الفساد والفاسدين والإصلاح والإصلاحيين موضة المصطلحات في الساحة الفلسطينية

 

 

بقلم :د. علاء أبوعامر

 

يدور في هذه الأيام نقاش حاد في الساحة الفلسطينية يتراشق فيه فريقين التهم ، ويقوم فريق ثالث بكتابة بيانات وجمع توقيعات لتعلن الشخصيات الموقعة عليه رؤيتها للحل فيسردون رزمة حلول ويتبين لك أن من بين أسماء الموقعين اسم أو اسمين وربما ثلاثة من المشكوك في ذمتهم ، وهو ما يعني أن البيان باطل ، كون الأخذ بالقاعدة العامة التي تقول أن لكل قاعدة شواذ لا تنطبق على مثل هذه البيانات فوجود اسم شخص فاسد في البيان يعني أن البيان فاسد .

 

وتستمع إلى الفضائيات العربية عبر نشرات الأخبار أو البرامج الحوارية المتخصصة بمواضيع الساعة فتستمع إلى أحد البرامج المتعلقة بالشأن الفلسطيني والذي استضاف فيه المقدم شخصيتين من تيارين أو مجموعتين مختلفتين فترى هنا وزير في السلطة وفي مقابله رجل أمن أو رجل إعلام أو محلل سياسي يعمل هو الآخر في مؤسسات السلطة تتأمل الوجوه فترى كل منهما يتصبب عرقاً و ينتصب كالديك وقد نفش ريشه استعدادا للمبارزة وتستمع إلى الحوار بين الديكين ( مع حفظ الألقاب ) فتجد وزيراً متهم بالفساد من رأسه إلى أخمص قدميه هو وكل المتنفذين في وزارته يقول وبصوت متهدج نعم يجب إرسال كل من تثبت عليه تهمة الفساد إلى القضاء ، فنتذكر صديقنا الذي يعمل عنده والذي تم الكيد له بتلفيق تهمة باطلة لتدميره حتى يتسلم بعض الفاسدين من جماعة هذا الوزير مكانه ونتذكر ونحن ننظر في وجه هذا الديك كيف اقتيد صديق لنا من بيته وهدد وسجن وأهين وقطع راتبه وأوقف عن العمل فقط لأنه تجرأ وقال معالي الوزير : الأمور في الوزارة تسير على نحو سيء ،،، معالي الوزير : يجب محاسبة فلان وفلان .. معالي الوزير جماعتك حرمية ولأن فلان وفلان يعنيان فيما يعنيان أنهما اليد اليمنى و اليسرى للوزير فالتطاول عليهما يعني أنك شخص غير مرغوب فيه ، ويذهب صديقنا إلى حيث اقتيد صابراً متحملاً واثقاً و مصراً في الحصول على براءته ،، وسنة .. سنتين .. ثلاث بعدها تقضي المحاكم الفلسطينية وبدرجاتها الثلاث براءته ، وتتهم الوزارة المعنية بالفساد المالي والإداري والتسيب والفوضى ، ،، الخ ... ونهلل ونفرح أنا وهو وكثيرين غيرنا ممن ما زالوا يؤمنون بأن الإصلاح ممكن ... هاه .. أنهم سيندمون على فعلتهم وسينالون عقابهم ، ولكن هذا الديك الذي يتبجح بأنه مع أن يرسل الفاسدين إلى المحاكم يتستر عليهم ويحميهم ويواصل الحرب على صديقنا من خلال حرمانه من العمل والترقية ....بل ويجلب للمتهمين المدانين من قبل المحاكم ترقيتين في ظرف ستة أشهر .. فنقول بعد نهاية البرنامج .. ما علينا ما في على الحكي دفع ... بسيطة .. على الناس مش رح تمشي المراجل ..الأمور مكشوفة ... فننتظر لنستمع لوجهة النظر الأخرى فنجد المحاور الأخر يصب نار غضبه على الشخص فلان ويتهمه ويكيل له التهم فيفتح المشاهد فاه كالأهبل ،،، نظرت إلى العجوز التي بجانبي باحثاً عن الفهم ، فالحكمة عند كبار السن كما يقولون ، فإذا بها قد وضعت يدها في إحدى منخريها ،، سألتها: شو رأيك يا حجة بها الحكي ،، فقالت ساخرة : شوف .. وكأن التخلص من فلان يعني القضاء على الفساد في المجتمع والسلطة ... يا بني شوفلك محطة تانية ... المهم التنظيم يا بنيه المهم القانون .. أسألني أنا .

