النظام العربي وكيل الاستعمار وحين يسقطه يجد نفسه بمواجهة الشعوب
بقلم :احمد
محمد ابراهيم
يشعر الواحد منا الان
بالزهو والفرح يجتاحه، وهو يري الاستعمار الجديد يسحق ويهزم، ويباد علي ارض العراق..
وقد جاء وهو متأكد من انه قادر علي احتلال العالم.. وانه سيقفل الشرق كله بالشمع
الاحمر بلادا وعبادا.. وانه سيجوس خلال بلاد العرب عراقا وشاما وجزيرة، ليفرخ اكثر
من سبعين دولة قبلية وطائفية وعرقية وجهوية، ليحسم الي الابد ذلك الصراع التاريخي
بين الشرق والغرب والذي استمر الاف السنين في يوم واحد، ليغلق كل ملفاته لصالح الغرب
وضد الشرق الي الابد.. الي الابد.. ولكن هيهات هيهات.. فمعركة العراق هي معركة
القومية العربية.. وهي معركة الديانة الاسلامية.. فهي معركة كسر عظم، من يخسرها
اخيرا يفقد كل مقوماته.. ويضيع كل مكتسباته، ويترك علي ارضها كل مطالبه وملفاته.. وليست
المعركة في خسارة جيش السلطة.. ولا في ازالة نظامها البوليسي القمعي.. ولكن
الخسارة ان يذعن العراق تحت سنابك الاحتلال، وان يستقر الاستعمار الجديد علي
الرافدين مستمتعا بنصر رخيص حققه بلا ثمن، ليبحث عن مبرر لغزو سورية.. او ايران.. او
الجزيرة العربية او اي قطر اخر في المنطقة، موسعا من مهامه السياسية والعسكرية،
مضخما من مطالبه السوقية، في محاولة لترتيب المنطقة بطريقة جديدة، وعلي وضع جديد،
فلا مجال لارادة شعب المنطقة.. (او شعوبها) ولا مجال للعروبة، ولا للاسلام، فذلك
ارهاب وتخلف، وعنصرية بزعمهم!
وحين اجتاحت قوات
الاحتلال العراق بسهولة ويسر (لان الشعب العراقي لم يكن يريد القتال عن نظام قمعي
اذاقه الذل والمهانة) رقص اعداء الامة طربا، ونبح كلاب المخابرات الاجنبية في كل
صقع بارد، وتواري الجبناء تحت سجفهم الحريرية، وغمز عملاء الاستعمار اعينهم شماتة
بالامة.. وجأر كل حاقد او موتور او قصير نظر: انظروا.. هذا هو مصير العروبة.. والاسلام
فلا استقلال بعد اليوم ولا حرية.. ولا اشتراكية.. ولا وحدة.
وتوقعنا ان تبدأ
المقاومة بعد اسبوعين من الاحتلال فبدأت خلال يومين من الاحتلال.
وقالوا بانها فلول
النظام.. وانها لن تداوم علي المقاومة.. بل ستنهار في اسبوع واحد او في اسبوعين
علي اكثر تقدير.
وحينما استمرت شهرا..
قال الاحتلال الذي اعلن عن نهاية العمليات العسكرية.. بان اجانب تسللوا من الحدود،
وهم في وضع يائس، ولن يتطلب دمارهم وافناؤهم اكثر من اسبوع واحد.. او اسبوعين!
وكنا نؤمن ـ بحسب
عقيدتنا ـ ان المقاومة التي صمدت شهرا او شهرين كفيلة بان تدمر المحتلين، وان تزيل
الاحتلال الي الابد، ليس من العراق فحسب بل ومن المنطقة. لانه ليس في قدرة احد ـ
مهما كانت قوته العسكرية او غير العسكرية ـ ان يحكم شعبا ليس شعبه، ولا ان يقهر
شعبا يقاوم، فالشعوب المقاومة لا يمكن قهرها. ولا السيطرة عليها.
لم يكن الاستعمار
الجديد يدرك بان النظام الرسمي العربي هو وكيله الوحيد في المنطقة، وحين يسقطه،
يجد نفسه امام الشعب وجها لوجه.. بلا وسيط، والشعب لا يقبل ان يعمل وكيلا محليا
للاستعمار الجديد (كما يفعل النظام الرسمي العربي) وحين يواجههم الشعب مباشرة بلا
وسيط او عميل فان الهزيمة مؤكدة في هذه الحال.. ولا مجال.
