دراسة حول  حكم الشرع الحكيم

في وضع" المدنيين الأبرياء " أثناء القتال

 
 
 
بقلم : د. يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

إذا كان صحيحا وهو صحيح - ما قيل من أن الحدث أي حدث لا يكون له معنى بغير وضعه في سياقه العام  فإن الأكثر صحة عندنا أن هذا السياق إنما يتم انتقاؤه في ضوء مرجعية فكرية شاملة ، وهو لا يكون له معنى بالتالي ما لم يوصل بمرجعيته الشاملة التي تناسبه وفقا لفكر وعقيدة الباحث بالضرورة .

وإذا طبقنا هذه القواعد على أحداث قتل المدنيين في البلاد الإسلامية في الحروب المنصبة فوق رءوسهم حاليا ومنذ وقت طويل  لنستخلص حكم الشرع في النهاية فإننا نحاول ذلك بوضع هذا الحدث في سياقه العام وهو في رأينا يقع في مقدمتين : سياق الحرب الشاملة المعلنة من الغرب على الإسلام والمسلمين ، ثم في مقدمته الثانية وهو سياق توجه حروب الغرب الحديث عموما إلى إسقاط حرمة المدنيين بالكلية مهما تشدق بعد ذلك بمثله المزوقة ، والمخترقة بحكم فلسفته الأعلى في التطورية والبورجوازية

أما المرجعية  التي نربط بها هذا السياق فهي بطبيعة الحال : المرجعية الإسلامية الشاملة وهي مرجعية يحق لمن التزم بها من المقاتلين إسقاط الاعتبار عن كل ما يخالفها مما يساق إليهم من أصحاب القيم والمراكز والمنافع الخاصة

 وابتداء فإنه ليظهر حرص الإسلام على سلامة " المدنيين الأبرياء أثناء الحروب  من شروطه الأخلاقية والتشريعية التي وضعها للسلام والقتال

وليس السلام في الإسلام  حالة سلبية تتمثل في إلقاء السلاح ، ولكنه إسلاميا- صفة إيجابية تتمثل في إنجاز السلام بمعناه الإسلامي . فإذا وقع القتال فمن  شروطه تطبيق الشريعة والعدل ، والإحسان ،  ومن هنا جاءت جدلية النهي عن التدمير والتحريق والتغريق  ، وخطف أو أسر أفراد من العدو في حال الجهاد ، وقتل الأسير ، وقتل الأطفال والنساء والشيوخ ، والتمثيل بالجثث ، وقطع الأشجار .

ولكي نبدأ  النظر في الموضوع  نرى حتمية النظر أولا في  السياق الذي يتمثل في مقدمتين ضروريتين :

المقدمة الأولى : تتمثل في أن المسلمين يجدون أنفسهم حاليا  بإزاء حرب شاملة على مستوى خريطة العالم

وتتمثل المقدمة الثانية  في أن تقنيات هذه الحرب جديدة تماما تدور في ظل حضارة جديدة لها ثقافتها الجديدة أيضا  وقيمها الجديدة كذلك  . لقد تطور الأمر إلى أن صار قتل المدنيين في الحروب  من مفاخر الحضارة الغربية المعاصرة !!

 

وعند الاقتراب من النتيجة سنجد بين يدينا  خلافا واسعا وقع بين الفقهاء في المسألة يدل على سعة الأفق الذي يتحركون فيه بما له من دلالة على صلاحيته لكل زمان ومكان  .. ، ثم تتقرر النتيجة بحكم أصولهم وقواعدهم نفسها ، وهي الأصول والقواعد المستمدة أصلا من الكتاب المنزل والسنة المطهرة .

وسوف نضعها في إطار مختصر في نهاية البحث

 

أما عن المقدمة الأولى : فالمسلمون  يجدون أنفسهم حاليا  بإزاء حرب شاملة أعلنها الغرب ضدهم على مستوى خريطة العالم - تتخللها هدنة هنا أوهدنة هناك  - قامت  بالفعل منذ بداية الاستعمار الحديث  أعلنها الغرب من جهته عليهم في جميع الجبهات ، واشتدت وتيرتها في العقدين الأخيرين ، وهي حرب معلنة أو خفية - مستمرة ولن تزال حتى تحقق أهدافها من وجهة نظر الذين أعلنوها ، أو تفشل كما يتمنى الذين وقعت ولا تزال تقع عليهم .

ويرجع اصل ذلك إلى العداء التاريخي الذي يكنه الغرب للإسلام والمسلمين ونحن لن نغوص هنا في التاريخ ولكن نكتفي بلفتة وراءنا لسنوات قليلة نشير فيها إلى بعض ما ذكرناه سابقا بتوسع :

 

(1) تظهر صورة هذا العداء  في مبادرة من طرف الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ( الناتو ) ويلي كلايس ، عند ما اعتبر ( أن الأصولية الإسلامية باتت العدو رقم واحد للحلف ، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي ونهاية الحرب الباردة ولذلك يتوجب محاربتها ) وقد كشف كلايس عن مبادرته في حديثين صحافيين قبل أن يطرحها في صورة رسمية أمام مجلس سفراء الحلف في اجتماعه الأخير ، وانتقلت مبادرة كلايس إلى قرار سياسي أصدره الحلف بفتح حوار حول الموضوع مع دول مثل مصر وإسرائيل ) مجلة الشروق الصادرة في إمارة الشارقة عدد 152 \6  بتاريخ 12\ 3 \1995

 

وفي التحقيق الذي كتبه الأستاذ بشير في العدد المشار إليه جاء في حديث للسيد ماريانو آغوري أحد أبرز الخبراء الأوربيين ومدير مركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية الأسباني قوله : ( نرى أن الفضاء الإسلامي هو المكان الذي تنطلق منه المخاطر والتهديدات والكوارث في أواخر هذا القرن . إن حالة الارتياب من الإسلام ليست جديدة ، وهي ناتجة اليوم عن عداء خفي يشير إلى أن الإسلام هو الخطر الأكبر الذي يهدد الغرب بصفة غير مباشرة … وأخيرا والآن بعد ما اختفى الاتحاد السوفيتي يتساءل الاستراتيجيون والمختصون في الشئون الجيوسياسية عن المخاطر التي يمكن أن تنتج عن إسلام يمتلك القنبلة الذرية حيال أوربا خلال القرن الحادي والعشرين ، من هنا جاءت  موجة الإعداد لمواجهة هذا العدو الجديد )

 

وفي تقرير أصدرته " الأكاديمية الملكية للشئون الدولية " في لندن ، جاء ما يلي (  " بالنسبة إلى الأوربيين كان الإسلام مسألة تشغل بالهم دائما ، غير أن هذه المشكلة ليست ظاهرة بعيدة ، والآن أصبحت جزءا من الواقع الثقافي في الأحياء الأكثر فقرا في بعض المدن الأوربية ، إن العدو القديم تسلل من الباب الخلفي حاملا لافتات  غرائبية وغير منطقية تكونت عبر العصور : " جهاد ضد الكافرين ، وتقبل سلبي للمصير ،  وللعقيدة المتزمتة " )

 

وهنا يشير بعضهم إلى ( أن التهديدات النووية يمكنها أن تكون صادرة من بلدان العالم الثالث حيث رؤساء الدول لا يتمتعون بقدر كاف من العقلانية ، وليسوا واعين للعواقب التي ستترتب على عدم الانصياع للمنطق المفروض من قبل الولايات المتحدة وروسيا خلال الحرب الباردة )

وهنا تبدو عنصرية هذا الطرح الذي ينطلق من عقيدة الغرب  في تفوق الرجل الأبيض عنصريا ،  كما يبدو منطقه متهافتا إذ يعني أن الجنون حالة إسلامية تعني تجريد المسلمين من القدرة على الدفاع عن أنفسهم ضد " الحالة الصهيوينة " المسلحة نوويا . 

