ماذا بعد السودان.. هل سيعاد فتح ملف البربر في الجزائر؟

 

 

 

بقلم :د. محمد علي الفرا

 

تتلاحق الاحداث في وطننا العربي ولا تترك لاحد فرصة التقاط الانفاس، وهي كالقنابل الموقوتة تنفجر حسب ما يراد لها الانفجار وبموجب تخطيط معين او محدد، وكثيرا ما تتداخل هذه الاحداث او يطغى بعضها على بعض، بحيث نجد حدثا يشد الناس اليه ويستقطب اهتمامهم، ثم يتلوه حدث آخر في مكان مختلف فيغطي على سابقه ويسرق منه الاضواء.. وهكذا دواليك.

احداث العراق الان - وانا اكتب هذا المقال - تحتل الواجهة فصرفت الانظار عما يحدث في فلسطين من مجازر وجرائم ترتكبها حكومة »شارون« يوميا، فأصبحت كأنها امور عادية الفها الناس واعتادوا مشاهدتها، ولم تعد تحرك حتى عواطفهم، وقد تطفو احداث دارفور على السطح بعد ان تحولت من نزاع محلي الى صراع عالمي، وتدل المؤشرات على ان مشكلة شرق السودان ستتفجر عما قريب، وليس بمستبعد ان يُعاد فتح ملف المشكلة البربرية في الجزائر من جديد، فالهدوء النسبي الذي اعقب ما حدث في عام 2001 اشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة، وقد كتبت انذاك ثلاث مقالات عن المشكلة البربرية نشرت في الدستور بتاريخ ،19 28/،7 2/8/2001.

قرأت في هذا الاسبوع بعض ما كتبه الباحث الجزائري الدكتور »ناصر الدين سعيدوني«، استاذ التاريخ بجامعة الجزائر، واعجبني بحثه المطول والقيم »المسألة البربرية في الجزائر: دراسة للحدود الاثنية للمسألة المغاربية«، وفيه تتبع الباحث جذور المشكلة البربرية ونشأتها وتطورها وابعادها واخطارها وتداعياتها على المغرب العربي بعامة، وعلى الجزائر بخاصة.

قبل احتلال فرنسا للجزائر في عام 1830م لم يكن هناك شيء اسمه المشكلة البربرية، فالشعب الجزائري كان يعتز بعروبته ويتمسك باسلامه، ويحرص على الحفاظ على لغته العربية، وقد كان الامام »عبدالحميد بن باديس« وهو من اصل بربري يقول دائما: »الاسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا«، وله قصيدة مطلعها:

شعب الجزائر مسلم

والى العروبة ينتسب

ويختتمها بقوله:

فاذا هلكت فنصيحتي

تحيا الجزائر والعرب

بمجرد ان احتل الفرنسيون الجزائر عملوا على تحقيق هدف استراتيجي يتمثل في العمل على الغاء الوجود التاريخي للشعب الجزائري، بالتركيز على البنية الاجتماعية والحضارية وتقسيم سكان الجزائر الى عرب وبربر بحيث يعمل على بقاء الوجود الفرنسي في الجزائر واستمراره، وتكوين كيانات محلية قائمة على التمايز اللغوي بعد انتهاء السيادة الفرنسية.

وقد وجد مخططو السياسة الاستعمارية في الجزائر في المناطق التي ما زال سكانها يستعملون لهجاتهم البربرية مثل »الاوراس« و»ميزاب« و»الهوقار« والقبائل ما يرونه مناسبا لتحقيق مخططاتهم، وقد ركزوا في ذلك على منطقة القبائل، لانها، حسب تقديرهم، اكثر تقبلا وتأثيرا على اقاليم الجزائر الاخرى، ولقربها من العاصمة، وترتفع فيها الكثافة السكانية، وتضاريسها صعبة، ومواردها محدودة، ولها سمات محددة، ويعتز سكانها بانتمائهم القبلي، ولا يرغبون في الاندماج مع غيرهم.

وربما كان اول اهم عمل قام به الفرنسيون لضرب وحدة الشعب الجزائري باختلاق ما سمي فيما بعد »الهوية البربرية« تكليف عدد من المستشرقين لاحياء اللغة البربرية، وتجميع بحوثهم وطبعها في باريس عام 1844م بعنوان »قواعد ومفردات اللغة البربرية« وفي الفترة من 1826 - 1930 نشط الباحثون الفرنسيون في ايجاد الاسس التي قامت عليها فيما بعد المسألة البربرية، فظهر رصيد كبير من الدراسات التي تناولت اثنولوجية القبائل من حيث عاداتهم وتقاليدهم واعرافهم، ورواياتهم الشفوية وتراثهم الفولكلوري والمظاهر الاجتماعية والدلالات اللغوية.

