لا تزال تقف منها موقف المتربص الكاره، وتأبى عليها أن تلتحق بالاتحاد الأوربى بسبب أنها دولة مسلمة! بعد كل الذى فعلته؟ إى وربى بعد كل الذى فعلته! فما رأى مؤلفنا الفاضل؟ وعلى الناحية الأخرى هاهى ذى دول النمور الآسيوية قد أحرزت فى الفترة الأخيرة نهضة اقتصادية عظيمة من دون أن تحدث فى لغاتها أو دينها هذا الذى فعلته تركيا الكمالية! فما رأى مؤلفنا الفاضل فى هذه أيضا؟ كذلك يقول سيادته إن "ظاهرة رفض المساس باللغة العربية هى جزء من ظاهرة أعم أصبحت مسيطرة على المجتمعات العربية، فقد استشرى منذ الثلث الأخير من القرن العشرين تيار جارف يعتبر كل بدعة مكروهة، ويرى فى أى فكر حرّ متطور محاولةً شيطانية لتقليد الغرب ونَبْذًا للدين والثقافة العربية الأصيلة"(ص/ 58). ويؤسفنى أننى لا أستطيع أن أتفق معه فى هذا التعليل، وإلا فأين مكان والده والشدياق وبطرس وسليمان البستانى وناصيف وإبراهيم اليازجى وجرجى زيدان وخليل مطران وابن باديس وشكيب أرسلان ومحمد كرد على والبشير الإبراهيمى والطاهر والفاضل ابنى عاشور والرافعى والعقاد وطه حسين والزيات وعثمان أمين وحسن الشريف ومحمد محمد حسين ومحمود شاكر وبنت الشاطئ وشوقى ضيف ومحمد شوقى أمين ومحمد خليفة التونسى وعلى الطنطاوى ومحمد الغزالى وحسين نصار ونجيب محفوظ وعبد الصبور شاهين وفاروق شوشة وغيرهم من الكتاب والأدباء العرب الفطاحل من هذه النزعة، وهم قد جاؤوا قبل ظهورها بزمن طويل، ولهم رؤية للدين وللحياة تختلف عن رؤية أصحابها؟ وأين مكان واحد مثلى لا تربطه أية رابطة بالجماعات الدينية التى يرمى المؤلف بكلامه ناحيتها، وأرى أنهم كثيرا ما يسيئون لدين محمد عليه السلام، وإن ظنوا بحسن نية أنهم يحسنون صنعا، إذ هم يحبون هذا الدين العظيم حُبًّا جمًّا لكنهم قد يخطئون السبيل لخدمته؟ بل أين منهم أيضا مكان أحمد لطفى السيد، الذى كان، رغم كل ما هو معروف عنه من أفكار لا تعجب كثيرا منا، يحمل على العامية حملة شعواء واسِمًا إياها بأنها ممسوخة الألفاظ، منحطة التراكيب، ملحونة الإعراب؟ (المنتخبات/ طبعة المقتطف/ 1945م/ 123). ثم من قال إن الجماعات الدينية المشار إليها تهتم أصلا بمسألة كهذه؟ إن كل ما تهتم به لا يكاد يخرج عن قضية الحلال والحرام بالمعنى الضيق لهذين المفهومين، أما اللغة فخارج دائرة اهتمام أفرادها. إن المسألة فى وضعها الصحيح هى أن سيادته يتبنى قضية خاسرة، فضلا على أنه لم يستطع أن يربحنا، ولو بالباطل، إلى صفّه. لكنه للأسف لا يريد أن يعترف بهذا، فما العمل؟ نحن مقتنعون مثله، بل أشد منه، أننا متخلفون، وأن الغرب أقوى منا، وأن لديه أشياء كثيرة فى العلوم والصناعات والفنون والنظام والتخطيط والتنسيق والتعاون والجَلَد على العمل والصبر على مشقات الحياة...إلخ لا بد لنا من الاستفادة منها والتتلمذ عليه فيها، وبخاصة أن كثيرا من القيم التى عنده هى مما يدعو إليه الإسلام أيضا، مع تفوقها فى الإسلام وخلوها من الشوائب والأوضار التى تمازجها لديه. لكن هناك شيئين لا نفكر فى التخلى عنهما ولا فى مطاوعة الغرب فى التفريط فيهما أبدا: اللغة والدين! فإن وافقَنا الكاتبُ على هذا فنحن أحباب، وإلا فهو فى طريق، ونحن فى طريق، ومعنا والده أو بالأحرى روح والده ترفرف علينا وتشجعنا على مخالفة ابنه وتنكر عليه هذا الموقف تمام الإنكار!