 

وبما أننا نحن المسلمين نواجه في الواقع عدوا عاقلا جدا ، فإنه لابد من وجود تفسير أكثر عمقا وشمولا وعقلانية من مجرد الإشارة إلى أسلحة الدمار الشامل : إنها فكرة الصراع في الغرب ، نجدها جزءا من بنيتهم الثقافية قديما وحديثا ، فهناك " صراع الآلهة " فوق جبال الأولمب ، كما نجده في أساطير الإلياذة والأوذيسة وما جره هذا الصراع من صراع بين أسبرطة وأثينا ، ثم هناك صراع الدولة الرومانية مع الدولة الفارسية ، وصراعها مع الإسلام ، وصراع المسيحية مع الإسلام ، وزحف هذا الصراع إلى أمريكا في عملية إبادة الهنود الحمر ، وزحف الاستعمار الحديث على الشرق ، وصراع الغرب لإبادة المسلمين في حروب القرم والقوقاز ، والبلقان ، وتحتل فكرة الصراع موضع العقيدة في التكوين الثقافي للإنسان الغربي المعاصر ، فهو - أي هذا الإنسان - قد يشك في عقيدته المسيحية ، وقد يشك في عقيدته الرأسمالية ، أو غيرها ولكن تبقى لديه فكرة الصراع راسخة لا تمس ، بدءا بالصراع البيولوجي الذي أسسه دارون ، ومرورا بالصراع الاجتماعي عند هربرت سبنسر ، وانتهاء بصراع القوميات عند نيتشة ، وهو - أي هذا الإنسان -  في ذلك كله ينظر إلى الصراع لا باعتباره شرا  لابد منه ، ولكن باعتباره آلية التقدم في الطبيعة والإنسانية والحضارة .

 

إنه الصراع الذي لا يكتفي بمقتضى ثقافتهم بغير إبادة الآخر ، مهما ارتفعت لديهم شعارات الديموقراطية وحقوق الإنسان والحوار والاعتراف بالآخر ، فهي شعارات سطحية " مضروبة " لا يشتريها أحد  ، يسمح بها طالما كانت الأمور " تحت السيطرة " لحساب التفوق العنصري الأبيض ، أما إذا اهتز هذا التفوق أو تحركت ضده نذر الخطر من بعيد على مرمى قارات ومرمى قرون فإن الإبادة للآخر تنكشف لتكون هي الأساس

 إبادة الآخر في الأندلس ، إبادة الآخر في القارة الأمريكية الجديدة ( الهنود الحمر ) ، إبادة الآخر المسلم في أوربا الشرقية والبلقان وآسيا الصغرى والقوقاز  ، إبادة الآخر في الشرق الأوسط ، في الجزائر وفلسطين والعراق وإيران ، إبادة الآخر في تصنيفهم للعالم أخيرا إلى محورين : أحدهما للخير ، والآخر للشر . تلك هي مشكلتهم المستعصية التي يعالجونها بلا هوادة  منذ ظهور الإسلام إلى اليوم ، وليس من بعد  أحداث حالية .

 

وهاهو وزير السياحة الإسرائيلي المدعو بني آلون يصرح لصحيفة هأرتس في مطلع شهر ( مايو 2003 م ) قائلا : " من الواضح أن الإسلام في طريقه إلى الزوال ، فما نشاهده اليوم في العالم الإسلامي ليس انتفاضة إيمان قوية ، بل انطفاء جذوة الإسلام ، أما كيف سيزول فبكل بساطة بقيام حرب مسيحية صليبية ضد الإسلام في غضون بضع سنوات ، ستكون الحدث الأهم في هذه الألفية ، وطبعا سنواجه مشكلة كبرى حين لا يبقى في الساحة سوى الديانتين الكبيرتين : اليهودية !! والمسيحية ، غير أن ذلك ما زال متروكا للمستقبل البعيد " . أما المشكلة الكبرى التي يتحسس لها الوزير بعد القضاء على المسلمين فهي المواجهة التي يتوقعونها بين المسيحية واليهودية آنذاك .

 

أليس من الضروري إذن أن نحذر المسلمين اليوم من التناوم والغفلة عن ثأر أوربا ضد الإسلام الذي يتركز في منطقة الشرق الأوسط  بالذات ، ولن يكتفي هذا الثأر حتى يقتات على لحومهم ودمائهم وعظامهم بغير استثناء ، ويتطاول إلى قدسين : تم له الإطباق على أحدهما وهو بيت المقدس ، ويخطو حاليا بخطوات ثابتة نحو الآخر .   

 

(2) وبقدر ما أنه من المناقصة على الإسلام في باب الدعوة للقتال - أن يعرض الحمائم فيه " حوار السلام والرحمة والتسامح " في نفس الوقت الذي وصلت قعقعة السلاح ضده إلى عنان السماء ، كذلك فإنه من المزايدة الفارغة على الإسلام  - في باب الدعوة للسلام – أن ينكر أعداؤه عليه فريضة الجهاد ، لأنهم إذ ينكرونها فإنما يدعون إلى حالة من الفوضى والضعف يصبح السلام معها أمرا مستحيلا

 

 إذ من المؤكد تاريخيا أن الضعف يمثل الإغراء الأقوى بالاعتداء وتدمير السلام ، ومن المؤكد استراتيجيا كما هو معروف أن نفوذ الأقوياء ليس حصيلة قوتهم فحسب ولكنه معادلة من طرفين : قوتهم الذاتية + ضعف  العدو وحرص رجاله على الحياة

 وهم إذ ينكرون الجهاد على الإسلام لا ينكرون عليه فريضة دينية فحسب ، ولكنهم يرتكبون نفاقا مكشوفا : حيث يحرصون على أن يغرق الكيان الصهيوني فلسطين بالدماء والدمار بأحدث الأسلحة الأمريكية ، تاركا للدول العربية أن تحصي الشهداء ، الذين يسقطون والمنازل التي تدمر والأراضي التي تجرف أو تصادر

وحيث  يحرصون على أن تمتلئ ترساناتهم الحربية بما يكفي لتدمير الحياة الإنسانية على الأرض مرات ومرات بينما هم يعملون على تجريد المسلمين  من كل سلاح بدعوى السلام ، في الوقت نفسه   .

ويأتي التحريض الصريح إلى حد الوقاحة - ضد الإسلام في مقال الصحفي " المعجباني " الشهير توماس فريدمان وهو يلوك علكته عن  أسباب الحرب على الإرهاب !! فيؤكد  في افتتاحية النيويورك تايمز والذي قدمته جريدة الأسبوع بتاريخ  9 \ 6\ 2003 بقوله : ( إن  السبب الحقيقي لهذه الحرب يقصد على العراق -  وغير المعلن هو أحداث 11 سبتمبر ، فأمريكا كانت بحاجة لضرب هدف أي هدف في العالم العربي والإسلامي.. ضرب أفغانستان لم يكن كافيا لأن فقاعة الإرهاب تعدت حدود أفغانستان وأصبحت تشكل خطرا حقيقيا علي المجتمعات الغربية المفتوحة وكان لابد من ثقب وخرق هذه الفقاعة.  لقد تساهلنا كثيرا وسمحنا أن يمارس المسلمون مثل هذه الأنشطة. كانت الطريقة الوحيدة أمام الجنود الأمريكيين رجالا ونساء هي ضرب 'قلب' العالم العربي والإسلامي !! وقتال المسلمين والعرب من منزل إلي منزل ، .. ما حدث في العراق درس لسوريا والسعودية ، لقد ضربنا صدام لسبب واحد بسيط - والكلام ما زال لفريدمان - هو أننا قادرون علي ذلك ، ولأنه يستحق ذلك ، ولأنه يقع في قلب العالم العربي والإسلامي ، لا تصدقوا أن ضرب العراق لم يحدث التأثير المطلوب. كل جيران العراق والدول 'الإرهابية' تخشي ما حدث ، ووصلتها الرسالة بوضوح تام.. إذا تحدثت مع أي مسئول أمريكي عن أسباب حرب العراق فسيقول لك إن هذا هو السبب وليس شيئا آخر.)

