هزيمة أمريكا فى العراق 

 الحلقة المركزية لتحرير الأمة

 

 

مجدى أحمد حسين

magdyhussien@gawab.com

 

ما يجرى على أرض فلسطين – العراق – أفغانستان سيحدد الى حد بعيد المستقبل القريب لأمتنا و للوحة العامة للصراع العالمى . بل و اذا أردنا التحديد أكثر فستكون معركة العراق هى الأبرز لأن الأفعى وضعت رأسها فى هذا الموقع بالتحديد و بالتالى فان هزيمتها هنا تعنى قطع رأس الأفعى  .

و لا يعنى الأخذ بهذا التحليل أن يتصور البعض أن معنى ذلك أن تقتصر الحركة السياسية الوطنية و الاسلامية فى بلادنا على مجرد دور المشجع و المتضامن مع المقاومة العراقية و الأفغانية و الفلسطينية . فهذا مرفوض لسببين :

 

(1) ان الأنظمة العربية العميلة للأمريكان لن تسمح للشعوب بالقيام بالدور الأساسى كساحة خلفية أو مؤخرة بالمعنى العسكرى .. أى نقاط للإمداد بالمتطوعين و السلاح و المال للمجاهدين . و بالتالى فان القوى الشعبية فى مختلف البلدان العربية لن تجد من المهام الفعلية ما يشغلها  إلا بعض المهام الاعلامية و الدعوة الى مقاطعة البضائع الأمريكية  و هذه مهام لا تستوعب طاقة هذه الحركات و لا طاقة الأمة ، و لا تكفى للوفاء بفريضة الجهاد الذى هو فرض عين على كل مواطن يعيش فى البلدان المجاورة للعراق و فلسطين و أفغانستان حيث يكون الحد الأدنى :         (1) التطوع .    (2) دعم مالى منتظم متواصل.   (3) ارسال سلاح .  حيث سكان هذه البلاد غير كافيين وحدهم لاخراج الغزاة .

 

(2) ان مساندة المقاومة فى هذه البلدان المجاهدة الثلاث يعنى التصدى للعدو المشترك ، فما معنى ان يكون التحالف الصهيونى – الأمريكى فى مأمن فى كل البلاد العربية و الاسلامية . و أن نترك الحكام يعمقون الصداقة مع هذا الحلف المعادى . إن واجبنا ان نقطع خطوط الإمداد العسكرية و الاقتصادية لهذا العدو ، بالتصعيد الجماهيرى ضد الحكام الذين يستضيفونهم ، و يوقعون معهم معاهدات الصداقة الأبدية .

اذن كيف أدعى اننى اساند المقاومة العراقية و الفلسطينية و أتستر على حكام مصر الذين يدربون الشرطة العميلة فى فلسطين و العراق لقمع الحركات المجاهدة ؟!

أى حتى اذا كان اسقاط هذه النظم العميلة مؤجلا بغرض التركيز على الحلقات المركزية (عراق – فلسطين – أفغانستان ) أو بسبب عدم القدرة ، فان ذلك لا يعنى تأجيل الضغط الجماهيرى المتصاعد على هذه الأنظمة لانتزاع تنازلات حقيقية فى مجال علاقات هذه الأنظمة مع الأعداء . أما الآن فإن كل ما استطاعت الحركات الوطنية و الاسلامية انتزاعه هو مجرد حق نقد أمريكا و اسرائيل فى غرف مغلقة أو فى صحف أو فى تجمعات محاصرة . و فى نفس الوقت فان السياسة الحكومية الرسمية تجاه أمريكا و اسرائيل لم تتأثر استراتيجيا أو اقتصاديا .

 

و هكذا نصل الى أن النظام الحاكم فى مصر يعرقل حتى مجرد أن نتحول لساحات إسناد لفلسطين و العراق ناهيك عن أفغانستان البعيدة . و السجون المصرية تشهد على ذلك : فهناك فلسطينيون و مصريون معتقلون بتهمة محاولة عبور الحدود لفلسطين أو التفكير فى الجهاد فى العراق . و مايزال جمع التبرعات المالية محرما. إذن فإن الجهاد بالنفس أو المال أو ارسال السلاح (من جهز غازيا  فقد غزا ) محرما .

