رسالــة من أعمــاق الفلوجــة الباسلـة:

إلى هيئة العلماء والحزب الإسلامي

 

 

 

 

بقلم : طالب علم عراقي

 

 

مشايخنا الأكابر في هيئة علماء المسلمين في العراق ...

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...

 

وبعد :

 

نحمد الله تعالى أن جعل لأهل العلم هذا المقام الرفيع في قلوب عامة المسلمين في العراق

 

مشايخنا الأكابر : روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ' الدين النصيحة ' قلنا : لمن ؟ قال ' لله ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين ، وعامتهم ' }.

 

ونحن إذ نعتقد أن إجلال أهل العلم من إجلال الأنبياء فذلك لا يعفينا من تقديم النصيحة صريحة دون مجاملة ، فإنه إذا هانت مجاملة أحد على خطأ فإن مجاملة أهل العلم تعد كارثة مضاعفة ...!

 

فبهلاك العالمِ الواحد يهلك الفئام من الناس ، فكيف إذا أخذت صورة هيئة علمية قيادية شرعية تحمل فتواها صورة الإجماع والمهابة من مخالفته ، والحذر من التفكير في نقضه أو الاعتراض عليه ..؟!

 

وكيف إذا نابت هيئة العلماء هذه عن أمة الإسلام في مواجهة أو مهادنة أمة الكفر..؟!

 

فأي موقع يمكن أن يتخذه عالِم أعظم خطراً من موقع يتوقف على فتواه حفظ أو انتهاك ضرورات الإسلام الخمس : الدين ، والنفوس ، والأعراض ، والأموال ، والأجيال ..؟!

 

إنه موقف أخبار العالمين عن حكم رب العالمين ..!

 

إنها واقعة اجتمعت فيها العقيدة والشريعة في ذروتيهما ، فكانت ذروة الولاء والبراء في ذروة الصراع بين الكفر والإيمان في ذروة سنام الإسلام ..

 

فهل يحسد أحد على هذا الموقع في الدنيا ، وعلى هذا الموقف يوم يقول الله لعيسى ابن مريم أمام الناس : [ أأنت قلت للناس .. ]

 

فما الذي جرى يا مشايخنا الأفاضل ..؟!

 

ما الذي جرى حتى يقوم الدكتور المكرم رئيس هيئة علماء المسلمين قومه الله تعالى في خطبة الجمعة ويعلنها صريحة ، قوية ... بوجوب مقاطعة البضائع الأمريكية ، ووجوب نصرة المجاهدين في الفلوجة وغيرها ، ووجوب وحدة الصف في هذا القتال المبارك ... ؟!

 

وما ترك الدكتور من شيء لم يقله ، اللهم إلا كلمة ' وجوب النفير العام من غير أذن أحد ' ... وقام مع الشيخ علماء وخطباء كثر ، وأدركنا أنها مقولة مهيأة لإعلان القتال بالسلاح ، وهذا ما يليق بالدكتور حارث وتاريخه على وجه الخصوص .

 

وجاءت ليلة السبت لتسلخ خطبة الجمعة ، ويختفي صوت الشيخ إلى اليوم لتعلو فوق صوته أصوات أخرى ، تنقض كلامه وتأخذ مكانه !

 

وبقي كل مسلم وغير مسلم يتساءل : ما الذي جرى ..؟!

 

الذي جرى هو أن الأمريكان بعدما أسقط في أيديهم من بأس أهل الفلوجة وإيمانهم ، وتحققوا من الهزيمة المخزية ، وتأكدوا منها بمرور الأيام الأولى حتى باتت أمراً مسلماً به عند جنودهم وبين قادتهم ... هرعوا مسرعين إلى مجلس الحكم الإنتقالي ، إلى أقرب الناس من الجهاد ، ومن عندهم في هذا الموقع يمكن أن يكون له نوع تأثير على أهل السنة في الفلوجة إلا من عقدوا له خرز التاج لمثل هذا اليوم العصيب ... فأبلغوا ' محسن عبد الحميد ' ما يعظم في صدره من قوتهم وبطشهم، وعزيمتهم ... فهرع يدور بدوره الدوار ... إلى مجلس حزبه أن أدركوا الفلوجة قبل أن تنهار ..!

 

الكارثة ... الكارثة سوف تحل بالفلوجة ..!

 

سوف تحترق الفلوجة عن بكرة أبيها ..!

 

لقد أخبرني الأمريكان أنهم مستعدون الآن لضرب الفلوجة بالقنبلة النووية ..!

 

لا تنسوا يا إخواني ' هيروشيما وناكازاكي ' مع التذكير بالفارق الهائل ما بين تلك القنبلة القديمة وهذه المطورة المدمرة ..!

 

إنهم أخبروني بأن الرئيس بوش قد فوضنا بذلك ، ونحن لدينا الآن الإستعداد ...

 

والوقت أمامكم ينفد ...!

 

وإن من مصلحة الجميع إيقاف القتال ، وأهل الفلوجة ذواتهم يريدون ذلك ، إلا أولئك الذين لا تطيب لهم الحياة إلا بالدماء .. ولا يحسنون التعامل وفق المصالح والمفاسد ، وليسوا من السياسة الشرعية في شيء !

 

وإن ........!

 

وإن ....!

 

وكل هذا مع حسن الظن فيهم ..

 

هكذا صوروا الأمر 'لمحسنهم '، فصور هو بدوره الأمر لعلمائنا ... ثم بادر ابتداءًَ باستصدار بيان توجيهي حازم بِنَفَسٍ حزبي حازم في قناة الجزيرة لكل من يحمل السلاح جهاداً في سبيل وجوب إيقاف الجهاد هذا فوراً ، هذا والقصف الجوي الأمريكي والصاروخي على أشده ... في وقت كانت الشروط الأمريكية تسليم الأربعة الذين قتلوا الأمريكيين ومثلوا بهم ، وتسليم المجاهدين أنفسهم للأمريكان ...

 

ولم يعبأ الفلوجيون الكرام ببيان ' الحزب ' ..!

 

وهنا ألقى بثقل التبعة على هيئة العلماء ... فألقى العلماء بثقلهم في المعركة ، ولكن لإيقاف المجاهدين عن المعركة ..؟!

 

فماذا كان أمام العلماء وهم يستمعون إلى هذه الهالة الضخمة من الأخطار المحدقة إلا أن يخرجوا مثل هذه الفتوى والمناشدة على عجل والتي يظهر فيها إعادة الأمن والأمان ، وفيها حقن الدماء ، وفيها إعادة الصلاة إلى المساجد ، وفيها إعادة إعمار ما خرب في الفلوجة وفيها ما فيها من مصالح !

 

دعونا نبتدئ بالمفاوضات وسوف نأخذ منهم ما لا تأخذونه بالقتال ..!

 

وهنا لا بد لي من وقفات ثلاث مع فتوى علمائنا الكرام ومناشدتهم .

الوقفة الأولى: حقيقــة ما جــرى ...

 

إن الاعتذار بأن الخسائر فادحة ، والقتلى كثر ، والجرحى أضعاف ذلك لهو اعتذار لا وزن له في ميزان الحكم الشرعي في مثل ظروف تحرير بلد مسلم يأمل بطرد العدو الكافر .