 

     وزرايةً من الكاتب أيضا على اللغة العربية يزعم أن عشق العرب الأول يتمثل فى التلاعب بالكلمات. يريد أن يقول إنهم لم يكونوا ينظرون إلى اللغة على أنها وسيلة للتفاهم بل للعبث وإضاعة الوقت جريا وراء سجعة أو جناس أو طباق، أو لتحبير رسائل تقرأ فى ذات الوقت من اليمين للشمال وبالعكس... إلى غير ذلك من ألوان الزينات الشكلية التى يؤكد أنها لا تفيد فى شىء. وهو يشير فى هذا المقام إلى ما كان يفعله واصل بن عطاء، الخطيب والمفكر المعتزلى المشهور الذى كان فى لسانه لثغة، فكان  يتجنبها فى خُطَبه مستبدلا كل كلمة فيها "راء" بكلمة أخرى ترادفها تخلو من هذا الحرف (ص 84ــ 85) رغم أن هذا المثال  إنما يدل على عكس ما يريد الكاتب، إذ لا أظن لغةً أخرى تستطيع أن توفر مثل هذه الإمكانية العجيبة لأحد من أبنائها بأى حال!  كذلك فإننى، وإن كنت فى ذوقى الكتابى كأبناء عصرى من الكتاب والأدباء ممن لا يتبعون فى أساليبهم سبيل المحسّنين المزخرفين، لا أستطيع أن أنكر أن هذه التزيينات إنما تدل رغم ذلك على مدى ما تتمتع به هذه اللغة العجيبة من إمكانات صوتية ومعنوية، وعلى ما كان هؤلاء الأدباء يملكونه من موهبة أسلوبية وعقلية تتيح لهم هذه السيطرة الرائعة على لغة أمتهم. صحيح أن بعضهم كانت تستغرقه النزعة الشكلية إلى حد مبالغ فيه بحيث لا يقدم لنا ما يكتبه شيئًا فكريًّا ذا قيمة كبيرة، بيد أن كثيرًا جدًّا أيضًا من النصوص التى تزخرفها البديعيات كانت تحتوى  فى ذات الوقت على مضمون عقلى وأدبى رائع، ومنها "رسالة الغفران" لأبى العلاء المعرِّىّ، ومقامات الهمدانى والحريرى التى يرى فيها نقادنا المحدثون حتى من اليساريين أنفسهم الأساسَ الأولَ للقصة القصيرة العربية، وكذلك "ألف ليلة وليلة" التى بهرت المستشرقين وكتبوا عنها البحوث المطوَّلة ورَأَوْا فيها إبداعا أدبيا قل أن يوجد له  ضَرِيب! ومع ذلك كله فإن العرب لم يكونوا كلهم من عشاق التلاعب بالكلمات، وإلا فهل كان عبد الحميد الكاتب أو ابن المقفع أو سهل بن هارون أو الجاحظ أو ابن سلاّم أو ابن قتيبة أو أبو الفرج الأصفهانى أو ابن المعتز أو أبو حيان التوحيدى أو ابن جنى أو القالى أو القاضى الجرجانى أو عبد القاهر أو أسامة بن منقذ أو ابن حزم أو الغزالى أو الفارابى أو ابن سينا أو ابن رشد أو ابن مسكويه أو الطبرى أو القرطبى أو الزمخشرى أو القُشَيْرى أو السيوطى أو ابن خَلْدون أو جابر بن حيان أو ابن الهيثم أو أبو بكر الرازى وغيرهم، وهم بالألوف، كانوا يتلاعبون بالكلمات؟ لقد كان هذا الاتجاه يا أ.شوباشى محصورا فى بعض العصور فحسب، وحتى فى هذه العصور لم يكن كل الكتاب يجرون عليه فى مؤلفاتهم، ولا كان الذين يجرون عليه يتّبعونه فى كل ما يؤلفون. ولست أظن أن مثل هذه الحقائق الدامغة كانت غائبة عمَّن أحسب، صوابًا أو خطأً، أنهم أمدّوك بالنصوص القديمة وعناوين الكتب التى أُخِذت منها وأسماء مؤلفيها ممن لا أظنك على معرفة بهم إلى الحد الذى يعكسه كتابك، نظرا لثقافتك الفرنسية التى أقدّرها رغم هذا! وعلى أية حال فقد كان ينبغى أن ينبهك إلى ذلك الأمر الأستاذُ الذى ذكر لى قُبَيْل دخولنا إلى الأستوديو لمناقشة كتابك أن دوره انحصر فى قراءة مخطوط الكتاب وإجازة نشره، وذلك عندما سألتُه عما إذا كان هو الذى أمدَّك بالمعلومات الخاصة بالأدب العربى التى لا يعرفها عادة إلا أهل الاختصاص مما استبعدتُ معه أن تكون قد توصلت إليها وحدك فى مظانّها التى تستعصى إلا على خبير فى الموضوع.