وليقرأ المخادعون الذين يختبئون وراء الزعم بتفرقة الغرب في تحريضه على الإسلام بين مصطلح الإرهاب والتطرف ، والإسلام أو الإسلاموية

 

ولم يستثن هذا العدوان الغربي المعاصر على الإسلام لم يستثن  العمل الخيري الإسلامي والإغاثي - سواء علي المستوي الفردي أو الجمعي وكان أكثر الجوانب التي تأثرت بتداعيات 11 سبتمبر، ويفسر الباحث عمرو عبد الكريم في دراسته «العمل الخيري والإسلامي: استحكام سياسة تجفيف المنابع» التي جاءت  ضمن العدد الجديد من حولية «أمتي في العالم» الذي يرصد عام 2001 و2002 ويصدره مركز دراسات الحضارة ، وتديره الدكتورة نادية مصطفي - أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة

يفسر الباحث أسباب الاستهداف الأمريكي لهذا الجانب المهم من العمل الإسلامي في أن العمل الخيري يثبت وحدة الأمة الإسلامية وأنها قائمة بالفعل، وكذا الدور المهم لتلك الجمعيات في مواجهة حملات التنصير التي تدخل إلي المسلمين من أبواب الفقر والجوع، ومن ثم فإن الحرب علي العمل الخيري الإسلامي تستهدف بالأساس ربطه بالإرهاب وصد المتبرعين عن التعاون معها ، وتحسر المنفقين علي أموالهم التي تم تجميدها ، وإفساح المجال تلقائيًا للمجال التنصيري ، بحيث يتم بث رسالة غير مباشرة للمحتاجين والمتضررين ، مفادها أنه «ليس أمامهم إلا المنظمات التنصيرية ، في حين أن العمل التطوعي الإسلامي يعود عليهم بويلات أكبر مما هم فيه من ضرر حالي » .

ويرصد الباحث مرحلتين للحرب الأمريكية ضد العمل الخيري الإسلامي، تمثلت الأولي في التسمية العلنية للأشخاص والمؤسسات وتجميد الأموال في البنوك ، والثانية في التركيز علي شبكات تحويل الأموال في الجميعات الخيرية. بل وفرضت الولايات المتحدة علي الدول العربية والإسلامية الاستجابة لحملتها وحربها علي العمل الخيري الإسلامي ، سواء بتجميد أرصدة تلك الجمعيات ، أو بإعادة تنظيم ومراقبة العمل الخيري الإسلامي .

إنها حرب صليبية بكل معنى الكلمة أعلنها بوش حين أشار إلى حربه ضد الارهاب بأنها "حملة صليبية" واعتذر له بعضهم ، ثم عادت لتظهر من جديد في خطاب لجمع التمويل لحملته الانتخابية الثانية حين امتدح مارك راسيكوت  -- رئيس الحملة الانتخابية لبوش ونائبه ديك تشيني في الثالث من مارس اذار 2004    --  الرئيس الجمهوري "لقيادته حملة صليبية عالمية ضد الارهاب " .  الشعب الألكترونية 23\4\2004

 

هذه هي المقدمة الأولى التي يتضح منها أن المعركة إنما هي مع الإسلام بكل أشكاله وألوانه ومع أهله جميعا  معتدلين ومتطرفين ، والغرب على يقين (!!)  بأن المتطرفين إنما يخرجون من عباءة المعتدلين ، ومن ثم فإن المعتدلين في نظرهم - هم الأكثر خطرا ، واسألوا رجال المخابرات الحاذقين ، إنها إذن المعركة المعلنة من جانب الغرب على الإسلام على مستوى خريطة العالم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا .

 

وأما المقدمة الثانية اللازمة  للنظر في حكم سلامة المدنيين الأبرياء أثناء القتال فأعني بها  التطور الجذري الشامل الذي طرأ على وسائل القتال وأدواته ، وبخاصة إذا لاحظنا أننا نتكلم عبر تطور قيمي وحضاري وتكنولوجي امتد لعشرات القرون ، انتقلت فيه الإنسانية من حضارة إلى حضارة أخرى ، واصطحبت معها تغيرا في الثقافة المساندة  ، ومن المسلم به أن الحضارة إذ تتطور بسرعة أكبر من ثقافتها بفعل القفزات التكنولوجية المفاجئة - يصبح من الخطأ إصدار بعض الأحكام القيمية لها أو عليها من خلال الثقافة التي تم انفصال الحضارة عنها:

ومن ثم فنحن نرى أن الفقه الاجتهادي في الإسلام يواجه اليوم بتحد بارز في هذه القضية ، نظرا لاستحالة تحقيق الشروط الأخلاقية الإسلامية  في الحرب " القذرة " الحديثة في سياق الحضارة المعاصرة ، وهي حرب لم تعد أسلحتها تعتمد على الطابع الأخلاقي أصلا ، كالشجاعة والشرف والمواجهة والمروءة والرجولة والمهارات الجسدية  والإنفاق الشخصي ، تلك الأسلحة التي كانت تتطابق مع تقنية ميدان المعركة نفسها ومنها تقسيم الجيش إلى صفوف تتواجه خارج التجمعات السكانية

 وإنما هي مجرد عمليات تدمير من بعيد في الغالب وبالدرجة الأساسية وفقا لوصف الأستاذ محمد حسنين هيكل في جريدة السفير في 1/7/2003 حين قال عن الحروب الأمريكية الحديثة: إن الحروب أصبحت ومضات واشارات علي الشاشات ، تضيء وتبرق دون أن تظهر للعيان مأساة الحياة والموت. وبذلك فان الطابع البشري للحرب شحب وغاب لان قيادات الجيوش راحت تمارس القتل من بعد مئات الاميال وآلافها .

 

وهي حرب تعتمد اليوم على المستوى الأعلى  من التقدم العلمي التكنولوجي ، في الاقتصاد والاتصالات والتنظيم والإدارة والخبرة والتجسس ،  والهندسة ، والجندي المدرب على الآلة ، المعبأ نفسيا ضد عدو لا يعرفه ، والذي يضرب مالا يراه ولا يحس به ، كما تعتمد على الصواريخ  التي يساوي واحد منها دخل مدينة ، و الطائرات التي تساوي واحدة  منها دخل إمارة ، والقنابل التي تساوي واحدة منها دخل دولة ، وميزانيات الدولة للحروب التي تبلغ – في الولايات المتحدة – هذا العام 2004 أكثر من أربعمائة مليار دولار ، تم دعمها بمثلها

 كما تعتمد أساسا على أسلحة الدمار الشامل ، ونسف كل المحظورات والحرمات  بتدمير المساجد والمنازل والمستشفيات والمدارس بدعوى اختباء المطاردين بها ، وتدمير المدن ومراكز الطاقة والمصانع والجسور وخطوط الاتصال والمواصلات والإنتاج والتوزيع والبورصة والنقد ، وتجميد الأموال لعشرات السنين ،  أو سرقتها على الأصح ومصادرة أموال الجمعيات الخيرية ،وعقد الاتفاقيات من أجل خرقها عند أول منعطف ،  وبث الذعر في صفوف الجماهير إلى حد يمكن فيه تحويلهم  إلى أداة تعمل في صالح العدو نفسه ، ، وهي أوضاع تختلف جذريا عما كانت عليه قبل التقدم العلمي الحديث ، بحيث أصبح التقيد المطلق بأخلاقيات الحرب القديمة يعنى التحالف مع الهزيمة ابتداء

 

لقد تطورت الحرب الحديثة تحت لواء التقدم العلمي التكنولوجي الهائل الذي أحرزته الدول الكبرى ومن يليها إلى حرب ليست لا تبالي فقط بضرب الأبرياء من المدنيين بل هي تجعلهم هدفها الأول والرئيس ، تحت ستار ما أصبح يسمى - من باب التزييف أو النفاق والمصطلحات المزورة التي أصبحت بحد ذاتها سلاحا من أسلحة المعركة - - : تدمير البنية التحتية للعدو في المواصلات والمياه والكهرباء والإعلام ووسائل المعيشة ،  والروح المعنوية للشعب

