دوامة الابراهيمي
بقلم :محمد
كريشان
لا أحد يعرف بالضبط
كيف سيتمكن المبعوث الخاص للأمم المتحدة للعراق الأخضر الابراهيمي من تجاوز هذا
الكم الهائل من التناقضات والتجاذبات في ترتيب الوضع العراقي قبل موعد الثلاثين من
حزيران (يونيو) التاريخ المحدد لتشكيل حكومة انتقالية تستمر حتي نهاية العام تضع
دستورا دائما للبلاد وتمهد لانتخابات عامة مع بداية العـــام المقبل.
وإذا كان الابراهيمي
وهو يعرض تقريره في نيويورك علي مجلس الأمن أمس الثلاثاء يطمع في استصدار قرار
جديد يضفي الشرعية علي عملية نقل السلطة في العراق من مجلس الحكم الحالي إلي حكومة
انتقالية ومنها إلي حكومة دائمة تحظي بالشرعية، فإن مجلس الحكم شرع هو الآخر في
بغداد في نفس اليوم في إجراء سلسلة اجتماعات علي مدي ثلاثة أيام للخوض في ذات
الموضوع الذي ما زال يلفه الكثير من الغموض وتثار حوله الكثير من الأسئلة لا تتعلق
كثيرا بمدي القدرة علي احترام التواريخ المحددة قدر تعلقها بصلاحيات هذه الحكومة
ومدي سيادتها في ظل زوال الاحتلال رسميا وبقائه عمليا فضلا عن هذا التنافس العلني
والخفي بين كثير من الفرقاء للظفر بمقعد فيها.
الكل يجمع الآن علي
أهمية احترام موعد الثلاثين من شهر حزيران (يونيو) وهو ما ألحت عليه تصريحات
أمريكية في مناسبات مختلفة غير أن ذلك وإن كان ممكنا بطبيعة الحال و ليس من الحكمة
ارجاؤه إلا أنه لن يكون سهلا بالتأكيد وفق تصريحات الابراهيمي الأخيرة، بل وقد
يصبح الأمر برمته مستحيلا إذا ما انفجرت الأوضاع بالكامل في العتبات المقدسة في
النجف والكوفة وكربلاء أو عاد الوضع في الفلوجة إلي الانفجار من جديد أو كلاهما
معا مما يجعل من الصعب في ظل مناخات كهذه الحديث عن تشكيلة حكومية جديدة مقنعة
وذات مصداقية مهما خلصت النوايا. هذا دون أن نستثني حدوث عمليات مقاومة نوعية تربك
الحسابات الأمريكية وسعي واشنطن لتدخل الأمم المتحدة لإخراجها من الورطة الحقيقية
التي وقعت فيها في العراق وأوقعت فيها غيرها كذلك مما قد يهدد وقتها كامل المخطط
الحالي بالسقوط في الماء خاصة إذا جعل إدارة بوش تبدو، وهي علي أبواب الاستحقاق
الانتخابي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، في صورة اللاهث المستميت علي طوق نجاة
ترمي به لها الأمم المتحدة مما يهز من هيبتها في نظر رأيها العام الداخلي والخارجي
علي حد سواء.
أما فيما يتعلق
بصلاحيات الحكومة العراقية المرتقبة، فإن زحمة آراء تتدافع الآن في هذا الشأن وكل
واحدة منها تزيد الوضع التباسا فوزير الخارجية الأمريكي تحدث عن سيادة محدودة
للحكومة المقبلة التي ستقتصر مهامها كما قال علي القضايا الأمنية قبل أن يوضح
الابراهيمي لاحقا أن العراقيين لن يتمتعوا بـ سيـــادة محدودة بل بـ سلطات محدودة .
إذن المسألة جوهرية ولا تتحمل بالتأكيد أي لعب بالكلمات خاصة وأن الابراهيمي مدعو
لتعيين أعضاء هذه الحكومة بالتنسيق مع الأمريكيين ومختلف الفرقاء العراقيين الذين
قد يربط بعضهم أية مشاركة بمدي معرفتهم المشروعة لحجم الصلاحيات التي يفترض أن
يتمتعوا حتي يقع تجنب تكرار تجربة مجلس الحكم الذي ظلت لعنة عجزه وتعيين أعضائه من
قبل بريمر تلاحقهم باستمرار. ومن الصعب هنا تصور أن تفرض الأمم المتحدة شروطها
بالكامل علي واشنطن أو العكس بحيث يتحتم انتظار طبيعة التسويات المنتظرة.
المسألة الأخيرة
تتعلق بأسماء أعضاء الحكومة الانتقالية المنتظرة في ظل التسريبات عن إبعاد معظم
أعضاء مجلس الحكم ولا سيما تلك الشخصيات "المحروقة" من أمثال أحمد
الجلبي والتركيز علي كفاءات تكنوقراطية ذات مصداقية مما فتح في وجه الابراهيمي
سلسلة انتقادات شديدة من قبل المؤتمر الوطني الذي اتهم في أحد أعداد صحيفته
اليومية المؤتمر الابراهيمي بأنه يريد حكم العراق بدل بريمر مع تلميحات الجلبي له
بأنه جزائري ولا يقوم بدور للم شمل العراقيين في إيحاء واضح بأنه سني وهو ما رد
عليه الابراهيمي باستخفاف. وقد يكون ما قاله جلبي بداية انتقادات شخصية من قبل كل
من سيتم تحييدهم أو إبعادهم عن الترتيبات المقبلة.