 

     ومن النقاط التى يثيرها الأستاذ الشوباشى دون أى داع مسألة قدسية اللغة العربية، التى قال، وأنا معه فى هذا الذى قال، إنه لا يوجد فى القرآن أو الأحاديث النبوية ما يدل على صحتها رغم ما ذكر من أن بعض المتحجرين، حسب وصفه، يرون أنها مقدسة فعلا(ص 71 وما بعدها). وهو يرمى من وراء هذا إلى أنه لا مانع من الأخذ بما يدعو إليه فى كتابه من تغيير اللغة على النحو الذى يقترحه ونرى نحن أنه سيكون له عواقب وخيمة إذا تحقق ما يريد. ثم إنه لا يكتفى بهذا، بل يتساءل عما إذا كان هناك نص فى كتاب الله أو سنة رسوله يؤكد أفضلية العرب على سائر الأمم. وهو يرمى هنا أيضا إلى نفس الغاية فيما أظن. وأنا معه هنا أيضا فى أنْ ليس فى القرآن المجيد أو الحديث النبوى الشريف ما يدل على أن العرب هم أفضل الأمم. بل إن فى كلام النبوة أنه لا فضل لعربى على عجمى إلا بالتقوى والعمل الصالح. وأزيده من الشعر بيتا حسبما يقول إخواننا السعوديون فأقول له ما أكرره دائما من أن العرب فى هذا العصر هم عنوان الهوان والمذلة والبلادة والضياع. لكن هذا كله لا يوصّل، فيما أرى، إلى شىء مما يريد بلوغه من تغيير اللغة على النحو الذى يرمى إليه. فلغتنا، وإن لم تكن مقدسة، تستحق منا أن نهيم بغرامها ونفاخر أصحاب اللغات الأخرى بها ونرى أنها لغة مباركة لأنها هى الوعاء الذى اصطفاه الله تعالى لحفظ كتابه الكريم إلى يوم الدين! والواقع أنه إذا لم يكن هذا الاصطفاء كافيا لهُيَامنا بتلك اللغة وحرصنا على الاعتزاز بها فلا أدرى كيف يمكن أن يكون هناك سبب للاعتزاز بأى شىء فى الحياة! وعلى أية حال لقد ذكر سيادته أن من الأمم الأخرى من ينظر نظرة تقديس إلى لغته، وعلى هذا فحتّى لو قدَّسنا لغتنا فلن نكون بدعا فى ذلك. لكن العرب الآن لا يقدسون كلهم لغتهم أيًّا كان معنى التقديس، وإلا لكانوا أتقنوها كما ينبغى أن يكون إتقان اللغة القومية، ولم يكن معظم طلابهم ومثقفيهم بهذا المستوى المتدنى فيها وفى غيرها. إن الذين يعتزون بلغة القرآن، أو إن شئت فقل: إن الذين يقدّسونها، إنما هم الذين اطَّلعوا على أسرارها ويستطيعون من ثَمَّ أن يحسّوا بما فيها من عبقرية، أما العامة، وكذلك أشباه العامة  ممن لا يمكنهم تذوق جمالها حتى لو كانوا حاصلين على أعلى الشهادات الجامعية، فليسوا من تقديسها فى شىء. هذا، وقد تناقض المؤلف فى تحديد الزمن الذى يزعم أن نزعة تقديس اللغة العربية قد بدأت فيه: فمرة يقول إنه العصر الأموى بما كان سائدا فيه من اتجاه عروبى يجعل الأولوية فى الدولة للعرب مُؤْثِرًا إياهم على بقية الأجناس المسلمة(ص 87ــ 88)، ومرة يقول إنه العصر العباسى، وبخاصة منذ عهد المعتصم حين أطلت الشعوبية برأسها وأخذ المسلمون من غير العرب يزايدون، كما يقول، على اللغة العربية ويبالغون فى تبجيلها رغبةً منهم فى إثبات حسن إسلامهم (ص 95ــ 96).

