عرفات استشهد بالسم
بقلم :منير
شفيق
يتفهم المرء ما كان
ينشأ من خلاف داخل الساحتين الفلسطينية والعربية مع ياسر عرفات. فالذين اختلفوا
معه الى حد الخصومة اكثر بكثير ممن اتفقوا معه حتى من داخل حركة فتح نفسها. وهذا
امر طبيعي بسبب تعقد ظروف الصراع في مواجهة العدو الصهيوني المدعوم من امريكا
والذي يمتلك تفوقاً في ميزان القوى العسكري.
ويمكن للمرء ان يتفهم
التعاطف مع الرئيس الفلسطيني، وهو في حالة الاعياء الشديد، كما حدث حول نعشه الذي
تحوطته الجماهير بالدموع والبكاء، من قبل من اختلفوا معه او حتى ناصبوه العداء او
تآمروا عليه، فللموت -قضاء الله وقدره- هيبة في القلوب ما بعدها هيبة، ولا يجوز
معه غير ذكر محاسن موتانا. فهذا من دين الاسلام وثقافته وحضارته. وقد اصبح جزءاً
من تكوين العقل العربي وتقاليد الأمة. ولهذا لا يجوز اتهام احد بعدم صدق مشاعره.
على ان من غير المفهوم
ان يُحرم ياسر عرفات، مع كل هذه العواطف الجياشة والوداع الحار، وخطب مديحه وذكر
مآثره، شرف الشهادة مقتولاً على يد شارون. فكل الدلائل والقرائن تؤكد انه قتل
بالسم او ما يشبهه من اشعاعات تفعل فعل السموم التي انتجتها «التكنولوجيا العالمية».
فمن جهة اعلن شارون
بلسانه ان لديه قرار قتل عرفات او نفيه، ثم اكد ذلك القرار حين اعلن قبل فترة
وجيزة ان هذا العام (2004) لن ينقضي الا بانتهاء عرفات. فهنا اعتراف مسبق بقرار
القتل.
اما من جهة اخرى فما
معنى عجز التحليلات التي اجريت لدمه الذي راحت تتحطم صفائحه البيض عن اكتشاف
السبب، واذا اكتُشف فإعلانه في فرنسا ليس بيد الاطباء؟ ومن ثم هل يمكن ان يُعزى
الى «مرض غامض» وما ادراك ما «المرض الغامض» في عصر تقدمت فيه تكنولوجيا تحليل
الدم والفحص الى أعلى المستويات في فرنسا، وقد ارسلت عينات من الدم الى المانيا
والولايات المتحدة. اما عدم اكتشافه فعلاً فهذا يعني ان السبب يعود الى ذلك النمط
من السم الذي لا يعرفه غير صانعه او من في مستوى صانعه في «علم السموم والاشعاعات
القاتلة»، او قل انه من عائلة ذلك الذي حاول الموساد اغتيال خالد مشعل رئيس المكتب
السياسي لحماس من خلاله. فكل العلائم تدل على انه اياه او من اشقائه.
اما من جهة ثالثة،
واذا صح ان شارون هو مرتكب هذه الجريمة الشنعاء فالسؤال هل اخبر بذلك حلفاءه في
الولايات المتحدة واخذ منهم الضوء الاخضر، علماً ان في هذا الموضوع اتفاقاً اعلن
عنه بين الطرفين وهو ألاّ يؤخذ اي اجراء بحق عرفات من دون اعلام الادارة
الامريكية؟ واذا افترضنا ان شارون فعلها من وراء ظهر امريكا وهذا احتمال ممكن
جداً، فان السؤال لماذا لم تحرك ساكناً وهي ترى عرفات يتمزق بالسم فيما ابرته
المضادة لدى «اسرائيل» اذ لكل سم «راق» انتجته «الحداثة» دواؤه المضاد حتى يمكن
استخدامه بطرق شتى؟
واخيراً وليس آخراً،
لا يصعب الاستنتاج ان التعمية على اسباب الوفاة «القتل» مفهومة الدوافع ما دام
المطلوب التهيئة للاسراع بفتح المفاوضات مع شارون وهو ما يكشف عنه المؤتمر الصحفي
لبوش وبلير.
لكن أين العدالة هنا؟
وأين حق عرفات إزاء قاتله؟ وأين حق الشعب الفلسطيني؟ وأين حق الكلمات التي أطنبت
في الحديث عن الرمز والقائد والمؤسس والباني، ثم كيف يحرم من حق الشهادة مقتولاً؟
والسؤال لسيد البيت
الابيض اولاً، هل هذا القتل والتعمية على القاتل هي بداية الاصلاح والشفافية
والتسوية في الساحة الفلسطينية في مرحلة ما بعد عرفات؟ وهل هي رسالة لمن يأتي بعده
ليتعلم «الأدب»؟.