و ان كنا من أشد المتحمسين لمقاطعة البضائع الأمريكية ، فإن هذه مجرد وسيلة إسناد إعلامى و معنوى و وسيلة حشد نفسى أكثر منها وسيلة لكسر العدوان الذى وصل الى حد المذابح المفتوحة فى البلدان الثلاثة المحتلة . إن التصدى لهذه المذابح و وقفها أمر عاجل لا تفى به مسألة المقاطعة ، فأمريكا تراهن على كسب المعركة بالقوة لا بالإقناع و هى على استعداد لتحمل بعض الخسائر المادية ، المهم أن تفرض هيمنتها بالقوة . و المحصلة النهائية حتى الآن – بسبب خيانة الحكام العرب – فإن أمريكا لا تزال هى الشريك التجارى الأول للعرب ، لأن الحكام العرب هم أكبر المصدرين لأمريكا و أكبر المشترين منها .

مرة أخرى لسنا ضد حركة المقاطعة ، و لكنها حركة فرعية ، يجب أن تترك لبعض المنظمات الجماهيرية ، من الشبيبة و المرأة ، لا أن تكون الشغل الشاغل لقيادات الحركة الوطنية و الاسلامية !

الخطورة ان هذه الشعارات تطرح كبديل للجهاد ، و كبديل لرفض موالاة الأنظمة للأعداء . و الطريف أن شيخا حكوميا أفتى فى برنامج تلفزيونى انه بما أن الجهاد بالنفس غير ممكن ، اذن هناك الجهاد بالمال (لم يذكر أن التبرعات ممنوعة الا عبر قنوات حكومية لا يثق فيها الشعب و هذا لفلسطين وحدها ) . و لم يقل هذا الشيخ الحكومى لماذا الجهاد بالنفس غير ممكن ؟! فى حين أنه فرض عين الآن. فهل أوامر الحاكم أعلى من فرائض و أوامر الله سبحانه و تعالى . المهم أن الشيخ الحكومى أمره مفهوم ، و لكن المستنكر هو موقف بعض المعارضين الذين يرددون نفس هذا الكلام الفارغ و يسيرون على نهجه ، و يستهلكون طاقة الجماهير الغاضبة فى مؤتمرات يقولون فيها اذا أردت أن تحرر فلسطين فتوجه لصلاة الفجر فى المسجد ، أو اذا لم يكن بامكانك الجهاد بالنفس فعليك بالدعاء !! و الحقيقة ان القرآن و السنة لم يتضمنا أى مساندة أو اشارة لهذا الكلام الذى يحرف الكلم عن مواضعه و يشوه رسالة السماء . فالتوجه لصلاة الفجر ليس بديلا عن ميدان القتال ، و ليس مرحلة ايمانية ، بل لقد رأينا من الصحابة من استشهد فى سبيل الله بعد ايمانه بالله و قبل أن يقوم بأداء أى ركعة ، لانه نطق بالشهادتين و شارك لفوره فى معركة جهادية و استشهد فيها . كذلك فان الدعاء لم يكن يوما بديلا للعمل . ( و اذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع اذا دعانى فليستجيبوا لى و ليؤمنوا بى لعلهم يرشدون ) أى أن شرط الاجابة للدعاء الاستجابة لأوامر الله و على رأسها الجهاد.

كما يقول د. عماد الدين خليل فإن الجهاد هو ( مبرر وجود الجماعة الاسلامية فى كل زمان و مكان و مفتاح دورها فى الأرض و هدفها العقيدى و معامل توحيدها ، و ضامن ديمومتها و تطورها ، و المهمة المركزية لقيادتها ، و بدون هذه الحركة الجهادية يسقط هذا المبرر و يضيع المفتاح ، و تفقد الجماعة المسلمة قدرتها على الوحدة و التماسك و الاستمرارية و البقاء كما تفقد القيادة المسلمة شرطها الأساسى ) .

و الحقيقة أن بعض المتصدين للعمل العام يخدعون الجماهير الغاضبة حين يوجهون طاقاتها الكامنة الى البكاء أو مجرد جمع التبرعات لارسال السلاح ( و هذا كذب لأن هذا من قبيل المعلومات الناقصة ) ، فمن خلال معلوماتى الأكيدة فان المجاهدين فى البلدان الثلاثة المحتلة ، لم يطلبوا سلاحا ، و لكن يطلبون بالأساس موقفا سياسيا يفك عنهم حصار الأنظمة العميلة المحيطة ببلدانهم ، يطلبون موقفا جماهيريا عارما مناهضا لمشرف فى باكستان (و هذا ما تقوم به الحركة الاسلامية الباكستانية على خير مايرام و فى حدود طاقتها ) و هو الأمر الذى أدى حتى الآن الى عرقلة حملات الجيش الباكستانى فى منطقة القبائل ، حيث من المفترض ان يكون فيها ملاذات لمجاهدى طالبان . أما التقصير الفادح فهو فى الحركات الوطنية و الاسلامية المحيطة بالعراق و فلسطين . حيث لا توجد حملات جماهيرية مركزة على الأنظمة المتعاونة مع الأعداء .