 

      وهنا نجد الكاتب يُدْخِلنا فى قضية جانبية لا علاقة لها، فيما نرى، بموضوع الكتاب الذى هو المناداة بإصلاح اللغة العربية، إذ يقفز فجأة فيخصص فصلا يتحدث فيه عن الدور الذى قام به النصارى العرب قديما منذ العصر الجاهلى حتى العصر الحديث فى مجالات الأدب والعلم(ص 96 وما بعدها)، وهو ما لا نريد المشاحّة فيه، اللهم إلا حين يتنكبّ سبيل الحقيقة زاعما أن نصارى العهد العباسى ، عندما رأَوْا أنفسهم وقد أُبْعِدوا عن مجالات الإبداع الأدبى بسبب من تقديس المسلمين للغتهم وكراهيتهم لمشاركتهم إياهم فى ميادينها، قد انكبوا على العلوم الطبيعية تاركين للمسلمين التفوق فى الأدب وإبداعاته. وهذا نص كلامه: "وعندما اكتملت سيطرة العناصر غير العربية على الدولة فى العصرالعباسى كادت دراسة اللغة تقتصر على المسلمين وحدهم نظرا لأنها تتم فى المساجد والمدارس الدينية، وارتبطت بحفظ القرآن. ولجأ المسيحيون إلى العلوم فبرعوا فيها وظهرت أجيال من الأطباء والفلاسفة وعلماء الرياضيات استعان بهم الخلفاء والأمراء، أما المسلمون فكادوا يغيبون عن ساحة العلم ودراسته فى مناخ من التردى الحضارى"(ص 97). فالمعروف أن النصارى فى تلك العهود قد استأثروا بترجمة العلوم، أما الاشتغال بالعلم ذاته فكان نصيب المسلمين فيه هو الأعظم، والأسماء المشهورة فى هذا المجال هى أسماء جابر بن حيان والحسن بن الهيثم وابن سينا والرازى وعلى بن عيسى والزهراوى وابن البيطار ورشيد الدين الصورى وابن رشد وابن أبى أُصَيْبِعَة وأبى جعفر الغافقى والبيرونى وأبى معشر البلخى والفرقانى والبوزجانى والخوارزمى وعبد اللطيف البغدادى وابن النفيس وعلى بن رضوان وابن الجزار وعمار بن على... إلخ؟ وهو نفسه يعود فيذكر أسماء بعض العلماء العرب المسلمين هادما بذلك ما قاله قبلا عن انفراد النصارى تقريبا بالعلوم فى مقابل انفراد المسلمين بالأدب واللغة(ص 100).

 

      ومما لا نوافق سيادته عليه أيضا اتخاذُُه من استحالة إلمام أى شخص بجميع مفردات العربية وأشعارها تكأةً للهجوم على الفصحى وقواعدها والدعوة إلى هجرانها والاستعاضة عنها بلغةٍ لا إعرابَ فيها ولا مترادفاتِ ولا تثنيةَ ولا تأنيثَ مما أفضنا فى مناقشته من قبل(ص115)، إذ إن هذا العجز غير خاص بلغتنا وشعرها، بل يصدق على حميع اللغات. وهذه هى طبيعة الحياة كلها لا الأدب والشعر فحسب، فلكلٍّ منا من أىّ شىء فى الدنيا نصيب محدود لا يعدوه رغم ترامى أطراف الأرض وكثرة الخيرات الإلهية. ترى هل يمكن أن يملك أى إنسان جميع السيارات مثلا أو جميع البيوت أو جميع الحقول أو جميع الكتب أو جميع المصانع أو جميع الأحذية التى فى الدنيا؟ فلماذا يحاول الكاتب أن يوهمنا بأن فى عجز العربى، مهما كان نصيبه من الثقافة اللغوية، عن استيعاب مفردات لغته كلها فى عقله ما يدعو إلى الاستغراب وما يستلزم فوق ذلك أن نهجر هذه اللغة إلى لغة أخرى ليس فيها كل هذه المفردات التى تتضمنها الفصحى والتى تصل، كما يقول، إلى مليونَىْ كلمة؟ وهنا نراه ينعَى على العربية خلوها من المعاجم العملية السهلة الموجودة فى اللغات الأخرى(ص 115). ولست فى الحقيقة أعرف ماذا يقصد مؤلفنا بخُلُوّ لغتنا من هذا اللون من المعاجم، فالمعروف أن هناك معاجم عربية كثيرة، لكن المشكلة تكمن فى أن العرب لا يهتمون بالثقافة والقراءة عموما، وبخاصة فى ميدان اللغة، اللهم إلا المتخصصين، أما سائر أفراد الشعب فهم فى عمومهم فى واد، والاهتمامات الثقافية فى واد. وحتى إذا كان يقصد بالمعاجم السهلة العملية تلك التى تُرَتَّب فيها الكلمات بناء على رسمها لا على جذرها اللغوى كما هو متبع فى المعاجم العربية الأصيلة، فهذا الضرب من المعاجم موجود عندنا أيضا. ولدىَّ فى مكتبتى الخاصة عدد منها رغم أنى أفضِّل الطريقة المعجمية التقليدية لملاءمتها لطبيعة لغتنا، لكنى اشتريتها من باب اقتناء كل ما أستطيع اقتناءه من الجديد فى  ميدان اللغة والأدب، ولتكون أيضا فى متناول أولادى الصغار إذا ما أرادوا أن يبحثوا عن معنى كلمة دون أن يرهقوا أنفسهم فى البحث عن أصل مادتها. ومن هذه المعاجم "منجد الطلاب" و"الرائد" و"لاروس" وغيرها. وتتجاوز المعاجم ودوائر المعارف التى فى مكتبتى فى كل ما يخطر على البال تقريبا من العلوم والفنون مائتين رغم أنها ليست من المكتبات الغنية التى أراها أو أسمع بها عند بعض العلماء. إلا أننى حريص أشد الحرص على امتلاك أكبر عدد ممكن من هذا الضرب من الكتب لأنها تسهل الوصول إلى المعلومات التى أبغيها فى أسرع وقت وبأوجز عبارة. لكن كم من خريجى أقسام اللغة العربية، ودعنا من خريجى الأقسام الأخرى، يهتم بأن يكون فى بيته معجم، أو أن يفتح أى كتاب أصلا؟ هذه هى المشكلة لا اللغة العربية وصعوبتها المزعومة! وأنتهز الآن الفرصة لأُعِيد القول هنا بصوتٍ عالٍ وبملء فمى إن مثل هذه المزاعم والشكاوَى سوف تختفى وتصبح فى خبر "كان" يوم يُقْبِل العرب على القراءة ويهتمون بترقية عقولهم وأذواقهم كما يهتمون ببطونهم وتسلياتهم التافهة، وكما كان أجدادهم يهتمون بالعلم والأدب وشؤون الفكر والثقافة أيام مجدهم الحضارى!