 

فالجهاد هنا جهاد دفع لا جهاد طلب ، وجهاد رد الصائل لا جهاد دعوة ...

 

وهذا مختصر لأقوال أهل العلم في مثل هذه الواقعة لا ينبغي أن يكون خافياً على من ألتحق بركبهم واتصف بوصفهم .. مشتاق ما بين الجهادين شتان ..

 

قال النووي : ' قال أصحابنا : الجهاد اليوم فرض كفاية إلا أن ينزل الكفار ببلد مسلم ، فيتعين عليهم الجهاد ، فإن لم يكن في أهل ذلك البلد كفاية وجب على من يليهم تتميم الكفاية ' شرح النووي على صحيح مسلم 8/64/63.

 

فإذا كان الجهاد كله في العراق على من فيها من المسلمين فرض عين لنزول الكفار في العراق ، فكيف سيكون الحكم الشرعي وقد قصدوا الفلوجة بعينها من دول العراق المحتل بالحرب والهجوم ..؟!

 

وهل كان الواجب على العلماء كما قال النووي ' تتميم الكفاية ' أم كان الواجب على العلماء هو إيقاف القتال ..؟!

 

ويقول القرطبي : ' قد تكون حالة يجب فيها نفير الكل ، وذلك إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار أو يحلو له بالعقر ، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا خفافاً وثقالاً شباباً وشيوخاً ، كل على قدر طاقته .. من كان له أب بغير إذنه ، ومن لا أب له ، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر ... إلى أن قال ولا خلاف في هذا ' القرطبي 8/ 151

 

وذكر ابن قدامة بعد ذكر نفس الحكم ذاكراً الدليل حيث قال وذلك لقوله تعالى : [ انفروا خفافاً وثقالاً ] وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ' إذا استنفرتم فانفروا ' .. وقد ذم الله تعالى الذين أرادوا الرجوع على منازلهم يوم الأحزاب فقال تعالى : [ ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ] المغني لابن قدامة 10/389

 

فإذا كان علماء الإسلام يقولون إنه واجب على المسلمين فكيف أسقط علماء الهيئة هذا الواجب ، واجب النصرة وواجب النفير إليهم ، وواجب رد الصائل ، كيف أسقطوه عن أنفسهم وعن أهل الإسلام في العراق ، وتحول البعض منهم إلى صنف [ الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا ... ] لو أطاعونا ما دمرت مدينتهم كما قال مكي الكبيسي في خطبة الجمعة بتاريخ 4من ربيع الأول 1425هـ الموافق 23/ 4/ 2004م مشيراً إلى أضرار القتال ونهي أهل الفلوجة عنه ، حيث قال : [ نحن لا نريد تعريض الفلوجة للهدم ، ما هكذا علمنا الإسلام ، الإسلام علمنا أن نتخذ الحكمة ، علمنا أن تجعل عدتك مع حكمتك ، فالعدة من غير الحكمة ربما أورثت دماراً ] .. ولا غرابة إن قال بهذا من ذلّ نفسه أمام المحتل .

 

عبارات مطاطية لو عرضت على الشافعي لما عرف لها رأساً ولا ذيلاً ، لكن من يعرف واقع القوم وموقفهم يعرف كيف تستخدم اللغة ويخضع الدين في القضاء على الجهاد والمجاهدين لمصلحة الحزب والحزبيين الإسلاميين لفهم مراد الرجل ..!

 

وبيننا وبينهم قول الله : [ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدته ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين ] ..

 

هكذا أصبح القتال في سبيل الله مصادماً للحكمة منافياً للعقل ..؟!

 

لقد كانت الحكمة البشرية فيمن آتاهم الله الحكمة هي كراهية القتال ، لكن أمر الله الحكيم الخبير هو أن قال لهم : [ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم وأنتم لا تعلمون ] ..

 

وقال : [ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ] الأنفال 6

 

إن المتأمل في فتوى العلماء ومناشدتهم المجاهدين إيقاف الجهاد يستغرب غاية الإستغراب لانعدام الأصل الشرعي الذي اعتمدوا عليه ، اللهم إلا مبدأ الحزبيين الإسلاميين المقدم عند المتحزبين على الكتاب والسنة ... ألا أنه المصلحة أو كما سماها هنا [ مكي الكبيسي ] الحكمة ..؟!

 

المصلحة التي تقدم على النص الصريح وتخرق إجماع أهل العلم السابق وتحل محله ..!

 

وإلا كيف يمكن أن نفهم قول الله تعالى في واقعة التقى فيها الكفار والمسلمون كواقعة الفلوجة : [ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ] الأنفال 16

 

والسؤال هنا هو : هل حصلت هذه الملاقاة أم لم تحصل ..؟!

 

فما العذر المخرج للعالم بفتواه هذه والتي هي أشد من الفرار من الزحف لأنها تقتضيه وزيادة .. ما العذر المخرج لهم من غضب الله وسخطه المذكور في الآية ..؟!

 

هل كان أهل الفلوجة المقاتلين أقل من الأمريكان ..؟!

 

قطعاً : لا ...

 

إذن ألم يكن واجب أهل العلم أن يكاثروهم ويناصروهم ويستصرخوا العراق كله نفيراً لأجلهم .. أم كان واجبهم أن ينيموهم وينيموا أهل العراق عنهم ..؟!

 

ففي سنن البيهقي عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن فر رجل من اثنين فقد فر وإن فر من ثلاثة لم يفر .. سنن البيهقي 9/76 .

 

وفي سنن أبي داوود والترمذي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ خير الصحابة أربعة ، وخير السرايا أربع مائة وخير الجيوش أربع ألاف ولن يغلب إثنا عشر ألف من قلة ] سنن أبي داوود 2611 صحيح سنن أبي داود 2275

 

نعم سيحتج أصحاب الحكمة ..! بأن الحرب ما عادت بالأعداد البشرية وإنما بقوة السلاح الفاتك ! ومن الهوان أن يتخطى أهل العلم النصوص الصريحة الصحيحة القاضية بكفالة الله تعالى للمؤمنين المجاهدين بالنصر إن هم أخذوا الأسباب المتيسرة وصدقوا ما عاهدوا الله عليه بينما يذكّرهم بها من لا يملك إلا القليل من العلم والكثير من الغيرة والإيمان من طلاب الفلوجة وعامتهم ، فكيف وقد ثبت المجاهدون في الفلوجة وزحزحوا الأعداء عن مواقعهم التي وطئوها في بلدتهم إلى خارجها ..؟!

 

كيف والأعداء أنفسهم يعترفون بأن هذا السلاح الفاتك لا يحسم المعارك دائماً ..

 

يقول بول كنيدي معلقاً على التدخل الأمريكي في فيتنام : [ دلت هذه الحرب على أن التفوق العسكري والإنتاجي الإقتصادي لا يترجم دائماً وبصورة تلقائية إلى فعالية حربية .. فمن الناحية الإقتصادية كانت الولايات المتحدة تمثل من خمسين إلى مائة مثل إنتاجية فيتنام الشمالية ، ومن الناحية العسكرية كانت تمتلك من القوة النيرانية ما يعيد العدو إلى العصر الحجري ، وبقوتها النووية ، كانت لديها القدرة على مسح جنوب شرق آسيا بأسرها ، لكن هذه لم تكن حرباً يكون التفوق فيها لهذه الأشياء ] ...[1]

 

وليت هؤلاء من أشباه الإسلاميين قد تعلموا من البوذيين الفيتناميين معنى التضحية والفداء والبذل بدلاً من التمييع الذي أبته عجائز فيتنام قبل كهنتها .