و المهم أن الحلف المعادى لا يهتم إلا بقياس هذه التحركات و الأعمال التى لا نقوم بها بالقدر الكافى ، فإن الأمريكان لم يهتموا قبل ضرب العراق 1991 إلا بحساب رد الفعل الجماهيرى فى الشارع العربى و الاسلامى ، و كذلك عند ضرب العراق و احتلاله عام 2003 ، و انهم سعداء بتقديراتهم فقد حدثت – كما يقولون – مظاهرات متناثرة هنا و هناك لمدة أيام أو أسابيع و تم اخمادها ، و عادت الأمور الى مجاريها فى معظم الساحة العربية و الاسلامية .

إن مصالح الحلف المعادى لم تتأثر لأنها تستند الى الأنظمة ، و عندما تتجاوز هذه الأنظمة العربية أنواء المظاهرات المؤقتة تواصل السير فى نفس الطريق مع الأمريكان .

و ثبت من كتاب بوب ورد أن حكام مصر و السعودية كانوا مع الإجهاز السريع على العراق لضمان التحكم فى ردود الفعل الجماهيرية ، و هذا ما قاله مبارك علنا بعد أسبوعين من الحرب اذ قال أن الأمريكان كانوا قد وعدونا بالانتهاء السريع و هذا هو مصدر قلقه ، لا العدوان ذاته !!

و الاستراتيجيون الأمريكان – أو كثير منهم – يقولون ليس من المهم أن تكون محبوبا – كقوة عظمى – المهم أن تكون مرهوب الجانب . و هذا ما يقوله أيضا رامسفيلد متشككا فيما يسمى استخدام القوة اللينة ، أى استخدام كافة الوسائل عدا القوة العسكرية ، بل هو يرفض هذا المصطلح أصلا "soft power" و يقول صراحة (ان الشعبية مسألة سريعة الزوال و يجب ألا تقود السياسة الخارجية ، فالولايات المتحدة قوية بما يكفى لتفعل ما تريد بموافقة أو بدون موافقة العالم و يجب فى المقابل ان تتقبل ببساطة حسد و امتعاض الآخرين . إن أمريكا لا تريد حلفاء دائمين ، فالقضايا تحدد التحالفات و ليس العكس ) !    Foreign affairs مايو / يونيو 2004

و هكذا فإن الأمريكان غير قلقين الآن من تدهور صورتهم فى العالم العربى و الاسلامى ، و لا من بعض المؤتمرات و اللجان المناهضة لهم ، و لا من المظاهرات المسيطر عليها أمنيا ، و لكنهم قلقون بالتحديد من المقاومة العراقية .

و رغم أن المقاومة العراقية تتقدم بخطى وئيدة و لا يوجد ما ينبئ بالقدرة على قمعها ،و لكننا نكون من النذالة بمكان حين نظل فى مقاعد المتفرجين ، و أيضا حين نكتفى بانتظار انتقام حماس من اغتيال الشيخ ياسين و الدكتور الرنتيسى ، و كأن فلسطين قد عادت ملكا لحماس وحدها . إن تقاعسنا فيه تخلى عقائدى يرتقى الى مستوى الفسق (فتربصوا حتى يأتى الله بأمره و الله لا يهدى القوم الفاسقين ) و قد وصم القرآن الكريم المسلمين بالفسق اذا تخلوا عن الجهاد و هو نفس الوصف الذى أعطاه لفرعون و ملئه !! و على صعيد الحسابات السياسية للصراع و هى لا نراها مفصولة عن هذا الموقف الفاسق (المنخلع من الايمان ) ، فان هذا التخلى يؤدى الى :

(1) استطالة أمر الاحتلال الصهيونى الأمريكى للبلدان الثلاثة.

(2) زيادة حجم الدم المراق من أبناء هذه البلدان .