 

      ومن آراء المؤلف الغريبة أيضا التى لا أدرى من أين عنّت له قوله إن عندنا نحن العرب منذ قرون طوال شيزوفرانيا لغوية، إذ عندما نترك أنفسنا على سجيتها فإننا نستعمل اللهجة العامية، أما عندما نكتب أو نقرأ أو نستمع إلى نشرات الأخبار فإننا نتحول إلى اللغة الفصحى(ص 125). وهو رأىٌ فطيرٌ لا ينهض على أى أساس، فنحن لا تتغير شخصيتنا عندما ننتقل من مستوى لغوى إلى مستوى لغوى آخر حسب السياق الذى نجد أنفسنا فيه، وإلا لكان البشر جميعا مصابين بألوان وألوان من الشيزوفرانيا لأنهم دائمو التنقل من حالة لأخرى فى كل وقت من النهار والليل: ففى البيت نرتدى المنامة والشبشب، أما عندما نخرج إلى الشارع فنلبس القميص والسراويل، وفى الحفلات والمناسبات الرسمية نأخذ كامل زينتنا ونلبس البدلة ورباط الرقبة والحذاء والجورب...إلخ. ونحن حين نكون فى الشارع فى عجلة من أمرنا فإننا نسكت صراخ بطوننا بشطيرة كيفما اتفق، على حين أننا لو كنا بالبيت فلن نرضى من زوجاتنا بأقل من الطبيخ واللحم والسَّلَطات والجبن والفواكه... وهلم جرًّا. كذلك فالواحد منا يكون خارج البيت مجاملا مع الآخرين، بينما يترك نفسه على طبيعته مع أهل بيته فيصرخ وينفعل، وقد يكون وَعْرا شديد الوعورة...وهكذا، وهكذا. ترى أيخطر فى بال أحدنا أن يسمّى شيئًا من هذا شيزوفرانيا؟ وعلى كل حال فهذا الانتقالُ من مستوى لغوى إلى مستوى لغوى آخر موجودٌ فى كل اللغات، وليس مقصورا على لغة القرآن، إذ الحياة فى كل مجالاتها ومظاهرها مرتبةٌ درجاتٍ بعضُها فوق بعض. والفصحى، كما سلف القول، تشبه ارتداء الملابس الرسمية كاملة، أما عامية المثقفين فتشبه القميص والسراويل، وأما عامية غير المتعلمين فتشبه مباذل العمل، وتبقى عامية الدهماء والغوغاء، وهى أشبه ما تكون بملابس الكناسين وكاسحى المجارى. ولست أقصد بهذا تحقيرا لأى أحد أو لأية مهنة. إنما هو مَثَلٌ ضَرَبْتُه لأبين للقراء الأفاضل أن المؤلف لا يقول كلاما سليما حين يتهم العرب من دون سائر خلق الله بأنهم مصابون بداء "الشيزوفرانيا"! وليس الفرق بين اللغة الفصحى واللهجة العامية كالفرق بين لغتين مختلفتين كما يزعم خطأً، وإلا فكيف يفهم العامىُّ المغرقُ فى الأميةِ والجهلِ كلامَ الخطيب يوم الجمعة والآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال الصحابة وأبيات الشعر التى تتضمنها الخطبة عادة؟ وقل مثل ذلك فى نشرات الأخبار والتحليلات السياسية والكلمات التى تلقى فى الندوات العامة. كذلك كيف يفسر الكاتب مقدرة ابنتى الصغيرة التى لا تزال فى المرحلة الابتدائية على فهم القصص والمجلات والكتب التى أشتريها لها لتقرأها وتستمتع بها، حتى إنها لتفاجئنى بترديد بعض عباراتها الفصحى كما فعلت الليلةَ مثلا حين كنت أهدهدها وهى بجوارى تقرأ فى إحدى مجلات "ميكى"، إذ انطلق لسانهاقائلةً: "لماذا تُرَبِّتُ على كَتِفى يا أبى ؟": هكذا بالنص كما شكَّلتُ الجملة، مما جعلنى أهتف بصوت مسموع وأنا أقهقه: "تعال يا أستاذ شوباشى، اسمع!"، وهو ما دفعها إلى السؤال باستغراب: "من الأستاذ الشوباشى هذا يا بابا؟"