 

وقبل هذا شواهد معارك الإسلام وفتوحاته الكبرى حاضرة أمام الموقنين ، ابتداءً بغزوة بدر ومروراً بفتح الأندلس وانتهاءً بالفلوجة ...

 

لقد كان الواجب على أهل العلم أن يعملوا بما عمل به عمر رضي الله عنه لو أن أهل الفلوجة فروا [ وحاشاهم ] فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى أن رجلين فرا [ يوم مسكن ] من مغزى الكوفة فأتيا عمر فعيرهما ، وأخذهما بلسانه أخذاً شديداً وقال : فررتما ..؟! وأراد أن يصرفهما إلى مغزى البصرة ، فقالاً يا أمير المؤمنين لا بل ردنا إلى المغزى الذي فررنا منه حتى تكون توبتنا من قبله . مصنف ابن أبي شيبة 15543 ،12 ص538

 

إذن فمن الذي يجب أن يتوب الآن ..؟! ومن الذي يجب أن يؤخذ بلسانه حتى تسلم منه العراق الجريحة يا أعضاء الحزب الإسلامي .

 

وأخيراً فيا أهل العلم الكرام : هل تقاس التضحيات الآنية المحدودة العاجلة بمصير الدين ومستقبل الأجيال ..؟!

 

وهل ترى مصير ثورة الجزائر لو أن هيئة علمائها المعتبرة أفتوا بمثل فتوى هيئة علمائنا الأكارم .. وما نسبة ما قدمه أهل الفلوجة من الأرواح بالنسبة لثلاثة ملايين شهيد جزائري على الصحيح من الأرقام ، فإذا كان عدد سكان الفلوجة يزيد على النصف مليون مع ضواحيها فإنها لم تقدم أكثر من خمسمائة شهيد حسب ما أعلنوا هم وجلهم من النساء والأطفال .. ؟!

 

يا أهل العلم ماذا سيكون مصير ليبيا ومستقبلها لو أن العالم المجاهد عمر المختار أفتى المجاهدين بإيقاف القتال بناءً على عدم التكافؤ ما بين مجاهدين رجالة وخيالة ببنادق صيد وأسلحة ذاتية في مواجهة دبابات و مجنزرات وطائرات ومناظير وخطط عسكرية وجيوش نظامية ونحو ذلك ..؟!

 

وهل كانت فيتنام ستطرد القوات الأمريكية لو أن أولي الرأي فيها نظروا مثل نظرتنا هذه أم أنها ستبقى كأي مستعمرة من المستعمرات الأمريكية أو المستعمرات البريطانية المستعبدة إلى اليوم ..؟!

 

لقد قدم الفيتناميون خمسة ملايين من الأرواح غير القرى التي هدمت ، والمزارع والغابات التي أحرقت ، ولقد استخدمت ضدهم مختلف الأسلحة المسموحة والمحرمة ، فما رضخوا وما استكانوا ، هذا وأمريكا يومها تملك الآلاف من القنابل الذرية ، وقد هددت باستخدامها ، لكن عزيمة الفيتناميين كانت أكبر من تهديدات الأمريكان ...

 

واستمروا في قتالهم إلى أن طردوا الأمريكان وجعلوهم ذكرى موجعة ومثلاً ساخراً للأجيال الأمريكية تلاحقها بالهزيمة المخزية إلى أن تزول هذه الإمبراطورية المتجبرة ..

 

ثم ألم تكن روسيا تملك الآلاف من القنابل الذرية يوم أن أُخرجت من أفغانستان تجر أذيال الخيبة والخزي والعار .. فلماذا لم تنقذ نفسها بعشرة قنابل كل واحدة على مدينة أفغانية ..؟!

 

ولماذا لم يفكر المجاهدون بهذا التفكير فيفاوضوا بابرك كارمل أو تراقي أو غيره من المرتدين الأفغان الذين عينهم الروس عليهم كما عين الأمريكان هذا المحسن لهم ، ومجلس الزندقة ..؟!

 

نحن لا نريد أن نتطرق لقضية إسلام أو كفر من انضم للمجلس الإنتقالي ثم تدخل باسم الإسلام لإيقاف القتال ، وإيقاع الهدنة ، ولكن من المعلوم أن قضية الإسلام والكفر ليست قضية أسماء أو خطابات ، ولا هي بالتحدث بإسم الإسلام أو عن حزب الإسلام أو تقديم خدمات جزئية للمسلمين من خلال موقعه في المجلس .. فوالله ما كان عبد الله بن أبي سلول يلبس لباس الكافرين ، ولا كان يخلع العمامة ويلبس القبعة ، وما كان يتخلف عن صلاة الجماعة ، ولا عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وعموم المنافقين وكان اسمه خير الأسماء ... ومع هذا فقد كانت مواقفه في ساحة القتال هذه كفيلة بأن ينزل الله فيه حكم الولاء للكافرين وأنه منهم ، وأنه رأس النفاق .. وتبقى الآية عامة : [ ومن يتولهم منكم فإنه منهم ] وما أشبه الليلة بالبارحة ..

 

لقد حاد عبد الله ابن أبي سلول بأصحابه في غزوة أحد عن الجهاد بعدما خرجوا للمعركة وأوشك القتال على الإبتداء ...

 

وهذه من ثمرة الجهاد في كل وقت ، فما كانت تستره أيام الرخاء وأحاديث الصباح والمساء ، يكشفه الجهاد بجلاء ... إن نار التمحيص تغلي على نار الجهاد بقدر الدماء ..

 

قال الله تعالى : [ قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ] آل عمران 137ـ143

 

ولقد أسقط في أيدي اليهود حين ثار الشعب الفلسطيني في انتفاضته الأولى ، شعر كل إسرائيلي بأن فلسطين لن تبق له ولن يبق فيها ... فهرع اليهود آنذاك كما هرع الأمريكان اليوم إلى صنيعتهم من بني جلدة الفلسطينيين أنفسهم وكان لهم ما أرادوا ...

 

وحوادث فلسطين هذه خير شاهد على واقع العراق هذا ...

 

بل إن هؤلاء لا يصلون حتى إلى مستوى عرفات ..؟!

 

إن المجلس الانتقالي بكل ما فيه ومن فيه كان هو العدة التي أعدها الأمريكان لأيام النوائب الأيام التي لا تؤثر فيها العصا الأمريكية في الظهور العراقية ، ولا يصغي فيها الشعب العراقي لأمر أبي ناجي ، ولا تطول فيها اليد الأمريكية الزمام العراقي ... فكان المجلس لها ، وهذا ما قام به المجلس ..