(3) بل احتمال عدم تحقيق النصر كلية نظرا لقلة عدد المنخرطين فى الجهاد ، و نظرا لتمكين الأعداء من باقى بلدان العرب و المسلمين و التى تحولت الى عمق استراتيجى لهم من خلال الحكام رغم انها فى الأصل دار الاسلام !

لقد كانت حماية دولة المدينة (يثرب) مرتبطة باسقاط دولة الشرك فى مكة . و كانت حماية الدولة الاسلامية فى جزيرة العرب مرتبطة بتحرير الشام من سلطة روما ، و كان الحفاظ على الشام مرتبط بالاطاحة بسلطة الرومان فى مصر ، و كان الحفاظ على مصر مرتبط بازالة حكم الرومان فى شمال افريقيا حتى المغرب . و قد كان هذا من أهم دوافع الفتح العربى الاسلامى المتتابع ، فقد كان الأوائل على أعلى مستوى للفهم الاستراتيجى أو ما نسميه الآن الجغرافيا السياسية .

و بالتالى فإن استكمال عمليات تحرير البلدان الثلاثة الرئيسية المحتلة مرتبط بتحرير البلدان المحيطة بها من سلطة روما المعاصرة (واشنطن) .

إن الذى حمى مدينة الفالوجة البطلة هو انتفاضة الريف المحيط بها الذى حاصر القوات الأمريكية التى تحاصر المدينة و هى الانتفاضة التى ضربت مؤخرة العدو و خطوط إمداده و سهلت مهمة القلعة البطلة المحاصرة . و هذه هى الصورة المصغرة التى يجب أن تنتشر على مجمل الخريطة العربية الاسلامية .

و قد جاءت الاجابة الاستراتيجية الصحيحة، من جندى أردنى فتح النيران على جنود أمريكيين فى كوسوفا فأرداهم قتلى و جرحى ، و هكذا غلبت العفوية و الفطرة و فضحت خيانة الحكام الذين جعلوا بلادنا ملاذات آمنة للأعداء . و أعضاء القاعدة المحاصرون فى كهوف أفغانستان و باكستان ، هم الذين يساهمون فى فك الحصار عن الشعب العراقى ، و هم الذين يعمل لهم الأعداء حسابا دون حكامنا المغتصبين للسلطة . و جاءت مبادرة أسامة بن لادن الأخيرة تجاه أوروبا لتبرهن أنه ليس معاديا للغرب عمال على بطال ، و أنه لا يستهدف المدنيين بلا حساب ، و هذا ضبط شرعى مهم لحركته سيكون له نتائجه . و كذلك السائق المصرى الذى يحاكم فى الكويت لأنه دهس جنودا أمريكا خلال الحرب على العراق .

مثل هذه الأعمال الشعبية العفوية أو المخططة تطرح ارهاصات المواجهة ، و السيارات الملغومة التى تتحرك فى عدد من البلدان العربية لتضرب أهدافا أمريكية مؤشرات جديدة .

نعم إن الجماهير تغلى فى شتى الساحات العربية و الاسلامية ، و لكنها تفتقد فى كثير من الأحيان القيادة الجسورة المقدامة المستعدة لخوض النزال ، و أصعب صنوف النزال هو المواجهة السياسية الجماهيرية لحكام الخيانة .

كان لابد من هذه المقدمة حتى لا نطرح كل شئ عن كاهلنا و نضعه على كاهل المجاهدين فى البلدان الثلاث .

و مع ذلك ، و من الإعجاز أن نرى الأمريكان يترنحون بالفعل فى العراق.  فى الأيام الماضية تابعت بكثافة الاعلام الأمريكى ، و ألتقيت مع عدد من كبار الصحفيين الامريكيين .. و قد خلصت من ذلك الى أن الأمريكيين بدأوا يعترفون بمخاطر الهزيمة الوشيكة الزاحفة فى العراق ، و أن المقارنات مع فيتنام بدأت تفرض نفسها بعد طول تمنع، و أن الشعار الأمريكى الأثير أصبح "كيف نخرج من العراق مع حفظ ماء الوجه " و هذا ما يردده المرشح الديموقراطى كيرى .

كان هدف أمريكا من غزو العراق ما يلى :

 

1.     ضرب العراق كقوة عسكرية مستقلة تهدد اسرائيل و المصالح الأمريكية فى المنطقة.