 

 فهو يضرب المساجد فإذا قيل باندهاش ساذج واستنكار أبله : كيف ؟ قالوا : لأنها تختبئ فيها عناصر المقاومة ، ويضرب المدارس فإذا قيل : كيف ؟ قالوا  تختبئ فيها عناصر المقاومة ، ويضرب المستشفيات فإذا قيل : كيف ؟ قالوا  تختبئ فيها عناصر المقاومة ، ويضرب سيارات الإسعاف فإذا قيل : كيف ؟ قالوا  تختبئ فيها عناصر المقاومة ،، ويضرب المساكن فإذا قيل : كيف ؟ قالوا  تختبئ فيها عناصر المقاومة ،ويضرب مراكز الإعلام  فإذا قيل : كيف ؟ قالوا  تختبئ فيها عناصر المقاومة ،الأمر الذي جعل من وزراء دفاعهم ، وقادة جيوشهم  طبعة عصرية من كبار السوفسطائيين ، و لم يترك عمليا أي معنى لمصطلح الحرمات والمحرمات والمحظورات والممنوعات في أي قانون أو اتفاق ، ولتذهب شرب اتفاقية جنيف وحقوق الإنسان لتشرب من نهر المسيسبي أوالأمازون الذي شرب منه الهنود الحمر حتى الموت من قبل .

وكما يقول الأستاذ محمود شنب بجريدة الشعب في 23\4\2004 : ( أصبحت الدولة تقوم بما تقوم به العصابات .. يسطون على البنوك الفلسطينية ويأخذون ما بها من أموال .. يدخلون المستشفيات ويقتلون المرضى .. حتى مستشفيات الأمراض العقلية والنفسية دخلوها وروعوا المرضى والعاملين .. يمنعون الصلاة في المسجد الأقصى لأقل من 45 ... لم يتركوا شيئـًا إلا فعلوه .. استخدموا الأسلحة الحربية ضد أطفال يحملون الحجارة .. لم يكتفوا بالحصار والهدم والتنكيل والقتل ، وإنما يخطفون الفتيات ويفعلون بهم الفحشاء أمام أهلهن وفى وسط الطريق .. يقتلون الأب والأم أمام الأبناء )

 

وقد بدأ هذا التطور منذ الحرب العالمية الأولى واستشرى بعد ذلك وما يزال يستشري ، وهي نتيجة حتمية لتطور وسائل القتال الحديثة ، ولقد ذهب  ربما إلى غير رجعة - أسلوب القتال في العصور الحجرية القديمة والعصور الوسطى " المتخلفة " {!! } الذي كان يعتمد على المواجهة بين صفوف القتال في أرض المعركة ، فإذا انهزم الجيش انتهت الحرب ، أما في التطور الحديث فقد انقلب الترتيب وأصبحت المعركة تبدأ أو تتطور إلى ضرب المدنيين أصلا فإذا تحطمت المدينة انتهت الحرب .

وهذه شهادة " شاهد من أهلها " في  مقال عنوانه ( ثلاثة وتسعون عاماً من قصف العرب بقنابل غربية ) بقلم الكاتب الأسترالي:غافن غاتينبي يقول فيه :

( في العراق لا تمر أيام قليلة من دون ان تقصف قوات الجو الاميركي مواقع مدنية. ومن أفظع الحوادث تلك التي وقعت في أيار (مايو) الماضي، حين اطلقت مجموعة "صبية مجنحين" سعداء بأسلحتهم النيران على عرس، مما أدى إلى مقتل 45 شخصاً بينهم أطفال ومطرب محبوب جداً. إلا أن هذه الحوادث تقع في شكل يومي في مدن أخرى كالنجف وسامراء والفلوجة، ومناطق أبعد من أن يطاولها الإعلام. والتفسير ( اذا اعطي، لأنه نادر ) هو دائماً إنها ضربات محددة ضد إرهابيين، وهي الكلمة الجديدة التي تطلق على المقاومين . لكن الجرحى الذين نقلوا إلى المستشفيات والجثث التي رقدت في مشارح المدينة تعود بغالبيتها الى نساء وأطفال.

ولم تجد التفسيرات الأميركية صدى مقبولاً في الشارع العربي الذي اعتبرها إضافة جديدة إلى معاداة الغرب للعرب، وهي نظرة صحيحة في العمق.

قد يرفض الغربيون هذه المقولة، إلا أنهم قبل أن يقدموا على ذلك يجدر بهم مراجعة معلوماتهم العامة:

فلنطلب منهم تسمية المدينة الأولى في العالم التي تعرض المدنيون فيها لقصف جوّي عشوائي. لا شك في أنهم سيسمون غيرنيكا، المدينة الباسكية التي أحالها الفيلق الألماني رماداً إبّان الحرب الأهلية الأسبانية. وإذا أسعفتهم ذاكرتهم التاريخية، قد يضيفون أن الحادثة وقعت في العام 1937، مستشهدين بلوحة بيكاسو الشهيرة التي تصور المأساة.

إلا أن هذه الإجابة خاطئة، وهي تعكس النظرة الأوروبية للتاريخ المتمحورة حول الذات ، والتي كانت وراء إنتاج طبقة سياسية تستخف بالمشاعر القومية لدى الآخرين وغياب الثقة المتبادلة مع الغرب، وهو ما أدى إلى انزلاق التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة إلى المستنقع العراقي.

في الواقع الإجابة خاطئة منذ أكثر من ربع قرن. فالقصة بدأت مع الإيطاليين الذين رفضوا التخلي عن الإمبراطورية الأفريقية.

وفي العام 1911، عارضت القبائل الليبية العربية الاجتياح الإيطالي، وكان مدنيوها أول من قصف جوّاً عندما أمطر سلاح الجو الإيطالي طاغورة وعين زارا بالقنابل.

 تلاهم الفرنسيون العام 1912، بإرسالهم 6 طائرات في "مهمة بوليسية" الى المغرب

وسرعان ما اكتشف الطيارون أن هذا النوع من التقنيات ليس محدداً وإنما هو مجرد قصف عشوائي ضد أهداف مدنية ومدن وأسواق وأهراءات.

 وفي العام 1913، بدأ الأسبان يقصفون المتمردين المغربيين بقنابل شظايا. وفي السنوات اللاحقة تدرجوا الى الغاز السام.

أما البريطانيون الساعون الى قمع الحركات القومية في امبراطوريتهم الشاسعة، فلم يتأخروا في اللحاق بأقرانهم. ومنذ العام 1915 بدأت القوات الجوية الملكية تقصف قرى إقليم باثان على الحدود الشمالية الغربية للهند. وفي أيار 1919 هاجموا مدناً في أفغانستان، وأسقطوا ستة أطنان من القنابل على جلال أباد ونفذوا عملية في دكا استمرت من الفجر الى الغسق ، وأوقعت 600 قتيل. وقدمت الحكومة البريطانية قنابل الغاز السام إلى حاكمها في الهند، الا انه لحسن الحظ، رفض هذا العرض.

وفي مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، حين بدت السياسات التقشفية كأنها الضربة القاضية للقوات الملكية البريطانية، اقترح "الصبية المجنحون" إجراء اختبار في أنهم إذا تمكنوا من قصف زعيم قبيلة صومالي يلقب بـ"الملا المجنون" وإخضاعه بنصف العتاد الذي كان يستخدم في توغل بري، سينجون بأنفسهم. ونجحت الخطة إلى درجة أن وينستون تشرشل طلب والسعادة تغمره من القوات الجوية شن حملة على العراق المتمرد، الذي كانت بريطانيا انتدبت عليه بتوكيل من عصبة الأمم وفي عهد آرثر هاريس "المحارب" أخذت القوات الجوية الملكية تنفذ عمليات "القصف البوليسي" ضد عراقيين عرب وأكراد بحماسة ومنهجية.