 

فأهل التشيع ذهبوا إلى أصحابهم وأهل السنة ذهبوا إلى أصحابهم .. فما كان يؤديه چلبيهم بقمبره هناك كان يؤديه محسنهم بحاجمه هنا ... حتى أعادوا لأمريكا ما أرادت وأعادوا البلاد إلى ما كانت، وأسلموا الزمام إليها بعدما أفلتت من يديها ..

 

وما كانت الغاية الخفية لهؤلاء الإسلاميين المتحزبون إلا ما كانوا يعتقدون من أن المجاهدين لن يثبتوا فضلاً عن أن ينتصروا ، فأرادوا أن تكون لهم يداً عند الكافرين وخط رجعة عند المسلمين ..

 

فمن كان يظن أن أهل الفلوجة سوف يثبتون كل هذا الثبات ، وما أشبه ما قال الله تعالى عن أولئك مع ما حدث مع هؤلاء حيث قال سبحانه : [ الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ] النساء 141

 

ولو أنهم علموا أن النصر والذكر الحسن سوف يكون للمجاهدين لم يترددوا لحظة أن يعلنوا موقفهم مع المجاهدين .. وصدق الله إذ قال : [ بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا ] ..

 

ومن اضطرب منهم من توقعاته علق عضويته ولم يقدم استقالته خشية عودة الأمور بيد الأمريكان .. وإسلاميون متحزبون حسبوا لأنفسهم مقاماً عند الأمريكان ومقاماً عند الأمريكان فهددوا بموقف مجهول ومؤثر ، ولم يتأثر الأمريكان بكلامهم إنما تأثروا بثبات المجاهدين وعندها أرخصوهم في التدخل بعدما عجزوا وأرخصوهم في الموقف المبتذل لممارسة دور إنقاذ أمريكا من الغرق ..

 

وهذه سنة ماضية في تخطيط المنافقين ...' فلقد ذكر ابن إسحاق و الواقدي وغيرهما أن عبد الله بن أبي سلول أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أمكنه الله من اليهود ، وكتفهم المسلمون انتظاراً لحكمه صلى الله عليه وسلم فيهم فقال : يا محمد : أحسن في موالي ـ وكانوا حلفاء الخزرج ـ قال : فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد : أحسن في موالي ، قال : فأعرض عنه ، فأدخل ابن أبي سلول يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرسلني ، وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظللاً[2] ، ثم قال : ويحك أرسلني ، قال : لا والله ، لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربع مائة حاسر وثلاث مائة دارع ، قد منعوني من الأحمر والأسود ، تحصدهم في غداة واحدة ؟ إني والله امرؤ أخشى الدوائر ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هم لك [3]...'

 

الوقفة الثانية : القنبلة الذريـة ... الفلوجــة

 

هب أن أمريكا نفذت ما هددت به من ضرب الفلوجة بالقنبلة الذرية ، فهل كان هذا سيوقف الإنتفاضة العراقية العارمة ... أم سيزيدها اشتعالاً في وقت لم تكن بحاجة لمزيد اشتعال ..؟!

 

إذاً فهؤلاء الإسلاميون المتحزبون لا يعرفون العراق ولا العراقيين ؟ وهذا من تلوث القلب بلوثة الولاء للكافرين ثمناً للجنسية الأمريكية والولاء للأمة الأمريكية .

 

وها هم أصحاب ذات الحزب العراقيين يأخذون على يد المجاهدين ، ويوقفونهم عن ضرب أمريكا حين ابتدأت ، إثباتاً لولائهم للأمة الأمريكية ومحافظة على الجنسية الأمريكية ..!

 

ثم هل ذهاب الفلوجة ثمن كبير على تطهير العراق كله من الأمريكان ، واليهود ، وعملائهم ؟!

 

بالله عليكم : هل أهل الفلوجة جميعاً خير أم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال الله تعالى فيه : [ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين ] آل عمران 144-148

 

إن الإرتداد هنا هو بترك الإسلام أو ترك الجهاد ، إذ حضرت أسبابه وانتفت موانعه ..

 

يقول ابن جرير الطبري ج3 في تفسير هذه الآية :

 

' انتهى أنس بن النصر ـ عم أنس بن مالك ـ إلى عمر ، وطلحة بن عبيد الله ، في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم ، فقال : ما يجلسكم ؟ قالوا : قتل محمد رسول الله ! قال : فما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على مات عليه رسول الله ! واستقبل القوم فقاتل حتى قتل ، وبه سمي أنس بن مالك ' .

 

' وعن مجاهد قال : ألقي في أفواه المسلمين يوم أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل فنزلت هذه الآية : ' وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ' الآية .

 

لقد كانت الحقيقة على النقيض مما صورها الأمريكان ، وقد كان العالم كله يعرف الحقيقة إلا من التصق بالأمريكان وأوحوا في قلبه وسمعه ما أوحوا ..

 

لقد أدرك العالم كله ـ وأول من أدرك ذلك هم قادة أمريكا أنفسهم ـ أن أمريكا العظمى بدخولها الحرب في الفلوجة الصغرى ... قد مدت عنقها على نطع الفلوجة ومقصلتها وأنها في أيامها الأخيرة ، وقد حبست أنفاسها لضربة السياف ليفلجها في الفلوجة بعدما فلج تحالفها في العالم ، وقد بلغ قلبها حنجرة رأسها ، حتى صرخ متولي كبرها رامسفيلد أنها أيام عصيبة واختفى بوشها عن الأنظار ، وقال أتعس القوم ، مدركاً خطورة النتيجة ، واقتراب النهاية ـ بلير ـ أنها معركة تاريخية ، ويجب أن تنتصر أمريكا وحلفاؤها ..

 

وتنادى رؤساء التحالف أن امشوا واصبروا على موقفكم رغم ما أصابكم فإما أن نكون أو لا نكون ..؟!

 

فكانت تلك الفتوى طوق النجاة للإمبراطورية التي ملأت الأرض ظلماً وجورا ..

 

وهذا ليس بالأمر الخافي على أحد وإلا فهل لجأ الأمريكان للصلح وهم قادرون على تحقيق النصر النهائي واحتلال الفلوجة ..؟!

 

وهل تظنون أن المجلس الانتقالي والحزب ' الإحساني ' استطاع التدخل بقوته وتهديداته أم بقوة المجاهدين بعد قوة الله ؟ وهل كان يمكن أن تفتح له القنوات لو لم يطلب منه ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر ..؟!

 

وهل تعتقدون أن أمريكا وفية على شروط الهدنة ..؟!

 

وهل ستعجز أمريكا على إيجاد المبررات الكافية لنقض عهود المسلمين ..؟!

 

وهل طلب أمريكا من إيران التدخل إلا خطوة أولى في قلب ظهر المجن لكم ..؟!

 

وهل سترقب إيران فيكم إلاً أو ذمة إن هي استطاعت ذلك .. أم أنها ستتورع عن إدخال جيش من عندها بلباس عراقي لقتال أهل السنة وقد فعلت ذلك في أفغانستان واعترفت به بعد ذلك ..

 

أيها العلماء الأكارم : كان بإمكانكم أن ترجعوا لقادة المقاومة في الميدان قبل أن تصدروا حكماً غيابياً ، ولا شك أنكم اليوم قد التقيتم بعضهم فعرفتم الحقيقة جيداً ..

