معالم الحرب العالمية الامريكية

 

 

 

بقلم :د. صلاح عبد الفتاح الخالدي

 

يتصرف الامريكان وكأنهم «الاوصياء» على كل شيء في هذا العالم، وكأن الآخرين جميعهم قاصرون، لا يحسنون شيئاً، وهم بحاجة الى هؤلاء الأوصياء الامريكان في كل شيء في حياتهم! وهذه نظرة استعلائية امريكية «يتأله» فيها الامريكان على الآخرين، ويحتكرون الفهم والعلم والصواب.. كل ما جاء من طرفهم فهو الصواب، وكل ما خالفوه فهو الخطأ، وكل ما وافقوا عليه فهو الحق، وكل ما اعترضوا عليه فهو الباطل!

 

تجلى هذا المنطق الاستعلائي المتأله في تصريحات قادة امريكا وخطبهم، وفي مقابلاتهم وتصرفاتهم، وفي تحركاتهم وافعالهم.

 

وكان هذا المنطق المتأله واضحاً في خطاب بوش مساء الاربعاء الماضي في «نفر» بولاية كلورادو، حيث قدم نفسه على انه «راعي» الحرية والاصلاح، و«المبشر» بالديمقراطية وحقوق الانسان.. وفي الوقت الذي «كال» فيه المديح والثناء على الامريكان. صب غضبه وشتائمه على «الارهابيين المسلمين» الذين اعتدوا على الامريكان، وهدد وتوعد وارغى وازبد، ووعد هؤلاء الارهابيين بالويل والثبور وعظائم الامور!!

 

وقدم نفسه ونظامه الامريكي على انه «الوصي» المباشر على اقليم الشرق الاوسط الكبير، بكل ما فيه من دول وحكومات، وقادة وزعماء، وانظمة وشعوب، ومبادئ وافكار، وقيم وثقافات، واحزاب ومؤسسات.. وعلى كل ما في منطقة الشرق الاوسط الكبرى ان يعيد ترتيب وبرمجة ومراجعة ما عنده وتصحيح اخطائه، وتصويب مسيرته ليكون «وفق» النظرة الامريكية، وضمن «المواصفات والمقاييس» الامريكية، وكل من لا يفعل ذلك، ولا يقوم بهذه المراجعة والتصويت، فهو ارهابي مجرم، وعدواني مخرب، سيعرض نفسه للعقوبات الامريكية التي لا ترحم!

 

لقد اعلنها بوش منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، ولغاية خطابه الاربعاء الماضي حرباً صليبية عالمية على الاسلام والمسلمين، باسم الحرب العالمية على الارهاب.. وصرح في خطابه الأخير اكثر من مرة بأن المعركة الامريكية ضد الارهاب في منطقة الشرق الاوسط الكبرى طويلة، وستستمر عدة سنوات وعدة اجيال، وان الصراع فيها «ايديولوجي» فكري وان امريكا ستوجه حربها ضد الافكار في المنطقة، التي هي «مصانع» لانتاج الارهابيين!! وما تلك الافكار ان لم تكن هي القرآن بحقائقه ومقرراته حول الايمان والكفر والحق والباطل والجهاد والاستشهاد!!

 

وبين في خطابه المذكور ان المعركة في العراق هي مرحلة اولى ستتبعها مراحل، وخطوة اولى ستتلوها خطوات، وان امريكا قادمة للمنطقة للاقامة فيها اقامة دائمة، تستمر اجيالاً واجيالاً، وانها ستراقب كل شيء في دول المنطقة، مراقبة مباشرة، ليكون كل شيء فيها وفق المواصفات والمقاييس الامريكية، ولاغلاق «مصانع» تفريخ الارهابيين، المتمثلة في الافكار والمناهج، والتيارات والمدارس والحركات والمؤسسات، والعقول والثقافات، والمحاضرات والمؤلفات والاعلام والمجلات!!

 

ستراقب امريكا كل شيء في المنطقة التي سماها بوش: «منطقة الشرق الاوسط الكبرى» لوأد روح الجهاد والمواجهة فيها، ولقتل معاني العزيمة والارادة فيها، و«لتطبيع» كل ما فيها لتخريج «العبيد» المستضعفين، الذين يتلذذون بالعبودية لليهود والامريكان، ولا يفكرون الا في البطن والفرج والكيف والجيب!

 

تقدم امريكا وصايتها على كل شيء في المنطقة باسم الحرص على الاصلاح والتغيير، ونشر الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان.. وتدعو كل مؤسسات انظمة المنطقة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية الى اعتماد «الخطة الامريكية» وتطبيقها، وويل للذين يرفضون او يتكاسلون، فان الرقابة الامريكية لهم بالمرصاد!

 

والعجيب ان دول منطقة الشرق الاوسط الكبرى ومؤسساتها سارعت بتبني الخطة الامريكية واعتمادها وبرز ذلك واضحاً في قرارات مؤتمر القمة العربي الاخير في تونس.. كما برز في اعتماد مؤسسات انظمة الشرق الاوسط لتلك الخطة، وتنفيذ كل مؤسسة الجانب الذي يخصها.. فمؤسسات التربية والتعليم تكيف مناهج مدارسها مع الخطة الامريكية، والجامعات تكيف مساقاتها وموادها مع الخطة، وهكذا فعلت المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والاعلامية..

 

وكي تضمن امريكا لخطتها النجاح فانها ستقدم للمسلمين في المنطقة: «اسلاماً امريكانياً» خاصاً، وفق المقاييس الامريكية، وتقدم لهم «قرآناً امريكياً» مكوناً من اثني عشر جزءاً اسمه «الفرقان الحق» وقد صدر الجزء الاول منه قبل اسابيع، وتتلوه باقي الاجزاء تباعاً واشرنا له في مقال قريب في «السبيل» الغراء!

 

انها «الحرب العالمية الثالثة» التي تشنها امريكا واليهود ضد القرآن والاسلام وضد المسلمين الصادقين.. وهذه هي معالمها ومظاهرها وعلينا ان نحسن فهمها ومواجهتها! وان امريكا ستفشل في هذه الحرب كما فشل من كانوا قبلها، فالله القوي هو الذي يدير المعركة!!.