وفي العام 1922 لجأ البريطانيون الى القنابل الفوسفورية والسريعة الانفجار، وهي أشكال بدائية من النابالم، والالغام المضادة للافراد، والقنابل العنقودية التي تقتل وتشوه، والمحرقة لإضرام النار في الاهراءات. حتى إنهم استعملوا الألغام التي تحمل راصداً للظلمة لمنع المزارعين من الحصاد ليلاً. ولكن، عندما وقعت ضحيتها مجموعة من النساء والأطفال كانوا قد اختبأوا في بحيرة أثار ذلك اعتراض تشرشل المولع بالحرب.

وفي مناسبات أخرى استخدم القصف الجوي لمعاقبة فلاحين معدمين على تغيبهم عن جلسة تبرير عدم دفعهم الضرائب. وفي العام 1924 في مشروع قانون رفع إلى البرلمان (مع ملحق بصور لما كان يسمى قرية كوشان الاجازة) برهن هاريس أن القوات الجوية الملكية قادرة على محو قرية عراقية بكاملها وثلث سكانها في 45 دقيقة.

وكان العام 1925 عاماً مميزاً، إذ قصفت فرنسا قرى سورية وأجزاء من دمشق . ولعل أسوأ ما حصل قبل حادثة غيرنيكا هو حادثة شيشاون، البلدة المقدسة في المغرب الأسباني، حين قامت طائرات أميركية "مرتزقة" لسلاح الجو الفرنسي بقصف المدينة انتقاماً لهزيمة نكراء لحقت بالأسبان وأجبرتهم على الانسحاب. ووصفت صحيفة "لندن تايمز" في ذلك الوقت الحدث بأنه "الأشنع والأكثر وحشية وعشوائية في الحرب كلها"، وكتبت في خبرها أن الضحايا " نساء وأطفال عزل ذبحوا فيما تم تشويه آخرين ببتر اعضائهم وإعمائهم".

ولقد استمر الوضع حتى جاءت الحرب العالمية الثانية، ثم حرب الثمان سنوات بين فرنسا والجزائر، واحتلال إسرائيل الأراضي الفلسطينية، وقصف العراق بعد فرض عقوبات..) المصدر جريدة الشعب الألكترونية بتاريخ 3\9\2004 نقلا عن جريدة الحياة

 

ونحن ما نزال نذكر عدد القتلى في الحرب العالمية الثانية الذي بلغ أربعين مليونا فهل كان هؤلاء من العسكريين ،؟  كما يزال كثير منا  يذكر المعارك المؤثرة في مجريات الحرب العالمية الثانية بتدمير المدن الرئيسية الكبرى مثل لندن وبرلين وغيرها ، وما نزال نذكر كيف أن الضربة الحاسمة في انتصار الغرب الديموقراطي في الحرب العالمية الثانية كانت بتدمير مدينتين كبيرتين في اليابان هما هيروشيما ونجازاكي ، واليوم يضرب العدو المسلم مدنيا في كل مكان عله يركع أو ( يتبع ملتهم ) في الشيشان والبوسنة والهرسك وكوسوفو ، وأفغانستان وجينين فلسطين وفلوجة العراق إلخ

 

إننا نظلم الإسلام إذا وقفنا هنا لنتحدث عن المثل العليا ، دون أن نلتفت إلى  ما يمارسه أعداؤه  – في واقع الساحة الدولية بعامة – من نكسة حضارية بتدمير المدن ، وقتل مئات الآلاف من غير المحاربين في طلقة نووية واحدة ، تقتلهم عند الإطلاق ،  كما تقتلهم بعد الإطلاق بعشرات السنين ، وضربهم باليورانيوم : في مخادعهم التي عليها ينامون ، وقتلهم بهوائهم الذي يتنفسون ، وتسميمهم بمائهم الذي يشربون ، ونشر الإشعاع القاتل في بيئتهم حتى خارج حدود إقليم الحرب ، وكما يجب أن نلتفت إلى ما يجري من جيش إسرائيل المسلح بأحدث الأسلحة الأمريكية ضد أطفال الانتفاضة الفلسطينيين وشبانهم الذين لا يملكون من الأسلحة غير الاستشهاد ، وما يقوم به  العدو الأمريكي من حصار تجويعي ، واغتيالات للأفراد ، وتصفية دماء الجرحى  ، والحيلولة بينهم وبين العلاج حتى الموت ، ، وقتل متعمد للأطفال ، والنساء والشيوخ في مخادعهم ، والمرضى في أسرتهم ، ، وتجريف المزارع  ، وتدمير البيوت والطرق ، وتخريب مصادر الماء والطاقة والإنتاج ..

 

وفي الأهرام بتاريخ 14\6\2004 أنه : ( ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أمس أن الطيران الأمريكي شن خمسين غارة فاشلة علي الأقل في الشهرين الأولين لاندلاع الحرب في العراق العام الماضي‏،‏ تستهدف مسئولين سابقين في نظام الرئيس المخلوع صدام حسين‏،‏ ولكنها تسببت ـ ربما بسبب معلومات مخابراتية خاطئة ـ في سقوط عدد ضخم من المدنيين العراقيين ما بين قتيل وجريح‏.‏

وفي آخر المعلومات حول فضيحة التعذيب‏،‏ ذكرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية أمس أن وسائل تعذيب الأسري العراقيين في سجن أبوغريب يطبقها الجيش الأمريكي منذ حرب فيتنام‏،‏ حيث وردت في دليل إرشادي أو كتالوج أعدته وكالة المخابرات المركزية سي‏.‏آي‏.‏إيه في عام‏1963.‏ وقالت الصحيفة‏:‏ إن الكتالوج تم تطبيقه بالفعل في أفغانستان‏،‏ وسجن جوانتانامو في كوبا‏،‏ وأخيرا في العراق‏،‏ والوسائل الواردة فيه هي نفسها التي طبقت في سجن أبوغريب‏.‏)

ولنقرأ ما كتبه الأستاذ خالد محمود في جريدة الأسبوع بتاريخ 16\2\2004 تحت عنوان "فرقة مقاتلة المدنيين!" : (  ما نشرته 'جينز دفنس ويكلي' في عددها الأخير من أن البنتاجون أفرد في خطته منذ ثلاثة أعوام في الحرب علي العراق بابا أساسيا ­ بقوات وتشكيلات واستعدادات ­ لقتال المدنيين في الأزقة والفناءات وغرف النوم.. قالت الدورية العسكرية المتخصصة : إن مؤسسة العسكرية الأمريكية رتبت بعد تجربة الصومال وتحت إشراف مركز 'أدبو' وبالتعاون مع مؤسسة 'داند' مؤتمرا بهذا الخصوص انتهي عمليا ببناء قرية 'شوفارت جوردن' للتدريب علي العمليات العسكرية في الأراضي المدنية، ثم قرية 'زوسمان' في فورت نوكس في كنتاكي وفي أماكن أخري ­ في بريطانيا وعدد من دول الناتو.

ويكشف التقرير عن ثلاث شركات متعددة الجنسيات دخلت حلبة الملعب مع البنتاجون لتطوير تقنيات غير مسبوقة لمحاربة المدنيين تعتمد علي آخر صيحة في العلوم الاتصالية والديجيتال هي شركة 'فاير ارمز تريننج سيستمز'، وشركة 'تاليس' الفرنسية، وشركة 'إيه آي اس'، كما يكشف عن تعاون شركة 'بارامونت' للإنتاج السينمائي ­ مع هذه الشركات للوصول إلي أفضل النتائج للقضاء علي " العدو المدني".)