 

إن الواقع الذي نعرفه وعشناه من الداخل في ليله ونهاره على نقيض ما صوره الأمريكان لكم بطريق محسنهم .. بل إن الواقع الذي تحدثت منه وكالات الأنباء ، وما تحدثت إلا عن بعضه كان على النقيض من مقتضى فتواكم ..!

 

الواقع الذي جعل الجيش الأمريكي يفر بروحه من أرض المعركة زرافات ووحداناً !

 

الواقع الذي أرانا كيف ألغى المجاهدون سلاح المروحيات الفتاك من المعركة ..؟!

 

الواقع الذي شهد بأن حصاراً قد أطبق على القوات الأمريكية المحاصرة للفلوجة !

 

فالطرق البرية المؤدية للفلوجة مقطوعة على الأمريكان بنسبة 100% والمروحيات المقاتلة والناقلة للمؤن لا تستطيع الطيران بعدما استمر فيها الإسقاط .. والقوات التحالفية في المدن العراقية القريبة لا تملك نجدتها لأنها لم تعد تملك المحافظة على أرواحها ... وبقية القوات التي كانت في مأمن ولم تذق طعم الرعب من قبل ذاقته كأمر ما يكون ... ومن قرأ للعلمانيين المجاورين للعراق ، عرف مقدار الرعب الذي عبر الحدود فأربك أقلامهم وأرعش أقدامهم وأجرى على الأمريكان دموعهم ..!

 

إنه الواقع الذي جعل العراق كله يرتج و يمور ، ويموج ثم يهيج ... فيتحول كله من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه إلى فلوجة تتفلج غيظاً وتتفجر بركاناً ..

 

فسارت مواكب المجاهدين في أشكال مسيرات جهادية مشياً على الأقدام من بغداد إلى الفلوجة ، وانحدرت من محافظات الأنبار إلى قلب الأنبار الفلوجة .. أسود تتلظى كما تتلظى البراكين غيرة على عرينها إذا هوجم ، ونصرة لأهلها إذا ضيموا .

 

وأصبحت أمنية كل صغير وشاب عراقي هو قطعة سلاح يزين بها ساعده ، ويعذر فيها إلى ربه ، ويعبر فيها عن نصرته ، وينفذ في زنادها شهاباً ثاقباً من منجم قلبه المتفجر ..

 

وسقطت يومها مظاهرات العداوات القديمة ما بين عوام الشيعة وكبارهم بين وأهل السنة .. وانشق صف الشيعة على أعلى المستويات وأكبر المرجعيات ، وتعرت أمام عوام الشيعة حقائق الدعاوى ونفاق الأئمة .

 

وفرّ الجنود البريطانيون من شوارع البصرة الداخلية ، ولجئوا للخطوط الخارجية ...

 

واختفى الأسبان والإيطاليون من المدن ، وظهر أن البلاد قد تطهرت منهم ..

 

وقد كانت هذه هي الخطوة الأولى المعتادة في تحرير كل بلد من المستعمر ، ولم يبق إلا أن يفروا إلى خارج البلاد ويعلنوا الهزيمة الكبرى بصيغة إعلامية مخصوصة أو مفضوحة ..!

 

فهل كانت هذه الهدنة انجازاً أم كانت كارثة ..؟!

 

وهل كان في صالح الفلوجة أم كانت هي الكارثة التي حلت بهم ..؟!

 

ومن الذي انتفع حقيقة بها ، أهم المجاهدون أم هم الصليبيون ..؟!

 

ألم يقل بوش نفسه بادئ ذي بدئ : لا بد من أن يسلم هؤلاء الذين قطعوا وأحرقوا الأمريكان الأربعة ..؟!

 

ألم يقل [ أرميتاج ] نائب وزير الخارجية حين سئل عما سيصنعون في الفلوجة وذلك قبل الهجوم عليها بيومين : ' إن العالم كله سوف يشهد ما الذي ستفعله القوات الأمريكية بالفلوجة ' ..

 

ألم يصرح العسكريون الأمريكيون قبل القتال بتصريحات مرعبة ، يريدون من خلالها أن ينصروا بالرعب على بعد أمتار ، ولكن في قلوب مواليهم وموالي الشيطان ..

 

وقد ظنوا أن الرعب سوف يسري إلى قلوب أهل الفلوجة من خلال قعقعة أسلحتهم ، وهملجة دباباتهم ، وحمم طائراتهم .. وأن أهل الفلوجة سوف يسلمون مدينتهم بعدما يقدمون أبناءهم وسلاحهم لعدوهم كما يقدمون مفاتيح حصونها المنيعة عن يد وهم صاغرون ..!

 

لقد حاولوا قبل البدء مراراً لفت الانتباه إلى الصدر ، وتعظيم شأنه وخطره ، وهم أعرف به وبأنصاره ، فأخذوا يعلنون بأن مدينة الصدر محاصرة ، ولكن بكم ... بثلاثة عشر دبابة ! وبينما الفلوجة الصغيرة تحاصر بعشرين ألف جندي بالإضافة إلى الآليات والطائرات والصواريخ ، وأبى الله إلا أن يوقعهم في مكرهم حين بالغوا في استخدام القوة وإسالة الدماء في الشيعة ، فالتف كل ناقم شيعي حول المنفذ الوحيد لقتال الأمريكان وهو الصدر الذي رأى عوام الشيعة وأشرافهم في موقفه فرصة لإزالة العار والنقيصة التي أصابتهم أمام العالم على وجه العموم وأهل السنة العراقيين على وجه الخصوص من رميهم بالجبن والنفاق والموالاة للمحتل ، فتجمع حوله هذا النوع من الشيعة وهم لا يشعرون ..

 

وابتدأ القصف على الفلوجة وشدد الأمريكان من لهجتهم وزادوا على شروطهم شروطاً وكانوا مثالاً لمن قال الله فيهم [ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط ] ... واستمر القتال ورفض الأمريكان أي حديث عن صلح بينهم وبين الإرهابيين والمجرمين ؟!

 

وبعدها رضوا بالهدنة في مقابل شروطهم الأربعة الشهيرة ، ثم وافقوا ، بل طلبوا الهدنة بغير شروط ..

 

ثم بدؤوا الانسحاب فعلياً قبل التوصل إلى أي حل ، وانسحبوا من بعض المواقع المحيطة بالفلوجة

 

***

 

 

وبينما المفاوضات تجري ، يعلن ' كميت ' نائب قائد القوات في يوم 13/3 في مؤتمر صحفي بأنهم طلبوا حصراً لأعداد القتلى والجرحى بدقة من مصادر موثوقة لأمن أجهزة الدعاية ...! يشير بذلك للمفاوضين أننا موافقون على تعويض أهالي القتلى والجرحى كما طلبتم منا ..؟!

 

 

 

واستمر الانحدار والتراجع الانهزامي في الموقف الأمريكي أمام مجاهدي الفلوجة ..

 

 

وأخيراً يبتدئ الانسحاب ، و يشاغل الأمريكان المجاهدين بالطائرات ليتمكن جنودهم من الفرار ، ويتراقص جنودهم على الخطوط الخارجية فرحاً بقرار الفرار ..!