، فضحكتْ زوجتى، التى تعرف الأمر وتتابعه معى أَوَّلاً  بأَوَّل… والطريف أن هذه الصغيرة نفسها كثيرا ما تسألنى عن بعض الكلمات والعبارات العامية التى لا تدرك معناها فيما أحب الاستماع إليه من أغانٍ مثل أغنية "غُلُبْت أصالح فى روحى" لكوكب الشرق، التى لم تفهم منها عبارة "صعبان علىّ اللى قاسيته، فى الحب من طول الهجران"؟  ثم كيف يفسر سيادته استطاعتى أثناء طفولتى الأولى فى الكُتّاب فهم قصص الأنبياء التى كانت تقع فى يدى بين الحين والحين فى خمسينات القرن الماضى حين كانت القرية المصرية غارقة فى ظلمات الأمية إلى حد كبير، وكل ما كان فى جَعْبتنا من الفكر والثقافة فى ذلك الحين قواعدُ الإملاء وعملياتُ الحساب الأولية وحفظُ بعض السُوَر القرآنية؟ وماذا يقول فى القراء الذين لم يحصلوا على أية شهادة علمية، لكنهم يحبون القراءة ويستطيعون أن يفهموا ويتلذذوا بمطالعة الكتب الراقية التى ألفها فطاحل الكتاب والأدباء كالعقاد والمازنى وطه حسين وأحمد أمين وفريد أبو حديد مثلا؟ وكيف يا ترى يفهم هذا النوعُ من القراء بوجهٍ عامٍّ آياتِ القرآن وأحاديثَ النبىّ، وكتب التفسير والفقه وغيرها من المؤلفات التراثية؟ إن الكاتب يبدو وكأنه يتحدث عن مخلوقات تعيش فى الفضاء الخارجى لا نعرف عنهم شيئا إلا ما تحكيه الأساطير والقصص الخرافية، فهو يأخذ راحته تماما فى الحديث عنهم وعن غرائب أحوالهم مطمئنًّا إلى أن أحدا لن يستطيع أن يعقِّب على ما يقول! ثم بالله عليكم أيها القراء، هل يُعْقَل أنه إذا ذهب واحد مثلى إلى البقال وأصابه خَبَلٌ فى عقله (بعد الشر!) وقال له: " أعطنى يا بُنَىَّ رغيفا من الخبز، وزِدْ عليه قطعة من الجبن"، أن البقال لن يفهم من هذا الكلام شيئا كما يزعم أ.الشوباشى؟ طيب ما رأيك يا أ.شوباشى أنى أنا نفسى قد فهمت هذه الجملة من أول وهلة؟ تَصَوَّرْ! ألست أستحق منك جائزة؟ لا تضحكوا من فضلكم أيها القراء الكرام من منطقى هذا فى الرد، فإن مثل تلك الدعوى لا يُرَدّ عليها إلا بذاك المنطق! والواقع أن هذا الكلام هو من عيّنة الزعم المضحك بأن المجمع اللغوى يقول فى تسمية الساندويتش: "شاطر ومشطور وبينهما طازج"! ومن الغرائب فى هذا السياق قول المؤلف إن العربى فى كل العصور والأزمنة كان يهجر الفصحى ويلجأ إلى العامية يعبر بها عما فى صدره حتى إنه لو ذهب لحبيبته وقال لها: "أنا هائم فى غرامك" أو "وجهك الصبوح يهز كيانى" لانتهت العلاقة بينهما بهذا الغزل البليغ (ص 135). وطبعا لو أنه، بدلا من هذا، غازلها بالفرنسية التى لا تعرف منها حرفا فلسوف ترتمى على صدره من فورها وتُكَلْبِش فيه واقعةً لشوشتها فى هواه، ولن يستطيع أحد عندئذ أن يفكّه منها ولو بالطبل البلدى! لكن ماذا تقول يا أستاذ فى كل الغزل العربى طوال الخمسة عشر قرنا الماضية وزيادة، وقد كان كله بالفصحى، اللهم إلا الأغانى العاطفية فى العقود الأخيرة، بل كانت رسائل بعض الشعراء إلى حبائبهم بهذه اللغة كما فعل بشار والعباس بن الأحنف وابن زيدون والبهاء زهير، لا بالعامية كما تظن أنت؟ ملعوبة هذه ؟ أليس كذلك؟ وما رأيك فى أن المحبين والمحبّات، حتى فى عصرنا هذا، حين يكتب بعضهم لبعض رسائل غرامية إنما يكتبونها عادة بالفصحى، ويبكون إذا استمعوا إلى الأغانى الفصيحة من مثل: "أيظن؟" أو "لا تكذبى"، أو "رسالة من امرأة مجهولة" أو "لستَ قلبى" أو "حبيبَها" أو "قصة الأمس" أو "أراك عَصِىَّ الدمع" أو "فَجْر" أو "جبل التَّوْباد" أو "عُدْتَ يا يوم مولدى" أو "أشواق" أو "لا تُوَدِّعْنى حبيبى"؟ بل إنهم حينما يبكون إنما يبكون بالفصحى! ما رأيك فى هذه أيضا؟ ملعوبة؟ ألا توافقنى على هذا؟ حتى أحمد رمزى فى الفِلْم المشهور الذى لا أعرف عنوانه ، والذى كان يقوم بدور السّنّيد فيه كالعادة الأستاذ غراب (عبد السلام النابلسى)، كان يستعين بسعد عبد الوهاب فى كتابة الخطابات الملتهبة للممثلة إيمان باللغة الفصيحة مما لا تُعَدّ الجملتان اللتان استشهدتَ بهما سيادتك بجانبه شيئا بالمرة! أتستطيع أن تنكر هذه الواقعة أيضا؟ إنك إن فعلت فسوف أرفع دعوى قضائية وأطلب شهادة الممثلَيْن المذكورَيْن، ولا أظنهما يجحدان الشهادة، وإلا فهناك نسخة الفلم، وهى لا يمكن أن تغير ذمتها! وقِسْ على ذلك الفلم غيره من الأفلام!

 

     وبعد، فقد آن لنا أن نلقى القلم ونستريح، ولكن قبل أن نفعل لا بد أن نبين للقراء ماذا نقصد بكلمة "عبقرية" حين نصف بها لغتنا الفصحى: أول شىء أنها لغة طويلة العمر، إذ يبلغ عمرها أكثر من ستة عشر قرنا بكثير، وهذه الخصيصة دليل على أصالتها وعلى أن فيها سرًّا وبركة، وإلا ما استطاعت أن تقوم بحاجات أجدادنا وآبائنا ثم حاجاتنا نحن أيضا على مدار هذا التاريخ الطويل الذى لم يهبه اللهُ للغةٍ غيرها. لكن أ.الشوباشى لا يستطيع أن يدرك هذا المعنى، ونحن ندعو الله له بالاهتداء إلى إدراكه حتى لا يتجنى على هذه اللغة العبقرية. وثانى شىء أنها تخلو من التنافر فى حروف كلماتها بحيث لا تجد فيها مثلا كلمة تحتوى على "دال" يوجد قبلها أو بعدها "طاء" أو "ظاء"، أو كلمة تحتوى على "جيم" يجىء قبلها أو بعدها "غين"، أو كلمة تحتوى على "سين" يأتى قبلها أو بعدها "شين"... إلخ. وعلى هذا فأنت حين تقرؤها أو تتكلمها لن تجد فيها ما يثقل على لسانك أو أذنك أو ذوقك. بل إنها لا تقبل أن تكون فيها كلمة تبدأ بحرف ساكن. وهذا وذاك مما لا يتوفر لغيرها مما نعرفه على الأقل من اللغات الأوربية التى يفاخرنا بها كل من فى قلبه شىء تجاه العربية الفصيحة! وثالثا فهذه اللغة كل كلماتها موزونة، والأوزان التى تجرى عليها تلك الكلمات معروفة ومعدودة ويمكن أن يُلِمّ بها أى شخص فى عجالة: فالأفعال الماضية مثلا إذا كانت مكونة من ثلاثة أحرف لا تخرج عن أن تكون على وزن "فَعَلَ" أو "فَعِلَ" أو "فَعُلَ". والمضارع من الوزن الأول يكون إما على وزن "يَفْعَلُ" أو "يَفْعِلُ" أو "يَفْعُلُ". أما من الوزن الثانى فهو إما على وزن "يَفْعِلَ" أو "يَفْعَل"، ولا ثالث لهما. ويبقى الوزن الثالث، والمضارع منه ليس له إلا صورة واحدة هى "يَفْعُل"... وهذا مجرد مثال. ولهذا كانت اللغة الفصحى لغة مُوَقَّعَة تمتع الأذن، وهذه قيمة يهتم بها ذوّاقو اللغات. كذلك فكل وزن من أوزان الكلمة له معنى أو أكثر، ومن ثم كان من السهل فى كثير من الأحيان معرفة المعنى الإضافى للكلمة بسهولة: فمثلا المصادر الثلاثية التى على وزن "فُعَال" تدل عادة على مرض أو ألم مثل: "دُوَار، زكام، صداع، كُبَاد، كساح، قراع، خُنَاق"... إلخ. كما أن اسم الآلة لا يخرج فى صِيَغه القياسية عن الأوزان التالية: "مِفْعَل، مِفْعال، مِفْعَلة، فَعّال، فَعّالة، فاعُول"...