2.    تحويل العراق لنموذج أمريكى يكون منصة لإعادة تشكيل المنطقة من الداخل .

3.    التحول الى سوريا و لبنان و إيران عسكريا أو بالتهديد العسكرى .

4.     الاستيلاء على ثروات العراق و التحكم النهائى فى نفطه بعد نفط الخليج .

 

بعد عام من الغزو ماذا حققت أمريكا ؟ !

(1) نجح الغزو فى الإطاحة بالنظام العراقى و تفكيك الجيش النظامى العراقى ، و لكنه فتح الطريق رغم أنفه لإمكانية قيام نظام اسلامى سنى- شعبى كبديل وحيد محتمل و المسألة مجرد مسألة وقت ، و بالتالى فإن العراق على أبواب مرحلة أكثر استقلالية و أكثر عداء لأمريكا و الصهيونية فى ظل نظام أكثر شعبية  ، و اذا كانت اسرائيل أصبحت فى مأمن مؤقتا ، فان زعيمة الحلف (أمريكا) و معها مساعدات و خبراء من اسرائيل تتعرض لأكبر استنزاف ، و أكبر اهانة ، تتعرض الدولة العظمى الأولى فى العالم الآن لأكبر خطر و هو خطر تدمير الهيبة و هو الأمر الذى سيجر عليها ويلات استراتيجية فى المنطقة و العالم ، و هذا ما أشار إليه ايهود باراك رئيس وزراء اسرائيل السابق .

و قد شاءت ارادة الله أن يغوص جيش الولايات المتحدة فى مستنقع العراق ، فلا وسيلة أخرى لكشف ثغرات هذا الجيش ، و أنه نمر من ورق ، إلا من خلال حرب العصابات . 

و بالتالى فإن الجيش العراقى ما كان له أن يقوم بمهمة تاريخية أكبر من تلك التى يقوم بها الآن و قد تحول الى عمود فقرى للمقاومة دون أن نغمط المنظمات الاسلامية السنية و الشيعية دورها المتزايد فى القتال . ان العراق الآن يشهد فرصة تاريخية لا تعوض و هى القضاء على غطرسة الدولة العظمى الأمريكية ، و بالتالى فأى خيانة نرتكبها اذا لم نحشد كل قوانا لمساندة هذا العمل المقدس بالمنهج الذى أشرنا إليه آنفا ؟!

أكاذيب الأرقام الرسمية لخسائر أمريكا بدأت تنكشف فى الاعلام الأمريكى ففى تقرير للبنتاجون فى 30 نوفمبر الماضى اشارة الى اصابة نحو 14 ألف جندى أمريكى فى العراق .. و هو ما يعادل عدد الجنود الذين يخدمون فى سلاح المدرعات و هذا يعنى فقدان قرابة 10% من اجمالى العدد المخصص للقتال (135 ألف) أى ما يساوى فرقة قتال . و يؤكد مدير النقل العسكرى الأمريكى ان اجمالى عدد الجنود الذين تم ترحيلهم من العراق حوالى 21 ألفا  و 972 جنديا .

أما ويليام وينك ويندر نائب وزير الدفاع الأمريكى للشئون الصحية فقد أعلن أمام الكونجرس عن اخلاء أكثر من 18 ألف حالة طبية خلال السنة الأولى للحرب فى العراق . و يطلق البنتاجون وصف اصابة على أى شخص يفقد خلال العمليات العسكرية أو أعلنت وفاته رسميا أو أصيب بجروح أو مرض يمنعه من متابعة عمله العسكرى .

أما فى الشهر الحالى (أبريل ) فقد اقتربت اعترافات أمريكا من 100 قتيل ، و هذا ما يؤكد صحة التقرير الأمريكى السرى الذى يؤكد ان حقيقة الرقم هو 389 قتيلا و 280 مفقودا و 1200جريح أمريكى و لولا هذه الخسائر الفادحة ما طلبت القوات الأمريكية وقف اطلاق النار فى الفالوجة و النجف !! و ليس معنى ذلك أن الأمريكيين سيتركون الفالوجة أو النجف ، و لكنهم فى الذكرى الأولى للاحتلال ، فقد شعروا أنهم قد وصلوا الى أسوأ نقطة ممكنة . وصلوا الى حالة من شبه الفقدان الكلى للسيطرة على الموقف فى مجمل العراق .