 

ويعلن [ كميت ] وقائد الفرقة الأولى بغباء بأن الاحتمالات الآن كلها مفتوحة على الفلوجة وأننا انسحبنا منها دون شروط ..؟!

 

إنه إعلان هزيمة الفرار بوضوح ، وإلا كيف تنسحب دون شروط ..؟!

 

وهل من انسحب دون شروط يفكر يوماً بالعودة إلى وادي الموت ، وخنادق الجحيم وأرض الفالج ..؟!

 

فهل كانت هذه الخطوات التراجعية من المعتدي ابتداءً علامة انحدار وذل وهزيمة أم علامة انتصار ... حتى تأتي هيئة علماء المسلمين فتتدخل لتوقف الانهيار الأمريكي المريع ، وتجمد الصولة الفلوجية العزوم ، والهبّة العراقية الناصرة ..

 

لقد تنفس الأمريكيون الصعداء حين ابتدأ الحوار بين الطرفين ، وخرج رؤوس الكفر يومها وما استطاعوا أن يكتموا فرحهم بنجاة أمتهم ، وقال بوش : ' لقد كان أسبوعاً عصيباً '..

 

واستغرب رامسفليد من كثرة القتلى في صفوف جنده وهو المعروف بالكذب والنكران ..

 

لقد كانت أشبه بمصارعة عملاق ضخم مع ضعيف صغير في حلبة ، وقد ضرب الصغير العملاق فآذاه وأدماه ، فتعثر العملاق مكباً على وجهه ، والآخر ينهال عليه ضرباً وذلك يهوي للسقوط ... فبادرهما الحكم بانتهاء الجولة الأولى ، فاستعاد العملاق عافيته وتوازنه ليبدأ جولة أخرى بعدما أخذ حذره ..!

 

 

الوقفة الثالثة : هم العدو ... فاحذرهم

 

لقد كسرت ظهور النصوص بشاطور المصلحة ، واليوم يرفع شاطور المصلحة الدعوية والحزبية على ظهر الجهاد ، وكأن الجهاد هذا سيذهب مصالح الدعوة ..

 

فهل كان هذا الرعب الذي سرى في قلوب الأعداء إلا بالجهاد في سبيل الله ...؟!

 

وهل كان هذا الفرار من الخدمة العسكرية إلا بالجهاد ...؟!

 

وهل كان التعجيل في نقل الحكم إلى السلطة العميلة إلا بالجهاد ...؟!

 

وهل إعطاء المجلس الانتقالي ثقلاً مصطنعاً إلا بالجهاد ...؟!

 

وهل بروز رؤوس النفاق وتميز المنافقين وافتضاحهم إلا بالجهاد ..؟!

 

وهل تميز المناهج الدعوية الحقة عن مناهج المصلحة الحزبية إلا بالجهاد ..؟!

 

وهل بدء انسحاب القوات التحالفية إلا بالجهاد ...؟!

 

وهل استجداء الأمريكان العراقيين من إعادة الوظائف والخدمات وكسب المشاعر المصطنعة إلا بالجهاد ...

 

وهل سقوط مهابة أمريكا في العالم إلا بالجهاد ..؟!

 

 

نعم ، أنا أدرك أن بعض الحزبيين المصلحين الإسلاميين يحاولون أن يظهروا عند المجاهدين أنهم مجاهدون ، ويظهروا عند الآخرين أنهم مسالمون ... والشعب العراقي يعرفهم جيداً والأحداث قد فضحتهم ، وهذا والله من بركة الجهاد الذي يقول الله تعالى فيه : [ أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون ] التوبة 16

 

 

نعم إن الشعب العراقي يدرك من قالوا من قبل لصدام حسين حين دعاهم للقتال ضد الأمريكان ، فتنكبوا وقالوا ' لا يوجد الأمن الجهادي وإذا دخل العدو فسوف نجاهده ؟!'

 

 

وبالإضافة إلى ابتداع هذا المصطلح فإنه قد بني عليه أخطر عمل ذلك الإعانة على تسليم البلاد للكافرين ، ليبوء ذاك القائل وحزبه بكل انتهاك لكل ضرورة من ضرورات الإسلام الخمس التي حدثت بعد السقوط ، والتي لا يخفى على أحد آثارها العامة والتاريخية والأممية ..!

 

ثم ها هو العدو قد دخل فأين جهادكم يا أصحاب الأمن الجهادي ..؟!

 

إن كل من في الساحة الجهادية يعلم يقيناً معاداتكم الحقيقية للجهاد والمجاهدين ، وأن ليس لكم من العمليات التي جرت من قبل إلا الدعاوى ، وترويج بعض الصور ونسبتها لكم ، وتبني بعض العمليات التي لا تعرفونها إلا من خلال الإعلام أو العامة ..!

 

وأهل الميدان يعرفون ذلك جيداً ..!

 

وقد جاء الدليل الأعظم على ذلك وهو مناشدتكم المجاهدين إيقاف الجهاد ، وسعيكم لدى هيئة العلماء بالشفاعة في ذلك ..

 

 

فأين من كان يقول لا نجاهد الآن ، وإذا دخل العدو جاهدناه ..

 

 

هنيئاً للعدو بهذا الجهاد ...!

 

 

ولكنها سنة الله وثمرة من ثمرات الجهاد العظمى ، إذ قال الله تعالى :  (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ . وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ . الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (آل عمران166:168)

 

 

ثم أي مقارنة بين ما كنا وما أصبحنا ! لا والله لا مقارنة بين مفاسد جزئية وبين مفاسد كلية علينا وعلى الأمة ..

 

لا مقارنة بين من كان يجلد ظهرك وبين من ينتهك عرضك ويفسد جيلك ويقضي على دينك ..! ... لا مقارنة ... !

 

لا مقارنة بين مصلحة عودة فلان وفلان من الدعاة من الخارج ... وبين عودة الزنادقة وسلالة ابن سلول وعودة اليهود والصليبيين ... لا مقارنة ..!

 

ولا مقارنة بين إشهار حزب إسلامي وإقامة مقرات له ولغيره ... وبين أن يكون مقر حكم العراق بيد البيت الأبيض والكنيست الإسرائيلي ومواليهم داخل العراق .. لا مقارنة ..!

 

ولا مقارنة بين أن يفرح البعض بفتح التمليك في بغداد وتفتح الأسواق للبضائع الأمريكية وتفتح القنوات الفضائية ... وبين أن تباع البلاد كلها ، ويستعلن المنكر وتستباح المخدرات والأفيون والدعارة ... لا مقارنة.. !

 

لا مقارنة بين التضييق الأمني ... مع الضبط والربط للنظام العام والخاص في البلاد وقتل الداعرات وبين الانفلات الكامل وانفتاح الحدود على آخرها انتهاب البلاد علانية ظاهراً وباطناً ، وأهلها لا يملكون رداً ولا صداً ... لا مقارنة .!

 

لا مقارنة بين أن تصدر بعض الصحف المصلحية الحزبية الإسلامية بحرية مطلقة في شتم صدام وزمرته ، وإعلان الإخاء مع العلمانيين والباطنيين ، وبين أن يصبح الشرك بالله في العراق هو الأعلى والأظهر على مستوى العالم كله ، وتسير الجموع فيه بالملايين راكبة وراجلة وزاحفة ، مشركة بالله تعالى ..!

