المقاومة أولا وثانيّا وأخيرا
بقلم :يحيي
أبوزكريا
يجمع العرب والمسلمون
الذين يجاوز عددهم المليّار علي أنّ الكيان الصهيوني يصرّ علي إذلالهم وتحطيم
كرامتهم والدوس علي مقدساتهم وذبح رجالهم ونسائهم وأطفالهم وإحراق قراهم وإستئصال
زيتونهم وأسر قبلتهم الأولي وتهويد هويتها وسرقة مياههم وأرضهم.
وأمام هذه الغطرسة
الصهيوينة يتوزّع المنطق السياسي العربي والإسلامي في كيفية التعاطي مع الكيان
الصهيوني الغاصب علي محورين، فالمحور الأولي وتمثلّه الأقلية السلطوية التغريبيّة
والتطبيعية فتري أنّ خيار الحل السياسي هو الأمثل في التعامل مع الحالة الصهيونية
ورغم إنفتاح هذا المحور علي الكيان الصهيوني تطبيعا وتعاونا سياسيّا وتجاريّا
وإقامته لأعراس السلام الوهميّة مع الكيان الصهيوني إلاّ أنّ أصحاب هذا المحور لم
يوقفوا الحركة الصهيونية المتجسدّة في مؤسسات الدولة العبرية المدنية والعسكريّة
من الإيغال في دمويتها وتجبرّها وتطرفها الأعمي وسياسة حصاد الرؤوس والأجساد التي
تنتهجها، ويتمتّع أصحاب هذا المحور بنفوذ واسع وبولاءات عميقة للإرادات الدوليّة
ويسعون لفرض هذا التوجّه علي المستضعفين في خطّ طنجة - جاكرتا.
والمحور الثاني يتبني
خيّار المقاومة والجهاد والنضال ضدّ الكيان الصهيوني حتي يمحي بشكل كامل من أرض
العرب والمسلمين ومثلما كان معدوما في الماضي القريب يجب أن يستمر معدوما في راهن
الإيّام وقابلها، ويتكتّل حول هذا المحور الأغلبية الساحقة المستضعفة في العالم
العربي والإسلامي والمحرومة من صناعة أي فعل جهادي ومقاوم ضدّ الكيان الصهيوني
بسبب حالات الطوارئ السائدة في العالمين العربي والإسلامي، وبسبب مواثيق السلام
المزيفّة مع كيّان الدم الصهيوني وبسبب الخوف الرهيب من الولايات المتحدّة
الأمريكية التي تعتبر المساس بأمن الكيّان الصهيوني مساس بأمنها.
وعلي رغم إيمان
المليار مسلم بأنّ أرض فلسطين السليبة لن تسترجع إلاّ بالجهاد والنضال إلاّ أنّ
هذا المليار لم يتمكن من تحويل القول إلي فعل، والنيّة إلي مصداق، ولو تحققّ ذلك
لزالت إسرائيل نهائيا من الوجود، وهنا لا داعي لإعادة التأكيد بأنّ خيار المقاومة
والجهاد ضدّ الكيان الصهيوني هو الموصل فعليّا إلي النتائج السياسية والميدانية
التي تحقق الهدف المركزي للعرب والمسلمين وهو تحرير فلسطين،
وإذا كان الأمر كذلك
فلابدّ من إعادة ترتيب الأولويّات في الساحات العربية والإسلامية بحيث يتمّ
التأكيد علي أنّ الهدف الأساس والمركزي للعرب والمسلمين هو تحرير فلسطين وعلي كل
تيّار وفصيل أن يضع إستراتيجية لتحقيق هذا الهدف وفي أسرع وقت حتي لا يسترسل
الكيان الصهيوني في إنتاج التصدّع والإحباط في واقعنا العربي والإسلامي.
وقبل إطلاق هذه
الإستراتيجيات وتفعيل مصاديق المقاومة علي الأرض لابدّ من تحديد المعوّقات الفعلية
للفعل المقاوم والذي أثبت تاريخنا العربي والإسلامي أنّه به لا بغيره تتحررّ
بلادنا من محتليها وغاصبيها بالحديد والنار، ويمكن حصر معوقات الفعل المقاوم في
أربع عوامل أساسيّة وهي الكيّان الصهيوني والذي تقوم إستراتيجيته علي نسف وقتل وإحراق
وتهشيم رأس كل من يفكّر في إزالة هذه الآفة السرطانية الإسرائيلية من أهمّ منطقة
حيوية في الجغرافيا العربية والإسلامية، وثانيا الولايات المتحدة الأمريكية التي
تمدّ الكيان الصهيوني بكل أسباب القوة العسكرية والسياسية والإقتصادية والأمنية
وتوفّر له الغطاء الشرعي في المحافل الدوليّة، وثالثا النظام الرسمي العربي الذي
يجرّم الفعل المقاوم ويعتبره وسيلة بدائية والذي أغلق الحدود ومنع تدفق المقاومين
عبر الحدود الجغرافية المختلفة وحرص علي الأمن الإسرائيلي والأمريكي أكثر منه علي
سلامة الشعب الفلسطيني وأرضه المحتلة، ورابعا النخب الحداثية والتطبيعيّة في
العالم العربي والإسلامي والتي تعتبر أنّ المنطق الصائب يكمن في معانقة الصهاينة
وطيّ صفحات الماضي وعقد مصالحة بين العرب واسرائيل لأنّ المرحلة تقتضي ذلك ولأنّ
موازين القوة الدولية ليست في إتجاهنا بل في إتجّاه الكيان الصهيوني.
ولن يتطور الفعل
المقاوم للكيان الصهيوني إلاّ إذا رسمت إستراتيجيات في كيفية التعامل مع هذه
المعوقات وإلحاق الهزيمة بها إن أمكن وإضعافها قدر المستطاع لأنّ ضعفها سيؤدّي إلي
رجحان الكفّة للفعل المقاوم الذي لا ولن تتحررّ فلسطين إلاّ به، ومهما كثرت
الأقوال والتنظيرات بشأن جدوي الحلّ السياسي وضرورة مواصلة الإجتماعات الأمنية في
الغرف المغلقة فإنّ كل ذلك يتداعي بصاروخ واحد تطلقه طائرة الأباشي الأمريكية
الصهيونية علي جمجمة من جماجم أطفالنا ورجالنا وشيوخنا في فلسطين المحتلة، ثمّ لم
نسمع يوما أنّ الكيان الصهيوني بكل مؤسساته الأمنية تأثرّ لخطاب سياسي غاضب أو
إعتصام سياسي عربي حاشد لكنّه يقيم الدنيا ولا يقعدها إذا أصيب في أمنه القومي
بفعل ضربات المجاهدين وأحرار الرجال في فلسطين المحتلّة.
ولن يكتب لفلسطين أن
تعود إلي أبنائها وإلي جغرافيتها العربية والإسلامية إلاّ إذا أصبحت المقاومة
عنوانا وشعارا ومنهجا وإستراتيجية للفلسطينيين والعرب والمسلمين، وبدون ذلك ستظلّ
فلسطين في الأسر الصهيوأمريكي !!