كل البناء السياسى الهش الذى حاولوا بناءه (مجلس الحكم الانتقالى) عصفت به أزمة الفالوجة وانتفاضة جيش المهدى ، و  اضطر عملاء المجلس أن يتخذوا موقفا انتقاديا من أمريكا مع التلويح بالاستقالة و التجميد ، و انهار الحكم المحلى ، و انهارت الشرطة و الجيش العميل ، فقد رفض أبناء الجيش قتل أخوتهم العراقيين ، و انضم نصف الشرطة الى الانتفاضة و هذا يفسر استيلاء جيش المهدى على مراكز الشرطة و الحكم المحلى فى العديد من المدن دون استخدام حقيقى للقوة .

و حدث أهم تحول استراتيجى و هو التلاحم السنى الشيعى الذى بشرنا به و طالما قلنا انتظروا انتفاضة الشيعة و لا تتعجلوا.  و رمز لهذا التلاحم محور الفالوجة – الكوفة . تم الى حد بعيد وأد احتمالات الفتنة ، و تمترس الجميع خلف شعار مقاومة الاحتلال .

و يرى الأمريكيون أنهم أصبحوا مكشوفين فى الجنوب ذى الأغلبية الشعية بعد انسحاب الأسبان ثم الدومينيكان و السلفادور و من قبل سنغافورا و على الأبواب : قوات طاجيكستان و نيوزيلند و غيرها . بينما تختفى باقى القوات الحليفة فى معسكراتها لا تخرج منها . و لم يبق فى المواجهة حقيقة سوى الأمريكان و الانجليز ، لذا ستضطر أمريكا لارسال قواتها بكثافة أكثر للجنوب ..

و ما لا تذكره الفضائيات هو حالة الريف العراقى ، فالحديث يجرى عن المدن ، بينما الريف و الطرق الواصلة بين المدن أصبحت مناطق شبه محررة تصول فيها المقاومة و تجول . لذا كان الوقف المؤقت لمعركتى الفالوجه و الكوفة ضرورة عسكرية و سياسية ، ضرورة عسكرية لاعادة توزيع القوات (مع الانسحابات المتوالية) و انتظار المدد الجديد ، علما بأن أمريكا ترسل قوات جديدة سرا دون اعلان منذ فترة من قواعدها فى أوروبا و ترسل آليات و معدات بديلة لتلك التى تحترق كل يوم على الطرقات و فى المدن . و ضرورة سياسية للبحث عن وسائل شيطانية جديدة لدق أسفين بين الشيعة و السنة ، و بين الشيعة و الشيعة لعزل ظاهرة المقتدى الصدر .

و لا نقول أن أمريكا قد عادت الى نقطة الصفر ، أى لحظة دخول بغداد . بل هى فى وضع أسوأ ، فالقوى الاسلامية و الوطنية كلها معبأة ضد الاحتلال ، اتضحت عزلة العملاء الذين قدموا على متن الدبابات الأمريكية . المقاومة المسلحة أكثر قوة و تنظيما و تنسيقا .

باختصار فقدت أمريكا المبادرة السياسية و العسكرية .

و تسليم السلطة فى 30 يونيو أصبح ملهاة مكشوفة و مفضوحة . بإمكان أمريكا ان تسوى الفالوجة و الكوفة بالأرض و لكنها ستدشن بذلك انتفاضة أكبر بكثير من انتفاضة الأسبوع الأول من أبريل . و قصف الطائرات يحقق مذابح المدنيين و لا يقضى على المقاومة . و فى المقابل يزيد الكراهية و يحرث الأرض للمزيد من التلاحم الشعبى مع المقاومة .

 

(2) تخلت أمريكا صراحة عن حكاية تحويل العراق الى نموذج أمريكى ، بعد أن ظهر بصورة حتمية أن اجراء أى انتخابات نزيهة لن يحمل الى السلطة إلا القوى السنية و الشيعية الاسلامية و القوى القومية المناضلة ضد الاحتلال التىأعيد تشكيلها بالحس الجهادى . و يتحدث الأمريكيون الآن عن محاولة الحفاظ على أى قدر من التأثير على السلطة القادمة و لذلك لجأ الأمريكان للعميل الابراهيمى بديلا عن الانتخابات ، و انقلبت الآية أصبح السيستانى يطالب بالانتخابات و الأمريكان يرفضون !!