 

لا مقارنة بين مناهج تعليمية عليها صورة رئيس ، وبين أن ينسف منهج الجيل لتضعه لجنة مشتركة فيها صليبيون ويهود متخصصون .وللعلم فلقد ظهرت دراسات تخصصية للمناهج التربوية في البلاد الإسلامية فكان العراق هو الثاني بعد المملكة العربية السعودية قبل ابتداء تغير مناهجها أما بعد تغير المناهج فالعراق هو الأول في المناهج الرسمية ... هذه نقولها للعلم والتاريخ .. لا مقارنة ..!

 

لا مقارنة بين أن يعود نشاط حزب إسلامي وترفع راياته اليوم ، وبين أن تقصف فيه المساجد ، ويقتل فيها الراكع والساجد والمجاهد ، بينما كان العراق هو الأول على مستوى العالم في بناء المساجد ..

 

لا مقارنة بين عشر سنين عاشت فيها المساجد والدعوة ، والحلقات الشرعية والحجاب ، والمعاهد الشرعية في عصرها الذهبي منذ زمن ، وبين أيام ينتشر فيها عرض العراق وعورة العراق رجالاً ونساءً في الفضائيات أمام العالمين ... والمرء لا يملك إلا البكاء

 

تبكي الحنيفية البيضاء من أسف ... كما بكى لفراق الإلف رغدان

يقودهــا العلـج للمكروه مكرهة ... والعين باكية والقلب حيران

لمثل هذا يذوب القلب من كمد ... إن كان في القلب إسلام وإيمان ..؟!

 

 

لا مقارنة بين بلد كان الأطهر على مستوى العالم الإسلامي من الأفيون ، والأوحد في العالم عداءً لليهود والنصارى والأكثر نصرة للفلسطينيين من شهداء ومنكوبين ، وطلاب مدارس وجامعات في العراق ، وبين أن يصبح البوابة المفتوحة لليهود والنصارى للمرور إلى بلاد المسلمين ومناهجهم وأجيالهم ..

 

هذه حقائق .. من شاء أن يقفز عليها فليقفز ، ولكن يجب أن يكتب للتاريخ ، وإن أبى قراءتها من أبى ، وإن أغمض عينيه من أغمض ، وشاهد العراق بل العالم الإسلامي بل ومن سودت عينيه أنوار الفضائيات والدعايات ، فلينظر في ضدها وليتأمل واقع العراق بل واقع العالم مقارناً ولا مقارنة ..؟!

 

العالم كله شاهد قائم وحبر التغيير لم يجف بعد ، والله تعالى يقول : [ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ] النساء 135

 

 

 

فإن أبى الآخرون إلا أن يعظموا الحزب الإسلامي وأشخاصه حتى يعدوا عودتهم للعراق فتح الفتوح ، ويتناسوا كل هذه المفاسد الكلية ، فإن هذا دليل على أن الإسلام ليس هو الغاية ، إنما الغاية هو الحزب ، وإن أي نصر للإسلام عن غير طريق الحزب مرفوض ، وأن أي قيادة لا تخرج من تحت عباءته محاربة !

 

وليس الأمر كما قال هذا التربوي الحزبي الإسلامي وأمثاله من أن القتال تحت راية صدام ضد الأمريكان لا يجوز ، فإن علماءنا يقولون بمشروعيته ، لو كان هؤلاء المسلمون في بلاد كافرة وكانوا أقلية دفاعاً عن تلك البلاد ، فكيف ... والحال كما تعلمون ...

 

قال السرخسي الحنفي رحمه الله : إذا كان قوم من المؤمنين مستأمنين في دار الحرب ، فأغار على تلك الدار قوم من أهل الحرب ، لم يحل لهؤلاء المسلمين أن يقاتلوهم ، لأن في القتال تعريض للنفس ، فلا يحل ذلك إلا على وجه إعلاء كلمة الله عز وجل وإعزاز الدين وذلك لا يوجد ههنا ، لأن أحكام أهل الشرك غالبة فيهم ، فلا يستطيع المسلمون أن يحكموا بأحكام أهل الإسلام ، فكان قتالهم في الصورة لإعلاء كلمة الشرك وذلك لا يحل إلا أن يخافوا على أنفسهم من أولئك ، فحينئذ لا بأس بأن يقاتلوهم للدفع عن أنفسهم ، لا لإعلاء كلمة الشرك ، والأصل فيه حديث جعفر رضي الله عنه ، فإنه قاتل بالحبشة العدو الذي كان قصد النجاشي ، وإنما فعل ذلك لأنه لما كان مع المسلمين يومئذ آمناً عند النجاشي فكان يخاف على نفسه وعلى المسلمين من غيره ، فعرفنا أنه لا بأس بذلك عند الخوف '[1]

 

 

 

وقال محمد بن الحسن رحمه الله [2] :' إذا كانوا يخافون أولئك الآخرين على أنفسهم ، فلا بأس بأن يقاتلوهم ، لأنهم يدفعون الآن شر القتل عن أنفسهم ، فإنهم يأمنون الذين هم في أيديهم على أنفسهم ، ولا يأمنون الآخرين ، إن وقعوا في أيديهم ، فحل لهم أن يقاتلوا دفعاً عن أنفسهم .'

 

 

وقال البهوتي الحنبلي رحمه الله [3]: ' تحرم إعانة الكفار على عدو منهم إلا خوفاً من شرهم لقوله تعالى : [ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ] .

 

 

 

إن الحكم الشرعي الذي قرره هؤلاء العلماء الثلاثة وغيرهم كثير هو :

 

' الجواز الشرعي للقتال تحت راية الحاكم الكافر بالقيد المذكور ، أما إذا كان مسلماً فلا خلاف في الوجوب ، ومع هذا فثمة أمور لا بد من بيانها على ما نقلناه من السرخسي ومحمد بن الحسن والبهوتي ، لئلا يخطئ أحد في تطبيقها على الواقع العراقي ، تلك الأمر هي :

 

 

 

أولاً : قال السرخسي : ' إذا كان قوم من المسلمين مستأمنين في دار الحرب '

 

والواقع أن العراق بلد إسلامي وهي دار إسلام وأهلها ليسوا مستأمنين وإنما هم مسلمون في دار إسلام ، وعليه فإنه إذا اختلف الوصف اختلف الحكم ...

 

والحكم يدور مع علته كما هو مقرر ، ويصبح الدفاع عنها دفاعاً عن دار الإسلام .

 

والدفاع عن دار الإسلام فرض عين على أهلها ...

 

ثانياً : ' إلا أن يخافوا على أنفسهم من أولئك '

 

وهذا ضابط المستأمنين الذين في دار الحرب ، أما إذا كانوا مسلمين في دار إسلام فإن الخوف يتعدى النفس إلى الدين أولاً وإلى بلاد المسلمين ثانياً ، وإلى انتهاك الضرورات الخمس ، وقرائن ذلك في أفغانستان وغيرها قائمة ..!

