"الفلوجة" العراقية تعانق "مخيم جنين" الفلسطيني

 

 

 

بقلم :محمود كعوش

 

أين وجه الحق والعدل في ما يرتكبه الجيش الاسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني من مجازر يومية تصل في كثير من الأحيان الى حد الإبادة الجماعية المتعمدة, كما حصل في "غزة" مؤخراً وفي مخيم جنين قبل عامٍ, على سبيل المثال لا الحصر؟ وأين وجه الحق والعدل في ما يرتكبه الجيش الأميركي بحق الشعب العراقي من مجازر يوميةٍ تصل في كثير من الأحيان الى حد الإبادة الجماعية أيضاً, كما حصل في "الفلوجة" وبلداتٍ عراقيةٍ أخرى, على سبيل المثال لا الحصر كذلك؟ ولماذا تقوم الدنيا ولا تقعد عندما يُقتل جندي أو مستوطن اسرائيلي بيد مقاومٍ فلسطينيٍ وعندما يُقتل جندي أو مرتزق أميركي بيد مقاومٍ عراقي, ولا تقوم الدنيا ولا تقعد عند حدوث المجازر والإبادات الجماعية بحق الشعبين الفلسطيني والعراقي من قِبل الجيشين الاسرائيلي والأميركي؟ لا أعتقد أن الدم الاسرائيلي والأميركي أنقى وأغلى ثمناً من الدم الفلسطيني أو الدم العراقي, بل أجزم قاطعاً أن العكس هو الصحيح.

 

وكيف يُغالط الإرهابيون الاسرائيليون أنفسهم, وهم الذين يحتلون الأرض الفلسطينية بالإرهاب والقتل والبطش والسحل والإبادة الجماعية, وفي وضعٍ مُخالفٍ ومغايرٍ للقانون الدولي والمواثيق والمعاهدات الدولية والشرعية الدولية المتمثلة بمنظمة الأمم المتحدة منذ ستةٍ وخمسين عاماً. ويوجهون تهمة الإرهاب, هكذا جوراً وبهتاناً للفلسطينيين؟ وكيف يغالط الارهابيون الأميركيون أنفسهم أيضاً, وهم الذين يحتلون الأرض العراقية بالارهاب والقتل والبطش والسحل والإبادة الجماعية, وفي وضعٍ مخالفٍ ومغايرٍ للقانون الدولي والمواثيق والمعاهدات الدولية والشرعية الدولية المتمثلة بمنظمة الأمم المتحدة منذ أكثر من عام, ويوجهون تهمة الارهاب هكذا جوراً وبهتاناً للعراقيين؟ لا أعتقد أن في المغالطتين شيئاً من الصحة, بل أجزم كذلك أن الاسرائيليين والأميركيين هم الارهابيون لا الفلسطينيون والعراقيون. فالفلسطينيون يدافعون عن عرضهم وأرضهم ويناضلون من أجل تحرير هذه الأرض ونيل الاستقلال, والعراقيون يدافعون أيضاً عن عرضهم وأرضهم ويناضلون من أجل تحرير هذه الأرض واستعادة الاستقلال.

 

