التصويت على قضايا فوق التصويت

 

 

 

بقلم :علي حتر

 

قبل أن يوارى جثمان عرفات التراب.. سمعت أحد مسؤولي السلطة وفتح، يتحدث في قناة الجزيرة.. ويتكلم عن رأيه في مستقبل إدارة العمل الفلسطيني.. فقال:

«إذا كان لفتح 50% من الأصوات، ولحماس 50% يجري التصويت ويجب قبول النتائج»

أقول لهذا المسؤول الذي دعا إلى اللجوء إلى التصويت على القرارات المفصلية، في الأيام المقبلة داخل السلطة، لتكون الديموقراطية حسب رأيه، هي أساس العمل من أجل ضمان الوحدة الوطنية في تقرير المستقبل الفلسطيني:

 

1) منذ متى كان هذا النوع من الديموقراطية هو الذي يحكم ساحة فيها ثورة على احتلال؟؟

 

2) أقول لهذا المسؤول الذي يدعي الذكاء.. «الديموقراطية التي تعتمد على التصويت.. هي الديموقراطية التي تبحث عن أفضل الطرق والسياسات لتحقيق مفاهيم مصلحة الوطن.. عندما يختلف التنفيذيون أو المشرعون في طرق تحقيق هذه المفاهيم» ولا يتم التصويت على المفاهيم نفسها.

 

وللتوضيح.. لا يمكن للبرلمان الفرنسي مثلا.. أن يصوت على استقلال فرنسا أو على التنازل عن منطقة منها لصالح احتلال أجنبي.. مثل احتلال النازية خلال الحرب العالمية مثلا.. أو للتصويت على حق أي فرنسي غادر فرنسا لسبب ما.. في العودة لها. ولكنه يمكن أن يصوت على سياسة التعليم.. أو على خطط عمل القطاع العام وملكية الدولة له.. أو على التحالف مع الناتو.

 

في فلسطين.. المسألة لا تختلف.. لو كان الأمر هو التصويت على طرق العمل. لكن المسألة هي أن القضايا المطروحة للتصويت في فلسطين.. هي التنازل عن الأرض.. عن الحرية.. عن حق العودة وحقوق الإنسان.. ووقف المقاومة!! وهي قضايا لا تطرح للتصويت عند أي شعب.. أي أنها قضايا فوق التصويت. إنها القضايا والأهداف التي بدأ نضال فتح من أجلها يوما من الأيام. وهي التي تنازلت عنها قيادات فتح اليوم.. بسبب وصول فئة بعينها إلى التحكم بقرار فتح.. رغم أننا نعرف أن قواعد فتح التي كانت تسير مع ياسر عرفات.. انتمت أصلا إلى فتح لتحقيق هذه الأهداف.. وأوصلت ياسر عرفات بدمائها وعرقها إلى موقع الزعامة لأنه كان ينادي بهذه القضايا يوما ما.

 

والمشكلة هي أن هناك فئة لا شعبية لها أوصلها أبو عمار إلى مواقع السيطرة على الساحة الأمنية والسياسية تحت غطائه، لأسباب رحلت معه. وأن هذه الفئة قادرة بطرق غير ديموقراطية على تحصيل نسب التصويت التي تريدها تحت غطاء شكلي من الديموقراطية التي شكلت تحت إشراف كلينتون.

 

وهذا يعني أنه قبل البدء بتوجيه التهم إلى أية فئة بالخروج على الإجماع الوطني.. وهو ما نتوقعه في هذه المرحلة.. علينا أن نضع النقاط فوق الحروف ونحدد:

 

هل التصويت المقترح سيتم على حقوق الإنسان العربي الفلسطيني في التحرر والحرية وحق العودة لكل اللاجئين والنازحين والمبعدين وحقوق الإنسان.. وعلى قبول العرب بالتنازل عن فلسطين وإنهاء أية علاقة معها على اعتبار أن الفلسطينيين أصبحوا أمة أخرى.. لا علاقة للعرب بأرضهم ولا بهم.. وكلها قضايا يجب ألا تقبل التصويت عند الأمم المتحضرة؟!

 

أم على طرق تحقيق حقوق الإنسان الكاملة واستعادة الحقوق العربية؟!

 

يجب أن نتنبه ألا تستعمل المصطلحات المزورة في عملية تمهيدية لتبرير هجمة شرسة على المقاومة. ضمن استحقاقات خارطة الطريق، والإصرار الصهيوني على البدء بتطبيقها قبل أية عودة للمفاوضات.. ووعود وثيقة جنيف.

 

ترى هل هناك من مجيب؟؟

 

بعد يوم من دفن عرفات.. قال ياسر عبد ربه -في مواجهة مع محمد نزال على قناة الجزيرة- إن على فصائل المقاومة أن تخوض الانتخابات على أساس برنامج منظمة التحرير الواقعي والعقلاني.. ونحن نعرف عقلانية ياسر عبد ربه التي رأيناها في وثيقة جنيف، حيث تنازل عن حق العودة وعن كل حقوق الشعب الفلسطيني.. وهذا يؤكد ما نقوله.

 

كما قال أبو مازن رغم أن سلطاته لم تأت بالانتخاب، إنه سيطهر الساحة من المظاهر المسلحة قبل الانتخابات!! وعلى فصائل المقاومة أن تحذر مما يحاك لها في الخفاء.. ومما بين سطور المصطلحات العقلانية.

 

الشعب العربي الفلسطيني ولد قبل عرفات.. ولن يصبح مستقبله مجهولا برحيل عرفات..

 

ونحن نقول: إنه برغم إقرارنا بدور الرجل.. وبقيامه بإطلاق الرصاصة الأولى في الستينات لثورة لو لم تبدأ معه لبدأت بغيره.. ورغم اعترافنا بتأثيره على مسيرة شعبنا العربي الفلسطيني الذي سار وراءه لأنه أطلق الرصاصة.. وليس لأنه ذهب إلى أوسلو.. إلا أننا نقول إن ما جعل الشعب الفلسطيني يتغلب على الموت والهزيمة حتى اليوم.. ليس هو ياسر عرفات.. بل هو الدم والمقاومة بكل أشكالها.. بل وبشكل خاص، شكلها المسلح الذي لم يكن الرئيس عرفات راضيا عنه في السنوات الأخيرة.. وأدانه أكثر من مرة!! .