 

ولكن ما هو الفساد كمصطلح ومن هو الفاسد وما هي المواصفات التي يجب أن يتمتع بها الشخص المعني للحصول على هذا مثل هذا التكريم .. حيث أصبح هذا اللقب بالمناسبة سمة تساعد من يحملها إلى الوصول إلى أعلى المراتب في سلم الدرجات لدى بعض كبار مسئولي سلطتنا المحترمين بينما سمة مناضل هي سبب في خربان البيت .. وقطع الأرزاق ونعود للسؤال هل كمية المال التي يتم اختلاسها هي التي تحدد مواصفات الحصول على اللقب أم نوعيتها مثلاً : دولار ، شيكل ، دينار ، استرليني ... الخ .

 

الحقيقة أنه و من أجل الإجابة على هذا السؤال بحثت في القواميس وقرارات المحاكم وتقارير المجلس التشريعي والرقابة العامة فوجدتها تتحدث جميعاً عن المال العام ونهبه وإهداره واختلاسه ،،، فاعتقدت ولبرهة أنني لا أفهم حيث كنت أعتقد ولسذاجتي أن الذي يستغل موقعه في الوزارة سواء كان وزير أو خفير من أجل مصالح شخصية هو فاسد واعتقدت أيضاً أن من يوظف 12 شخص من عائلته في وزارة أو مؤسسة حكومية هو فاسد وكنت أعتقد أن الوزير أو المسئول يصبح فاسد لو رقى سكرتيرته إلى مدير عام بينما يذهب في أنصاص الليالي ليوقف قرار ترقية أستاذ جامعي ودكتور كان هو قد طلبها له في زمن كان بحاجته ، وكنت أعتقد ولسذاجتي أن تداخل العمل الخاص بالعام فساد كأن يعين وزير موظفين كانا يعملان لحسابه في شركته الخاصة وكيلان مساعدين ويستأثران بالموازنة والمهمات ...ويحرم باقي الموظفين من أبسط الحقوق .. وكنت أعتقد ولسذاجتي أيضاً أن منح موظف مكتب محترم وسيارة وحرمان موظف آخر من نفس الدرجة والوظيفة من هذا الحق هو فساد ،،، و ،، و ،، واه ....كنت أعتقد الكثير من الأشياء ولكنني اكتشفت في النهاية أنني .. قليل الفهم ( لا نريد أن نقول أكثر ) ولم أدرس جيداً ومازلت طالباًً جاهلاً بحاجة إلى مزيد من العلم والمعرفة ...

 

لماذا الجميع في الساحة الفلسطينية يتحدث عن الفساد المالي والأخلاقي ،،، ولا حديث عن الجرائم الإدارية المتعلقة بالكيد والظلم والمحسوبية والاستغلال والإذلال ... والتي هي اشد مرارة وألم من كل ما عداها من الأمور فالإحباط هو سيد مؤسساتنا والفوضى وعدم التنظيم وغياب النظام والقانون هو السبب في ابتلائنا بالمفاسد الأخرى فعلى كل من يريد أن يركب موجة الإصلاح أن لا ينسى الفساد الإداري لأنه سبب ومصدر كل فساد ... وإلى أن يصلح الله حالنا ويهدأ بالنا ويحمينا من كيد الفاسدين وبنادق الغدارين ليس لنا إلا أن نقول مازال هناك ضوء في نهاية النفق ولكن السير إليه يحتاج إلى تمهل .. فالسرعة قد تؤدي بنا إلى طريق لا نريدها ...والله قد خلق الكون في ستة أيام ... و شو فيها لو انتظرنا كمان خمسين سنة بلكي الله بفرجها علينا.... وبغير ما في النفوس ... و بنكون في حال غير ها الحال .