يقول الأستاذ خالد : ( لم يدر بخلدنا أن العدو قادم من منابع فكرية وأخلاقية غير مسبوقة السفالة، وأنه أقذر مما كنا نتوقع مليون مرة ، وأنه ليس قادما لإطاحة شخص أو قلب نظام وإنما لتدمير جيش وتخريب وطن وتغيير معادلات سكان بالتأليب والفتن والحرق والإبادة الجماعية ونزف الثروات والتصحير الحضاري ، وهذا كله ما كان يمكن أن يتم إلا بفكرة لم ترد علي ذهن الشيطان :

أولها قصف وردم العراق علي من فيها دون تمييز وتسريح جيشها ودولتها وفكرتها. !! )

 

وشهد شهود من أهلها : فهاهم حاخامات يهود يبيحون سفك دم الفلسطينيين حتى لو كانوا مدنيين - وفق هآرتس 8/9/2004 إذ (  قررت مجموعة حاخامات ورؤساء المدارس الدينية النظامية، معظمهم من المستوطنين، في بيان رأي بعثوا به أمس 7\9\2004 الى قادة جهاز الأمن الاسرائيلي أنه "ينبغي تفضيل المس بسكان فلسطينيين وإن كانوا أبرياء، على مس بجنودنا". وقد وقع البيان سلسلة من الحاخامين المعروفين، بينهم الحاخام دوف ليئور من مستوطنة (كريات أربع - الخليل)، والحاخام حاييم دروكمن (المدرسة الدينية النظامية اور عكيفا ورئيس المدرسة الدينية النظامية أورعصيون) والحاخام يوفال شارلو (المدرسة النظامية في بيتح تكفا)، والحاخام تسفنايا دروري (كريات شمونه) وغيرهم.

ويتوجه الحاخامون ضد النظرية القتالية للجيش الاسرائيلي وضد "وضع يعرض فيه الجنود حياتهم للخطر للامتناع عن مس بسكان فلسطينيين أبرياء ، في محيطهم يختبىء مخربون". {!!} وضمن أمور اخرى كتب الحاخامون يقولون: "نحن ندعو حكومة إسرائيل والجيش الإسرائيلي إلى العمل حسب قاعدة "من يأتي ليقتلك اسبقه واقتله".

وفي أوساط السياسيين من اليمين أيضا يوجد تأييد لذلك. فرئيس لوبي المستوطنين في الكنيست، يحيئيل حزان من الليكود يقول: "محظور تقييد أيدي الجنود. إذا لم نضرب المخربين في كل مكان سُيقتل أبرياء في أوساطنا". والنائب تسفي هندل من الاتحاد الوطني يقول: "أنا فخور بالحاخامين. كانت لديهم القوة لأن يقولوا الحقيقة الإنسانية الأكثر أساسية" هكذا !! .

 

ويعلق الأستاذ  فهمي هويدي في مقاله بالشعب بتاريخ 18\9\2004 على فتاوى الخامات أعلاه  فيقول وهو بصدد معاتبته لسلبية بعض الجهات الإسلامية  : ( ثمة تأصيل «شرعي» لإبادة العرب الفلسطينيين مستقر في الثقافة الاسرائيلية، يتعين الانتباه اليه وصرف بعض الجهد لتسليط الضوء عليه، بدلا من التربص والتصيد لكل ما يصدر عن الدائرة الاسلامية، بصرف النظر عما إذا كان حقيقيا أو مكذوبا ) ويضيف أنه لقد ( اعتبر الحاخامات أن هذا ما مرد عليه ملوك اسرائيل على مر التاريخ ، مضيفين هكذا تصرف شعب إسرائيل منذ أيام النبي موسى ، {عليه السلام } الذي حارب أهل مدين ، وهكذا تصرف بفتاح الجلعادي ، شاؤول، داوود ، وكل قادة اسرائيل على مر العصور ، وهكذا تصرفت دولة اسرائيل في حرب الأيام الستة، وحذر الحاخامات مما سموه التقليد النصراني في التعامل في النزاعات القائل «ادر خدك الثانية »، وفي إشارة إلى نشطاء السلام الإسرائيليين قال البيان «لن نتأثر بمن بلغوا الدرك الأسفل منطقيا وأخلاقيا من خلال تفضيلهم لحياة الاعداء على حياتنا ».

ثم يقول : ( هذا الكلام ليس مفاجئا ، لأن له أصولا في الثقافة التوراتية ، وهذا ما أكده اسرائيل شاحاك، الناشط الاسرائيلي المعروف في مجال حقوق الانسان، حين قال في دراسة له عن « الترانسفير اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وطردهم في العقيدة الصهيونية» :  إن تدقيق النظر في السلوك الموصوف في التوراة تجاه غير اليهود أو غير الاسرائيليين المقيمين على أرض إسرائيل يكشف عن جانب مثير في الخطاب التوارتي، يتمثل في عدد المرات التي يذكر فيها أن الله نفسه يأمر أطفال إسرائيل بعدم ترك ولو واحد غير يهودي حيا على أرض إسرائيل ، بل يأمر بإبادة غير اليهود ، وبالفعل ـ والكلام لا يزال له نصا ـ فإن الفرض المقدس فوق كل الفروض، القاضي بإبادة أي شعب غير يهودي يعيش على الأرض المقدسة، يسيطر بدرجة فائقة على التاريخ التوراتي .. حتى إن الترانسفير يعد عند الشخص المشبع بالمفاهيم التوراتية كحل انساني الى حد كبير . !!

المثل الأكثر نموذجية الذي دلل به شاحاك على رؤيته هو تلك الوصية الواردة في سفر التثنية ، وفيها أ ن سيدنا موسى { عليه السلام } أصدر تعليمات قضت بأنه في حالة المدن البعيدة التي لا تقبل الخضوع والتي انتصر عليها ابناء اسرائيل ، فإنه فقط جميع ذكورها اي الراشدين، سيتم قتلهم ، وتستبعد النساء والأطفال (الآيات 10 ـ 15)، وباسم الخالد، نبه موسى بمهابة الى أن هذا التسامح لن يسري علي أرض إسرائيل نفسها : وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة ما بل تحرمها تحريما ( الآيات 16 ـ 17) وتتبعها قائمة بالشعوب المطلوب إبادتها كليا كما أمرك الرب إلهك .

وكذلك يبدأ الإصحاح 7 من سفر التثنية بما يلي : متى أتى بك الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها وطرد شعوب كثيرة من أمامك، الشعوب التي كانت تقطن البلاد ، ودفعهم الرب إلهك أمامك وضربتهم فإنك تحرمهم، لا تقطع لهم عهدا ولا تشفق عليهم ( الآيتان 1 و 2) وهنا عدد لا يحصى من الفقرات المشابهة التي تختارها المدارس الإسرائيلية في كتبها لأسباب تاريخية وأدبية معروفة .

هناك أيضا عدد كبير من الآيات التي توصي بذبح الأطفال الصغار وإن كانوا من سجناء الحرب ، كما جاء في القصة الشهيرة التي لام فيها موسى { عليه السلام } بمهابة جيش إسرائيل، لأنه ترك الأطفال الذكور والنساء المتزوجات على قيد الحياة ، ثم ألقى بهذا الأمر : فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال .. ( سفر العدد الاصحاح 31، الآيات 13 ـ 18)، وفي الأسفار التالية : تتناول متقطفات عديدة موضوع الإبادة الجماعية ، حيث تظهر كفعل مرض تماما ، وتقوي الانطباع بوجود أمر لإبادة الجنس .. بل إن بعض الإخصائيين الإسرائيليين من أكثر المتبحرين في التوراة والأكثر نفوذا ـ مثل يحزقيل كوفمان ـ يعتقدون أن عمليات الإبادة قد حدثت بالفعل ، ويبرهنون على وقوعها في عدة مؤلفات علمية.

وأورد إسرائيل شاحاك نصوصا وشواهد أخرى عديدة أبرزت الفكرة التي سلط الضوء عليها ، وكان من بين الخلاصات التي انتهى اليها قوله: انه بات من الصعب جدا أن نجد حاخاما إسرائيليا ذا وزن ألقى في يوم من الأيام كلمة توحي بالعدالة أو الرأفة تجاه العرب .