 

بل لو كان ثمة عدو تخافه على نفسك وعدو تخافه على دينك ، فوجب رد العدو الذي تخافه على دينك ، وإن اقتضى ذلك الوقوف مع العدو الذي تخافه على نفسك ، وذلك لقول الله تعالى : ' الفتنة أكبر من القتل ' وقوله : ' قل إن كان آباؤكم ... إلى قوله وهو الشاهد ... أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره '

 

 

ليس هذا الموقف طارئاً على هذا الحزب ، فنحن كما ذكرنا من قبل أنهم اعتذروا بأعذار باطلة ، فإنهم سوف يتخلفون في كل مرة قادمة ، والأيام بيننا وبينهم ..

 

ونحن هنا نقول لهم ما قال الله فيمن سلف من المخلفين من الأعراب : [ قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ] الفتح 16

 

ليس الجهاد لهؤلاء المتصدرون نحور المجالس ، إنما الجهاد لأولئك الفقراء ، الذين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام ، الشعثة رؤوسهم الدنسة ثيابهم الذين جعلوا سيوفهم على عواتقهم ، يطلبون الموت مظانة كلما سمعوا هيعة طاروا إليها ... لا إلى أصحاب الأناشيد الجهادية المائعة ، والبدلات الغربية اللامعة ، والوجوه الحسناء الملمعة ... والآمال الطامعة .

 

وستأتي الأيام وسيرى الناس كيف يقف هؤلاء المتحزبون الإسلاميون في وجه الجهاد والمجاهدين، ويعتبرونهم العدو الأول قبل الأمريكان، لأنهم يفسدون الأمن الذي يرجوه الأمريكان ليستقروا ، ويرجوه هؤلاء ليقبضوا ويعلوا تماماً كما هو الأمر مع أئمة الرافضة ..

 

وقد ظهرت حربهم للجهاد حتى على المنابر والعياذ بالله تعالى ، ومع هذا فإنهم سادة المتاجرين بدماء أهل الفلوجة والجهاد لابتزاز جيوب أهل الخليج العربي والعالم الإسلامي .

 

وجمع الأصوات في العراق متى احتاجوا له .. لأنهم المتلبسين زوراً وبهتاناً بالجهاد في سبيل الله الناحبين على القتلى والمجروحين والمنكوبين الساكبين عليها دموع التماسيح .

 

ولا يحتجن واحد من هؤلاء على صدقهم بحماس ، فلحماس ظروفها الخاصة ومنهجها الذي نشزت فيه عن البقية الحزبية في فرعها الجهادي على وجه الخصوص ، ثم ماذا يمكن أن يكون حماس ، وما هو الخيار الآخر أمامها جزاهم الله خيراً ..

 

ومن المعلوم لدى جميع الذين جاهدوا في أفغانستان أن هؤلاء ما كانوا يجاهدون هناك ، وإن كانوا يهزون أعواد المنابر في بلدانهم بالجهاد ، ويجمعون الملايين من الناس ، إنما كانوا يجمعون أصحابهم المتحمسين ، الذين يذهبون من بلدانهم إلى الجهاد في معسكر خاص بهم اسمه ' معسكر .... ' في منطقة ..... في أفغانستان ، وذلك لمنعهم من الجهاد الفعلي ، بل قد واجه من نعرف من إخواننا الملتزمين معهم العقاب حين خالف ولم ينضم إلى معسكرهم وشارك في الجهاد فعلياً ..

 

ماذا ينتظر هؤلاء المتحزبون حتى يخرجوا الجهاد من اللسان إلى السنان ، ومن الأنشاد إلى الإستشهاد ، ومن المحاضرات إلى المواجهات ، ومن الكلام إلى الكِلام ويقفوا في صف المجاهدين لا صف أولياء الشياطين ..

 

أينتظرون الانسحاب الطوعي لهؤلاء المعتدين دون ضربات المجاهدين .. والله تعالى يقول في كتابه : [ إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون ] ..

 

أم ينتظروا تحقق المكافأة بيننا وبين المحتلين ، بينما الله الذي تكفل بالنصر ما اشترط المكافأة وإنما اشترط الاستطاعة في إعداد العدة فقال سبحانه : [ وأعدوا لهم ما استطعتم ] ..

 

 

فلا هم أخذوا بالمكافأة كما يزعمون ولا هم أعدوا عدة الإستطاعة .. وصدق الله إذ قال : [ ولو ارادوا الخروج لأعدوا له عدة ]

 

 

أم ينتظر هؤلاء أن يأتيهم النصر من الخارج من دول الجوار ، أو من مجلس الأمن ..؟!

 

وهل دخل العدو العراق إلا من دول الجوار وبسبب مجلس الأمن ..

 

أم ينتظر هؤلاء خروج المهدي ليكونوا من جنده ..!

 

والمهدي لن يخرج فينتصر إلا بنصرة عصائب العراق الجهادية له ..!

 

لينتظر هؤلاء ما شاءوا ، ويفعلوا ما يشاءوا ... ولكن ليتركوا التعويق والتثبيط والتقعيد والتخليف وشق الصف المرصوص ، وطعن المجاهدين من على المنابر ، وفي الكتابات والمحابر .. ورميهم بقلة الفقه ، وانعدام الحكمة ، والنظرة البعيدة ، وعدم فهم السياسة الشرعية والمصالح المرعية وما إلى ذلك من مصطلحات يريدون بها إزاحة النصوص عن موطنها لتزكية أنفسهم بطريق مفهوم المخالفة ، وما القصد إلا التنصل من الجهاد في سبيل الله في الفلوجة وغيرها ، ومقارعة الأعداء فإذا ما ذهب الأعداء عن الفلوجة ، فما أطول ألسنتهم وأعظم دعاواهم ، وإذا عادوا تمنوا أنهم خارجها .. وصدق الله إذ قال مفصلاً وموضحاً .. فما أعظم ما قال الله : [ وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها وكان الله على كل شيء قديرا ] الأحزاب 20ـ27

 

 

 

إن سلسلة الأعذار التي يتذرع بها المنافقون في تاريخهم الطويل كلما جاء الجهاد طويلة عريضة ولكنها واحدة في حقيقتها ، وما ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز منصوصة مفصلة إلا لفوائد عظيمة منها أنها تتكرر كلما جاء الجهاد .

 

فلنقرأ سورة التوبة والأحزاب وآل عمران وغيرها من السور التي ذكر فيها المنافقين وأعذارهم ودعاواهم قراءة جديدة حية ، وسنجد أن أشخاص تلك السور أحياء ، وإن اختلفت الأسماء : [ إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ] النساء 146

 

فلينتفض كل منصف قائداً كان أم تابعا ، من تحزب يرديه إلى درجة النفاق ، ويسكنه الدرك الأسفل من النار ، وهو يحسب أنه من الذين يحسنون صنعا ..

 

فهذا كتاب الله ، وهذه سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ليس لهما ظاهراً يفهمه عامة الملتزمين ، وباطناً يفهمه القادة .

 

أي عبادة للمناصب الكفرية هذه التي تجعل محسن عبد الحميد وزمرته جميعاً يرضون بها كرسياً قائماً ولو على أنقاض الفلوجة .. وهو ما زال يهدد بالإستقالة ..؟!