في مواسم الجنازات العربية الدم أصدق أنباء من الشجب
بقلم :عزازي
علي عزازي
الدم يسيل أنهارا
وجداول، تسقي عطش الأرض للثأر وللخلاص، يتعمد بها شهداء اليوم وشهداء الغد، يتوضأ
منها المجاهدون، في فلسطين والعراق، أسبوع من المذابح التي أقامها جزارو المارينز
في مدن العراق، وسفاحو صهيون في مدن الأرض المحتلة، في ليلة واحدة سقط 74 شهيدا في
مدينتي البصرة والزبير منهم 25 تلميذة عراقية، أشارت بعض المصادر لتورط الحلف
الأنجلو أمريكي فيها، وفي الليلة نفسها كانت الأرض المحتلة في فلسطين في قلقيلية
ودير البلح وبيت لاهيا تودع تسعة من الشهداء الأبرياء منهم طفلتان (أسماء أبو قليق
ومني أبو طبق) والفتي محمد الملفوح 16 عاما وذلك برصاص جنود الاحتلال الصهيوني، في
سياق المذابح اليومية، ومواسم الجنازات العربية التي تتوالي أمام الأعين الخرساء
والقلوب البكماء.. تمر المحفات الخضر مزدانة بالعلم الفلسطيني، تطل منها وجوه
وضاءة، أولاد وبنات ورجال، شيوخ ونساء، تلتهمهم مفرمة القتل الصهيوني، تحولت
الجنازات إلي مشهد يومي ثابت يفقأ العين ويعصر مداد القلب، ويمزق الأحشاء، وفي
أعقاب الخبر اليومي المصور بحناء الأوردة والشرايين، تتري أخبار مناقضة ومناهضة
لاجتماعات ولقاءات واستقبالات لمسئولين عرب، يبتسمون بل يضحكون بملء الشدقين،
يجلسون في خيلاء زائف، يهللون للكاميرات، يتراقصون كغانيات الفيديو كليب، يتحدث
بعضهم عن سلام لا نعرف ماهيته ولا أطرافه ولا زمانه ولا مكانه، ربما لا يقصدون سوي
السلام المرٌîبع للجدعان السكاري والمسطولين، الذين يرقصون
في العزاء غير آبهين للمشاعر الثكلي، ويتعجب المشاهد العربي ويتعذب من هذا التناقض
وتلك البلادة في الأحاسيس ولسان حاله يقول: (قاعدين ليه ما تقوموا تروحوا)..
الدم كالمطر،
والشهداء بالعشرات والمئات، والجنازات تحتل قطاع الأخبار وعرش الصورة الناطقة،
بينما هؤلاء لا يدارون سوءاتهم ويصرون علي التصوير بالكاميرا الثابتة، وهم في
أوضاع مخجلة، فالدم لا تمسحه كلمات عاجزة يائسة تصدر ممن فقدوا أهليتهم علي
الانتماء للرجولة.
هذه الساعات الساخنة،
والأيام التي تشتعل فيها الأرض، وتنتفض الدماء، في هذا الأسبوع الذي استهله بوش
بوعد بلفور جديد يعطي شارون الحق في حدود جديدة، ويحرم الفلسطينيين من حقوق دولية
مستقرة كانت نتيجة هذا الوعد اغتيال الرنتيسي، وعودة الجنازات إلي الأراضي العربية.
في هذا الأسبوع وقف السفاح الديمقراطي شارون ليعلن من فوق منصة الكنيست: (إن
الإنجاز الذي حصلنا عليه من بوش غير مسبوق في تاريخ دولة 'إسرائيل'، ووثيقة بوش
تمثل أكبر ضربة للفلسطينيين منذ عام 1948)، وجاء الرد سريعا من فوق منصة البيت
الأبيض علي لسان السفاح الجمهوري بوش: (يتعين علي العالم أجمع أن يقول شكرا لشارون)..
كانت هذه التهاني
تتبادل بين زعيمي العصابتين في أعقاب اغتيال أسد فلسطين عبد العزيز الرنتيسي، وذلك
بعد أن قدمت الولايات المتحدة الأمريكية أول اعتراف رسمي صريح وواضح بحدود أمنية
لدولة الكيان الصهيوني إلي جانب حقها المطلق في الدفاع عن نفسها في كل مكان،
بالإضافة لضمان قوة الردع الإسرائيلية ضد أي تهديد خارجي، هذا الموقف الأمريكي
الجديد عبر عن رفضه الشهيد الراحل عبد العزيز الرنتيسي قبل رحيله بساعات حينما قال:
(لم تكن هناك أية مفاجأة لدينا لسماع الموقف العدائي من قبل دولة فقدت كل القيم
الإنسانية حتي وصل بها الإسفاف أن تطالب صاحب الحق أن يتنازل عن حقه الإنساني في
العودة إلي وطنه لصالح المجرمين الذين أخرجوه من الوطن، إن هذا الموقف الصهيوني من
الجانب الأمريكي وضع حدا للرهان علي سراب الحل السلمي).. وقد أعلن الرنتيسي في آخر
كلمات قالها قبيل رحيله في مهرجان خانيونس للتضامن مع الأسري، قال: إننا نتمسك
بخيار المقاومة والجهاد حتي دحر الاحتلال ونيل الحقوق، وأن المقاومة مستمرة حتي
بعد انسحاب الاحتلال من قطاع غزة. كان هذا هو رد فعل الشهيد قبل ساعات من اغتياله،
بينما لم نر أي ردود أفعال أخري علي امتداد الحكومات العربية، ولم تجد السلطة
الفلسطينية غير بحث اقتراح باستقالة جماعية احتجاجا علي الموقف الأمريكي المنحاز
للموقف الصهيوني.
الشهداء يردون بقوة
قبل الوفاة وبعد حياة الخلد، المعزون في الجنازات يصرون علي رفع الأيادي بعلامات
النصر، تغلي في عروقهم دماء الثأر، فوالله لو أمة حية، ورأت مشهد الأطفال الشهداء
محمولين علي المحفات لتركوا الدنيا خلف ظهورهم، وبايعوا الله علي الثأر لأرض
المقدس والقصاص لأبناء الله، يقومون قومة ما بعدها قعود، لكن الأحياء في الأرض
المحتلة (فلسطين والعراق) هم الأحياء، أما الأموات فهم الذين يسكنون باقي الأنحاء،
حتي لو احترقوا في مقاعدهم رفضا وتنديدا وشجبا، فسيبقي الدم هو الأصدق أنباء من أي
شجب.