 وهو أمر لا غرابة فيه، فإذا كانت الإبادة هي الأصل ، فإن أي إشارة الى العدالة أو الرأفة تجاه غير الاسرائيليين تعد لغوا لا محل له .) المصدر جريدة الشعب الألكترونية بتاريخ 19\2004 

.

هذا وإن للمسألة بعدا آخر يضيف إلى عنصر العقيدة عنصر التقنية والمصطلحات ويظهر من ثم  أهمية مراجعة المراد بـ " المدنيين " في ظل تطور التكوين الحديث للجيوش ، والجيش الأمريكي على وجه الخصوص :

وفي هذا الصدد بين الدكتور ثائر دوري في مقاله بجريدة الشعب الألكترونية بتاريخ 10\9\2004 أن من نسميهم مدنيين فإنهم يعملون في وظائف عسكرية بجيش الاحتلال ، وهي مما يقوم به العسكريون عادة بالجيوش الأخرى ، إذ - وبناء على تعليمات صدرت قي التحضير لحرب العراق بما يسمى خصخصة الجيش - : ( يعمل في العراق اليوم ثلاثة أنواع من المرتزقة :

1-  مرتزقة يقومون بأعمال ظاهرها مدني لكنها في صلب الأعمال العسكرية ، مثل الذين ينقلون المؤن و الإمداد للقوات الأمريكية . أو يقومون بتحضير الطعام و أعمال تنظيف المعسكرات و غسيل الثياب .

2-     النوع الثاني من المرتزقة : هم من يقومون بأعمال الحراسة و الاغتيال و التفجير .

3-  النوع الثالث و يمكن أن نطلق عليهم اسم المرتزقة الرسميين و هم الجنود الموعودون بالحصول على الجنسية لقاء الخدمة في الجيش الأمريكي .)  

ثم يتساءل الكاتب : ( فهل هذه الفئات الثلاث تصنف ضمن فئة المدنيين الذين يجب أن لا تطالهم الأعمال العسكرية ؟ . سؤال نوجهه لهؤلاء الذين لا يكفون عن التهريج و لا يذكرون الحقائق كاملة و للأسف فإن عددهم كبير و يتصدرون البرامج الحوارية و هم من تتصل بهم الفضائيات)

وإنه ليضاف إليهم صنفان :

4-  المستوطنون الذين سكنوا الأرض بقوة السلاح وما يزال وجودهم بها على هذا النحو : طردا لأصحابها الأصليين وتحويلهم إلى لاجئين .

5-     المدنيون العاملون في خدمة العدو، والذين تم إنذارهم بالخروج من أرض المعركة

كل أولئك مستهدفون شرعا

هنا يظهر جليا لكل ذي عينين أن  لمشكلة المدنيين في حروب اليوم وبخاصة ما يواجه المسلمين منها جانبا أشد تعقيدا مما نتصور وأكثر خطرا مما يساق إلينا  من بعض منابر الفتوى  الأمر الذي عبر عنه الأستاذ هشام الناصر بتعليقه الساخر في مقاله بجريدة الشعب بتاريخ 18\4\2004 بقوله ( من الغريب أن الدنيا قامت ولم تقعد بسبب قيام ( بعض ) فصائل المقاومة باصطياد أربعة ( كوماندوز  ) أمريكان ( وليسوا مدنين كما ادعت أبواقهم ) وقتلهم والتمثيل بهم علي غرار عملية الصومال ضد المارينز، وتبارت الأصوات في التنديد الصريح لمخالفة ذلك لديننا السميح ، ثم خرست تلك الأصوات عندما قامت القوات الأمريكية بالتمثيل بأكثر من عشرة جثث من أفراد المقاومة في الفالوجة بطريقة همجية وحشية وأعقبوا ذلك بتدمير مساجد وتمزيق المصاحف وإطلاق النار عليها في (حركة رمزية) بأن الموت للإسلام والبقاء للعقيدة الصليبية )

وتكتمل الصورة بما نقلته الأنباء  عن الممارسات الوحشية وغير الأخلاقية والدنيئة  ضد المعتقلين العراقيين على أيدي ذئاب الفضيلة وأعداء الإنسانية الأماركة  في سجن أبو غريب وغيره كما بثته خبرا وصورة محطة سي بي إس الأمريكية وتبعتها الديلي ميرور وغيرها  .  

 

 

هذه الحقيقة بكل بشاعتها وسطوتها وديمومتها يجب أن توضع على مائدة البحث - بجوار  الحقيقة الأولى التي تصور بحق أن حربا عالمية أعلنت على المسلمين في كل مكان -  قبل الكلام عن الحكم الشرعي بتحريم أو عدم تحريم ضرب المدنيين الأبرياء من جانب واحد . . ولقد تطور الأمر إلى أن صار قتل المدنيين في الحروب  من مفاخر الحضارة الغربية المعاصرة !!

 

وما ذكرناه سابقا  لا يصح أن يعني أن أحكام الشريعة الإسلامية بتحريم قتال غير المقاتلين أصبحت عاجزة عن مواجهة الموقف الحديث والتشريع له وفقا لأصولها وثوابتها ، وإنما يعني أن الحكم المطلوب يجب أن ينظر في ضوء هذه التطورات الجذرية دون اغترار بنوع من المثالية التي تعبر عن نفسها بدوافع ذاتية تخضع للزاوية الفكرية أو الثقافية أو الاجتماعية   التي ينطلق منها أصحابها : يجملون بها وجوههم أمام الرأي العام المحلي أو العالمي وهم يحسبون انهم يجملون شريعة هي بجمالها في  غنى عن كل تجميل ،  أو بدوافع من حسن النية لكنها في النتيجة الواقعية تعني شل المسلمين عن ممارسة الحرب في العصر الحديث ، عندئذ لا يكون أمامهم إلا أن ينهزموا قبل أن يبدءوا القتال .  !! .

 

نعم : يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في وصاياه لبعض جيوشه : ( اغزوا باسم الله ، في سبيل الله ، وقاتلوا من كفر بالله ، اغزوا ولا تغُلّوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليدا ) رواه مسلم بسنده عن سليمان بن بريدة عن أبيه .

 وفي رواية لأبي داود في سننه بسنده عن أنس بن مالك يأتي قوله صلى الله عليه وسلم : ( انطلقوا باسم الله وبالله ، وعلى ملة رسول الله ، ولا تقتلوا شيخا فانيا ، ولا طفلا ، ولا صغيرا ، ولا امرأة ، ولا تغُلّوا ، وضعوا غنائمكم ، وأصلحوا ، وأحسنوا ، فإن الله يحب المحسنين ).

 

ولكن ذلك لا يمنع  من المعاملة بالمثل إذا دعت ضرورة الصراع

وهذا أصل فقه الموضوع

وهو أصل فقه القتال نفسه بداهة : إذ هو أي القتل محرم أصلا ، وإنما حل من باب المعاملة بالمثل كضرورة ميدانية في المعركة .

وهو الأصل الوارد  في ذلك في قوله تعالى : { وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبوا بِمِثْلِ ما عوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرينَ } 126 النحل ، و يقول تعالى : { ذَلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفورٌ }  الحج 60 

 

وهنا   نجد للمسألة ثلاثة جوانب عند الفقهاء :

جانب المعاملة بالمثل من حيث أداة القتل والقتال كالرصاص أوالسيف أو الخنجر أو الخنق أو التحريق أو التغريق أو التقطيع والمثلة

وجانب المعاملة بالمثل من حيث الموضوع الذي يقع عليه الدمار أوالقتل أو القتال كالجندي أو الرجل أو المرأة أو الشيخ أو الطفل أو الصناع ، أو الفلاحين ، أو الشجرة أو الدار أو المصنع أو السد أو الجسر أو المتحف ، أوالمستشفى  إلخ

وجانب سلطة التنفيذ أو الأمر به كولي الدم أو ولي الأمر .