وهلم جرا. ثم إن الإعراب الذى يزعج بعض الناس هو أيضا سر من أسرار هذه اللغة العجيبة التى انبثقت من قلب الصحراء، لكنْ ما إن نزل بها كتاب الله حتى انطلقت من عزلتها إلى آفاق العالمية وصارت لغةَ إمبراطوريةٍ متراميةِ الأطراف. وهذا الإعراب يعطيها مرونة وحرية وحيوية ليست للغةٍ غيرها. إن كاتبنا يبدى ضيقة بهذه السمة مفضلا عليها أن تجىء الجملة على وتيرة واحدة لا تتغير، كالذى لا يعرف من ألوان الأطعمة إلا " السميط والجبن"، فيظل طول النهار يأكل "سميطًا وجبنًا، سميطًا وجبنًا، سميطًا وجبنًا" حتى مشّّشَتْ بطنه من الجبن وتكلَّس السميط فيها، مع أن خيرات الله فى ميدان الأكل لا حَصْر لها ولا حدّ لتنوعها. لكن ماذا نقول فيه وفى أمثاله ممن لا يريدون أن يعرفوا أن نعم الله كثيرة وأن فى الدنيا أشياء غير "السميط والجبن"؟ وفضلا عن هذا فإن الفصحى تمتاز بالثراء الفاخر فى معجمها اللفظى، فما من شىء أو صفة أو معنى مهما كان من دقته إلا وَضَع له العرب عدة كلمات تنظر إليه من كل زواياه مثلما رأينا فيما قاله حسن الشريف فى مثال "العطش"، وكذلك ما قاله محمد مفيد الشوباشى فى "مشى المرأة"، وما قلته أنا فى بعض أسماء "السيف". وهناك مزايا أخرى كثيرة ليس هنا موضع تبيانها، فتُطْلَب فى مظانّها.

 

      ونصل الآن إلى خط النهاية، ولكن قبل أن نطوى أوراقنا لا بد من كلمة حق نقولها فى سيبويه، الذى نادى مؤلفنا بسقوطه. لقد أسدى هذا الرجل إلى لغة القرآن يدًا جُلَّى بتأليف أشهر كتاب فى النحو  العربى حتى ليكفى أن يقال: "الكتاب" ليعرف السامع للتوّ أن المقصود كتاب هذا العالم الجليل. ويزيد الرجلَ فضلا أنه فارسى، على حين أن من العرب الآن من يدعون إلى خنق اللغة العربية زاعمين عليها المزاعم مهوّلين فى أمر صعوبتها، وكأنها هى الشىء الصعب الوحيد فى العالم، مع أن الحياة كلها صعوبات. إن الأمم القوية هى التى تفرض كلمتها وشخصيتها على الدنيا لا التى تفرّ منهزمة أمام أول عقبة تصادفها فى طريقها. لقد مضت عدة قرون على العرب والمسلمين وهم موتى أو أشباه موتى، بينما تقتحم أمم أخرى بلادهم اقتحامًا وتملى كلمتها عليهم وتريد أن تُُكْرِههم على أن يعيشوا بالأسلوب الذى تريده هى لا الذى يريدونه هم، ومنه التخلى عن لغة القرآن. وهو الحلم الذى يراودهم منذ أجيال، ولا يريدون أن يكفّوا عن محاولة جعله حقيقة! فكيف نقبل أن يهان سيبويه، وهو رمز من رموزنا العلمية والدينية، وكذلك القومية رغم أن الرجل فارسى الأصل؟ إن العرب هم الذين يتشرفون بسيبويه، وليس هو الذى يتشرف بهم، وإن كان شرفه نابعا من خدمته للّغة التى اختارتها السماء لحمل رسالة الدين الأخير، الدين الذى أتى به محمد صلى الله عليه وسلم والذى تعهد الله بحفظ كتابه. وعلى هذا فإننا نهتف من أعماق قلوبنا وبأعلى حِسّنا: يعيش سيبويه! ويعيش معه محمد فريد الشوباشى عاشق اللغة الفصحى التى عشقها سيبويه وخدمها بنور عينيه وعقله! ولا عاش من يكره الفصحى ويعمل على تدميرها رغم أنه، بمشيئة الله تعالى وحوله وطوله، لن يكون أبدا من المفلحين! وأرجو ألا يكون الأستاذ شريف الشوباشى من هؤلاء الكارهين، إن لم يكن من أجل شىء فلأنه وكيل وزارة الثقافة فى أكبر دولة عربية، ووكيل الثقافة فى مصر ينبغى أن يكون من المتدلهين فى هوى لغة القرآن!