كان هدف الفرنسيين من خلق المشكلة البربرية، ضرب وحدة الشعب الجزائري - كما قلنا - وفصله عن العروبة والاسلام، ويمكننا تحديد الخطوط العامة لهذه السياسة الاستعمارية في نقاط اهمها: فصل القبائل عن باقي الجزائريين بالادعاء انهم بربر لا يمتون الى العروبة بأية صلة، وان هناك عداء تاريخيا بين العرب المحتلين والبربر سكان البلاد الاصليين، وان البربر اقرب الى الاوروبيين من سكان البحر المتوسط، وان العنصر العربي فئة ضئيلة تهيمن على الاغلبية البربرية وتفرض عليها لغتها وتراثها ودينها، وذلك بابعاد القبائل عن الاحكام الاسلامية من حيث الاحوال الشخصية والقوانين، واستبدالها بالتقاليد والاعراف والعادات القبلية والقوانين الفرنسية.

ومن اجل اضعاف الشعور الاسلامي لدى البربر عمل الفرنسيون على نشر المسيحية بالتبشير، واغراء الناس بالمال والمساعدات، وفتح المدارس التبشيرية، وتبني اطفال الفقراء والمعوزين.

وقد حرص الفرنسيون على تطوير اللهجة القبائلية البربرية لتصبح لغة منافسة للغة العربية ومتفاعلة مع الثقافة الفرنسية، بحيث يتوجه اهتمام دارسي البربريات في الجزائر الى محاولة وضع قواعد للهجات البربرية العديدة في محاولة لضبط دلالاتها، وتكوين معاجم لمفرداتها، فاعتنوا بنشر »قواعد ومفردات اللغة البربرية« سابق الذكر والذي وضعه المستشرق الفرنسي »فانتور دو بارادي« وفي عام 1885م استحدث بمدرسة الآداب الجزائرية كرسي لدراسة اللهجات البربرية يمنح شهادة في معرفة اللسان القبائلي، ينال الحاصل عليها علاوة مالية سنوية قدرها 300 فرنك، ثم شهادة عليا في اللهجات البربرية تخول من يحصل عليها حق الانتفاع بمنحة سنوية قيمتها 500 فرنك.

ويبدو ان هذه الجهود نجحت في تحقيق المخطط الاستعماري الفرنسي، فأصبحت البربرية قضية حقيقية، وفرضت نفسها على ارض الواقع، وصار من الصعب انكارها وتجاهلها، وظهر عدد من الجزائريين من اصول بربرية، وبخاصة الذين فتنوا بالثقافة الفرنسية وتتلمذوا على اساتذة فرنسيين وعاشوا فترة من الزمن بفرنسا يحملون لواء البربرية ويدعون اليها، ويحرضون الناس على محاربة عروبة الجزائر او الطعن في صحتها، وكان من هؤلاء الكاتب والاديب »مولود معمري« الذي اشتهر بأدبه الفرنسي الرفيع وبدفاعه المستميت عن الثقافة البربرية وعمله الدؤوب لتدوين تراثها بالحرف اللاتيني، خاصة عند توليه ادارة مركز ابحاث الانثروبولوجيا وما قبل التاريخ والاثنوجرافيا بالجزائر او في اثناء تدريسه الثقافة البربرية بجامعة الجزائر، وقد تجلت بربرية »مولود معمري« في روايته »الربوة المنسية« التي كتبها باللغة الفرنسية، وصدرت في باريس عام 1952م، وقد علق عليها الناقد الفرنسي »روني حانون« قائلا: »ان التجاوب العميق الذي شعرنا به مع هذه القصة المعبرة عن العواطف القبائلية، ان دل على شيء فانما يدل على اواصر القرابة الفكرية التي تربط الشعبين الفرنسي والقبائلي« وقد علق عليها الكاتب الفرنسي »موريس موليه« قائلا: »لقد ابى مولود معمري الا ان يظل وفيا لأصله القبائلي، وقد نهل من معين اللغة الفرنسية حتى برع فيها، وها هو يعبر عما خلفه اجداده الاولون«.

ولكن وعلى الرغم من هذا النجاح الذي حققه دعاة البربرية، الا انه كان نجاحا محدودا ومقصورا على عدد من الشريحة المتفرنسة، ومن النخبة التي درست في فرنسا او الذين التقت مصالحهم مع الفرنسيين، اما غالبية الجزائريين فقد اعرضت عن هذه الدعوة وعدت البربرية حركة مشبوهة، وانها من صنع الاستعمار الفرنسي هدفها تفتيت وحدة الشعب الجزائري، وقد حمل لواء التصدي لها علماء الدين والزوايا في مناطق القبائل، وهذا ما نأمل في ابرازه وما حققه من نجاح مؤقت في مقال قادم ان شاء الله.