 

(3) اتهامات أمريكا لسوريا و ايران ليست بلا أساس فلا شك أن البلدين يفعلان سرا كل ما من شأنه أن يعطل الاستقرار الأمريكى فى العراق حتى لا يتحول الجيش الأمريكى إليهما ، و بالتالى لازلت أؤكد ان هذا العام لا يمكن أن يشهد مغامرة عسكرية كبيرة ضد ايران أو سوريا أو أي كان !! فالورطة فى العراق أكثر من كافية  و قد أصبح معروفا ما هى ثغرات الجيش الأمريكى على الأرض !!

 

(4) و بعد عام  لم تتمكن أمريكا من ادارة ثروة العراق النفطية و غير النفطية ، و هى حتى الآن تنفق على العراق أكثر مما تحصل منه و ذلك من زاوية الموازنة الأمريكية ، و ليس من جهة الشركات التابعة لبوش و تشينى و ان كانت هذه الشركات بدأت تعانى من متاعب جمة تهدد طموحاتها الاستثمارية بسبب اضطراب الأوضاع الأمنية .

اذن أمريكا لم تحقق شيئا من أهدافها فى العراق و يتجه موقفها من سئ الى أسوأ .. و فى أفغانستان نكتفى بتقرير ميدانى فى نفس المجلة الأمريكية foreign affairs فى عددها الأخير مايو/ يونيو 2004 ..

(بعد مرور عامين و نصف العام على سقوط طالبان ، فإن أفغانستان تتجه من جديد نحو المزيد من الفوضى الدموية . فعلى الرغم من أن حامد كرزاى قوى على الورق إلا أنه ضعيف فى الواقع . فتجارة المخدرات تنتعش و حركة طالبان تزحف عائدة من جديد و السلطة الحقيقية لا تزال فى يد الكثير من لوردات الحرب . ) !

المقاومة الفلسطينية هى التى تعانى من أصعب الظروف لأنها تعمل داخل صندوق حديدى مغلق ، و مع ذلك فرد حماس قادم بإذن الله و لا تقلقوا .

و بغض النظر عن العمليات الاستشهادية الكبرى فلا يمر يوم دون اصابة أو قتل عدد من الجنود أو المستوطنيين الصهاينة ، فالاستنزاف متواصل . و فى يوم واحد اعترفت اسرائيل باصابة قرابة تسعة يهود فى الضفة و غزة فى عمليات متفرقة .

و منذ اغتيال الرنتيسى تم قصف أهداف اسرائيلية ب 90 صاروخ قسام و ستة صواريخ بتار و سبعة قذائف هاون و ذلك خلال 3 أيام فقط .

إن المقاومة الفلسطينية تخطت حاجز خطر التصفية بتحول شعب بأسره الى الخيار الاستشهادى ، و لا يوجد حل لدى الصهاينة لمواجهة شعب استشهادى . المشكلة فى حكام العرب الذين يفكون الحصار عن شارون و يمدون له الأيادى . و مايزال مبارك رغم كل الصفعات الموجهة إليه ، يدعو شارون الى مائدة المفاوضات مع الفلسطينيين ، و يصف الفلسطينيين بالارهابيين و الانتحاريين ، و يردد أن اسرائيل هى التى أسست حماس !! (حديث مع لوموند ) .

ان المقاومة الفلسطينية هى أكثر المقاومات الثلاثة التى تحتاج لموقف حازم من الشعوب العربية المحيطة بفلسطين ، لكسر حاجز الحدود ، و فتح طريق استراتيجى بين فلسطين و أمتها العربية ، و أن تكون الدول المحيطة بفلسطين مظلة للعمليات الجهادية ، و تتخلى عن دور حماية اسرائيل .

و برنامجنا فى مصر واضح و لا يبقى سوى تصعيد الضغط الجماهيرى الذى لا يمكن تحقيقه بالتنسيق مع الأمن !! لأن الأمن لن يسمح بعمل جماهيرى متصاعد يؤدى الى تغيير السياسات ، فدور السياسة الأمنية أن تحمى سياسات الحكومة التى تضع العلاقات مع أمريكا و اسرائيل فى خانة الثوابت .

و برنامجنا هو قطع العلاقات مع اسرائيل ، وقف التطبيع ، و قطع العلاقات مع الولايات المتحدة ، و هى أمور تحتاج لأكثر من ندوة أو بيان أو مظاهرة صغيرة !!

 

http://www.alshaab-eg.com

 

http://www.el3amal.net