قد يخدمنا الاستعمار
الجديد، خدمة جليلة ـ دون قصد منه طبعا ـ اذا تولي ازالة عملائه، ووكلائه بيده
وحررنا من قيودنا المحلية، ومن تلك النظم التي صنعها الاستعمار نفسه.. لنجد انفسنا
وقد تخلصنا من الكابح المحلي الذي يسيطر بلا رحمة، ويعاقب بلا حكمة، ويجلس في
الحكم بلا رسالة ولا هدف، سوي السلطة. فهل كان الاستعمار الجديد سيقدم علي الغزو
لو انه علم هذه الحقيقة؟
هو يكتشف هذه الحقيقة
الان، ولكن بعد فوات الاوان، ولات ساعة ندم!.. هو الان في مواجهة شعب العراق وفي
مواجهة الامة كلها.. وهي تشعر بان واجبها هو هزيمة الغزو الاجنبي، ومقاومة العدوان..
ومحو آثاره.. وطرد اولئك الذين جاءوا علي ظهر دباباته يحملون اكاذيبه وترهاته..
انتفض العراق.. وحين
ينتفض العراق يعطي من دمائه مالا عين رأت ولا اذن سمعت.. سيغرق العدو في الدماء.. وقد
تغرق المنطقة كلها بالدماء.. ولن يقف احد كائنا من كان في طريق بحر الدماء.. الذي
يجتاح موجه الان محتلي العراق واذنابهم.. وبعد العراق عليهم ان يقاتلوا الامة كلها..
اذا ارادوا ان تستمر هذه اللعبة المميتة التي لا طائل من ورائها.. ولن يتمكنوا من
اطالة امد اللعبة اكثر.. سيعودون ادراجهم.. ويذهبون الي المزبلة مثلما ذهبوا من
قبل مرارا.. وسيبقي العراق عربيا مسلما.. حرا.
ولن تقف اثار هذه
المعركة التاريخية عند اسوار بغداد، التي ينتحر الغزاة عندها الان بلا شفقة ولا
رحمة.. ولن تشفع لهم همجيتهم وبربريتهم في قتل الاطفال والنساء والشيوخ والعاجزين
المروعين في تجنب الهزيمة الحتمية.
وربما اطالوا امد
المعاناة.. لهم ولغيرهم، وزادوا نزيف الدماء بتلك العنجهية والغطرسة والكبرياء
الكاذبة، التي يواجهون بها الموقف الان في العراق.. فهم الان احوج ما يكونون لمن
يتبرع بانقاذهم من بين مخالب العراقيين، وينقذهم من كارثة تاريخية تحل بهم، وهزيمة
ماحقة لم يسبق لها مثيل في تاريخهم القصير المليء بالهزائم.. والقسوة والدموية.
هناك وراء الافق
الشرقي (حيث نتجه الي الله سبحانه وتعالي خمس مرات في اليوم) تشمخ بغداد.. (قلعة
الاسود) كما انشدنا صغارا.. وكما نرجو كبارا، تهزها الانفجارات.. ويؤرق ليلها
القصف المستمر، وهي في صحوها لا تنام، ولن تنام، تمارس عادتها في قهر اعدائها
اعداء عروبتها.. تذيقهم مرارة صبرها.. وصلابة جهادها حتي توردهم مهالكهم.. وتسقيهم
حتوفهم ممزوجة بالحسرة والندم.. والمذلة والخسران.. فيصدرون عنها خائبين خائفين
مذعورين.. مهزومين.. فتقوم للعروبة وللاسلام علي انقاض عدوانهم امجاد تلد في
تاريخنا مستقبلا مشرقا بالنصر والوحدة.. وكما هو الحال دائما فان العاقبة للمتقين،
ولا عدوان الا علي الظالمين.
في عقيدتنا نؤمن بان
الحق هو الذي ينتصر اخرا.. وبأن الباطل زاهق وان كانت له علي الارض جولة وصولة.. وان
الارض لله يرثها عباده (الصالحون).. (المقاتلون المجاهدون) العاملون الذين لا
يفرطون في حقوقهم، بزعم ان للعدو قوة اكبر من قوتهم.. فلقد اختط لنا اخواننا الذين
سبقونا بالايمان: ان صاحب الحق مكلف شرعا بالدفاع عن حقه، وان علم بضعفه وبقوة
البغي والعدوان.. فلا مجال للتخلي عن الحق، ولا حجة في ذلك ولا عذر لاحد من
المؤمنين.. اذ لم يرخص الله سبحانه وتعالي في ذلك، وانما جعل الجهاد سنام الايمان (وكم
من فئة قليلة، غلبت فئة كثيرة باذن الله. والله مع الصابرين) ولله الحمد.