 

وفي ساحة السادة الفقهاء نجدهم قد تعرضوا للجوانب الثلاثة  بضرب الأمثلة ، ففي كتاب " روح المعاني  في تفسير القرآن للألوسي " في تفسير قوله تعالى " والحرمات قصاص " جاء قوله : ( واستدل الشافعي على أن القاتل يقتل بمثل ما قتَل به من محدد أو خنق أو حرق أو تجويع أو تغريق ، حتى لو ألقاه في ماء عذب لم يلق في ماء ملح ) مما يجعل المعاملة بالمثل تأتي في بعض الوقائع من باب الرحمة ولمصلحة الخصم .

وفي فتح القدير للشوكاني : ( قيل وهذا { أي المعاملة بالمثل } كان في أول الإسلام ، ثم نسخ بالقتال   . وقيل إنه ثابت بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم ينسخ ، ويجوز لمن تعدي عليه في مال أو بدن أن يتعدى بمثل ما تعدي عليه ، وبهذا قال الشافعي وغيره ، وقال آخرون : إن أمور القصاص مقصورة على الحكام ، وهكذا الأموال ، لقوله صلى الله عليه وسلم " أد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك " أخرجه الدار قطني وغيره ، وبه قال أبو حنيفة وجمهور المالكية وعطاء الخراساني ، والقول الأول  أرجح ، وبه قال ابن المنذر واختاره ابن العربي والقرطبي وحكاه الداودي عن مالك .. إلخ ) .

ومما يدل على رجحان أن ذلك لا يكون إلا بوضعه بيد السلطان عندما تقوم له قائمة ‍‍‍‍ : ما جاء في الدر المنثور للسيوطي في مناسبة نزول قوله تعالى " والحرمات قصاص " وقوله تعالى " فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " :  ( قول ابن عباس رضي الله عنهما : نزل بمكة والمسلمون يومئذ قليل ، فليس لهم سلطان يقهر المشركين ، فكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى ، فأمر الله المسلمين من يتجازى منهم أن يتجازى بمثل ما أوتي إليه أو يصبر ويعفو ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأعز الله سلطانه أمر المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانه ، ولا يعدو بعضه على بعض )  .

وإذا كان ما تقدم يشير إلى حكم ما يحدث على مستوى النزاع بين الأفراد فللفقهاء اجتهاداتهم  أيضا فيما يتعلق من ذلك بالقتال مع العدو  على المستوى العام .

 

ففي كتاب المبسوط في الفقه الحنفي للإمام  السرخسي :  ( ولا بأس بأن يحرقوا حصونهم ويغرقوها ويخربوا البنيان ويقطعوا الأشجار . وكان الأوزاعي ـ رحمه الله تعالى ـ يكره ذلك كله لحديث أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ في وصية يزيد بن أبي سفيان ـ رضي الله عنه ـ " لا تقطعوا شجراً ، ولا تخربوا ، ولا تفسدوا ضرعاً " .

 وتأويل هذا والكلام للإمام السرخسي - ما ذكره محمد ـ رحمه الله تعالى ـ في السير الكبير أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ كان أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الشام تفتح له  فلما علم أن ذلك كله ميراث للمسلمين كره القطع والتخريب لهذا .

 ثم الدليل على جوازه مع النظر فيه لمصلحة المسلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم ، – والكلام للإمام السرخسي أيضا ـ أمر بقطع نخيل بني النضير   وأمر بقطع النخيل بخيبر ، حتى أتاه عمر ـ رضي الله عنه ـ فقال : أليس أن الله تعالى وعد لك خيبر ؟ فقال : نعم ، فقال : إذا تقطع نخيلك ونخيل أصحابك ، فأمر بالكف عن ذلك .

 ولما حاصر ثقيفاً أمر بقطع النخيل والكروم حتى شق ذلك عليهم ، ولما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوطاس يريد الطائف بدا له قصر عوف بن مالك النضري فأمر بأن يحرق

فهذه الآثار تدل على جواز ذلك كله.

 وكان الحسن بن زياد ـ رحمه الله تعالى ـ يقول : هذا إذا علم أنه ليس في ذلك الحصن أسير مسلم ، فأما إذا لم يعلم ذلك فلا يحل التحريق والتغريق .. ولكنا نقول – والكلام للإمام السرخسي - : لو منعناهم من ذلك يتعذر عليهم قتال المشركين والظهور عليهم ، والحصون قل ما تخلو عن أسير .

  ثم  لا يمتنع تحريق حصونهم بكون النساء والولدان فيها ، فكذلك لا يمتنع ذلك بكون الأسير فيها ، ولكنهم يقصدون المشركين بذلك ، لأنهم لو قدروا على التمييز فعلاً لزمهم ذلك ، فكذلك إذا قدروا على التمييز بالنية يلزمهم ذلك.) اهـ

 

ولأئمة المذاهب الأخرى  اجتهادات واسعة في ذلك ، وقد أشبعها كبار الأئمة على اختلاف مذاهبهم واتجاهاتهم بحثا ، ولخصها بعضهم : مثل ابن رشد في بداية المجتهد ، والصنعاني الأمير في سبل السلام ، وابن حزم في المحلى

ففي بداية المجتهد لابن رشد: ( وأما النكاية التي تكون في النفوس فهي القتل ولا خلاف بين المسلمين أنه يجوز في الحرب قتل المشركين الذكران البالغين المقاتلين.

وأما القتل بعد الأسر ففيه الخلاف .. .

 وكذلك لا خلاف بينهم في أنه لا يجوز قتل صبيانهم ولا قتل نسائهم ما لم تقاتل المرأة والصبي ، فإذا قاتلت المرأة استبيح دمها ، وذلك لما ثبت «أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن قتل النساء والولدان » وقال في امرأة مقتولة : «ما كانت هذه لتقاتل» .

واختلفوا في أهل الصوامع المنتزعين عن الناس والعميان والزَّمْنى والشيوخ الذين لا يقاتِلون والمعتوه والحراث والعسيف ، فقال مالك : لا يقتل الأعمى ولا المعتوه ولا أصحاب الصوامع ، ويترك لهم من أموالهم بقدر ما يعيشون به ، وكذلك لا يقتل الشيخ الفاني عنده ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه . وقال الثوري والأوزاعي : لا تقتل الشيوخ فقط . وقال الأوزاعي : لا تقتل الحراث. وقال الشافعي في الأصح عنه : تقتل جميع هذه الأصناف.

وفي قتل الحراث  والعسيف والمرأة ، وفي المثلة ، وفي رمي الحصون ،  يذكر ابن رشد الأحاديث التي تمنع من ذلك

ثم يتحدث عن النكاية في الأموال فيقول : ( وأما النكاية التي تجوز في أموالهم وذلك في المباني والحيوان والنبات فإنهم اختلفوا في ذلك :  فأجاز مالك قطع الشجر والثمار وتخريب العامر، ولم يجز قتل المواشي ولا تحريق النخل . وكره الأوزاعي قطع الشجر المثمر وتخريب العامر كنيسة كان أو غير ذلك . وقال  الشافعي : تحرق البيوت والشجر إذا كانت لهم معاقل . وكره تخريب البيوت وقطع الشجر إذا لم يكن لهم معاقل ) ثم يقول (  والسبب في اختلافهم : مخالفة فعل أبي بكر في ذلك لفعله عليه الصلاة والسلام  ) وقد سبق تفسير هذا الاختلاف فيما ذكرناه من كلام الإمام السرخسي .

  والسبب في اختلافهم : - والكلام ما يزال للإمام ابن رشد - معارضة بعض الآثار بخصوصها لعموم الكتاب ، وذلك في قوله تعالى: { فَإذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } ولعموم قوله عليه الصلاة والسلام الثابت: «أُمَرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله » الحديث، يقتضي قتل كل مشرك راهباً كان أو غيره ).

وأما الآثار التي وردت باستبقاء هذه الأصناف ، فيذكر ابن رشد منها ما منع من قتل أصحاب الصوامع ، و ما منع من قتل الشيخ الفاني والطفل الصغير ، والمرأة .