أسئلة وأسئلة اذا ما تمت الاجابة عليها "تطابقاً" أو "تصادقاً" مع القانون الدولي والمواثيق والمعاهدات الدولية وقرارات الشرعية الدولية المتمثلة بمنظمة الأمم المتحدة, في ظل "عناق الفلوجة العراقية لمخيم جنين الفلسطيني", لا يمكن ايجاز هذه الاجابة إلا في دائرة واحدة مفادها "أن اسرائيل والولايات المتحدة الأميركية تتعاملان مع الفلسطينيين والعراقيين وفق نهج سياسي يتطابق تماماً مع شريعة الغاب وسياسات الامبراطوريات الاستعمارية التوسعية التي سادت العالم ما بين القرون الوسطى ونهايات القرن التاسع عشر". ففي إطار تلك الشريعة وتلك السياسات, كان يحق لسلطة الاحتلال ضَمَ الأراضي المحتلة الى أراضيها أو بيعها أو تأجيرها أو التنازل عنها لدولةٍ أخرى. ومع انعقاد مؤتمر بروكسيل عام 1874م وتمخضه عن اتفاقية خاصة بالطبيعة القانونية للاحتلال الحربي, أُسقط هذا الحق عن دولة الاحتلال. وفي عام 1913م أوضح "الوجينر الفرنسي للقانون الدولي" ذلك في نصٍ واضحٍ جاء فيه "أن الاحتلال لا ينقل أي حقٍ من حقوق السيادة الى القائم به, لكنه ينقل بعض مظاهر ممارسة هذه السيادة فقط, مع ضرورة الحفاظ على الأمن والنظام في الأراضي المحتلة من قِبل سلطة الاحتلال الى حين زوال الاحتلال". وبمعنى آخر تتمتع سلطة الاحتلال - مثل اسرائيل والولايات المتحدة الأميركية - بسلطةٍ مؤقتةٍ ومحدودةٍ ترتبط بشرط الضرورة لحماية الأمن والنظام فقط لا السيادة الشرعية. ومهما يطول الاحتلال "لا يجوز بحال من الأحوال ضم الأراضي المحتلة الى أراضي سلطة الاحتلال أو إقامة حكمٍ مدني فيها". وَتَمَ تأكيد ذلك في المادة "47" من اتفاقية جنيف الرابعة في نصها القائل "ان الاحتلال الحربي حالة مؤقتة تنتهي مع ايجاد تسويةٍ سلمية بما يترتب على ذلك حتى التبعات القانونية". كما وأضافت المادتان الأولى والثانية من البروتوكول الاضافي لعام 1977 الملحق بالاتفاقية مزيداً من التأكيد في القول "أن السكان المدنيين والمحاربين يبقون تحت حماية ومفعول حيادة القانون الدولي - لا القانون الاسرائيلي أو الأميركي - ويُطبق ذلك في حالة النزاع المسلح  حين يناضل الشعب ضد السيطرة الاستعمارية والاحتلال المعادي والأنظمة العنصرية ومن أجل حقه في تقرير مصيره", وهي أمور تم تثبيتها في ميثاق الأمم المتحدة وضمانها من قبل القانون الدولي.

 

هذا في إطار الطبيعة القانونية للاحتلال الحربي. أما بخصوص العدوان فإن "المعنى في قلب الشاعر" كما يُقال إذ أن كلمة العدوان تُعرف نفسها بنفسها. "فالعدوان عبارة عن اجتياح الأراضي من قبل دولة أو قوات أجنبية كغزو الأراضي بالطرق البرية أو الجوية أو البحرية أو اجتياحها أو قصفها أو محاصرة شواطئها, وهذا ما ينطبق تماماً على اسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. وهذا التعريف ورد في معاهدة "بريان - كيلوغ" التي صدرت قبل ثمانين عاماً, وأكده ميثاق منظمة الأمم المتحدة الذي تمَ توقيعه عام 1945 على خلفية الحربين الكونيتين الأولى والثانية. وفيما نحن بانتظار أن تُصْدِر محكمة العدل الدولية قرارها الخاص بجدار الفصل العنصري الذي تستمر اسرائيل في بنائه متحدية القانون الدولي والحق والعدل, نستذكر ما جاء في المادة السادسة "أ" في تعريف نظام المحكمة للعدوان " إنه جريمة ضد السلام. أما جوهر العدوان فيتلخص في ضم أو اغتصاب أرض الغير ونهب واستعباد الشعوب الأخرى وإبادة السكان المدنيين بالجملة وإبعادهم وتهجيرهم". ووفقاً لأحكام القانون الدولي المعاصر تعتبر "أرض الدولة حُرمة لا تُمس ويجب أن لا تكون عرضة للاحتلال الحربي المؤقت أو للضم وبسط سلطة دولة أخرى عليها: وتُضيف أحكام هذا القانون "أن الشعب هو مالك أرضه وصاحب الحق الأعلى في التصرف بها".

 

ونبقى في اطار العدوان فنضيف أن الجمعية العامة للأمم المتحدة عَرَّفت الفعل العدواني في ثماني موادٍ واضحة عام 1974 نجتزءُ منها فقرةً واحدةً فقط "أن التخطيط والتجهيز والإعداد لشن حرب عدوانية من قبل دولة على دولة أخرى جريمة ضد السلام تتنافى مع المعاهدات والاتفاقيات الدولية" تماماً كما "أن جرائم القتل والإبادة الجماعية والتعذيب والتهجير والإبعاد والإرهاب والاعتقال غير الشرعي والاضطهاد لأسباب سياسية أو دينية أو عرقية تندرج تحت عنوان الجرائم ضد الإنسانية", وهذا ما ينطبق على اسرائيل والولايات المتحدة الأميركية في كل من فلسطين والعراق. وقد أرَّخَت "محكمة نورمبرغ" التي أنشئت بموجب اتفاقية لندن عام 1945 لمثل هذه الجرائم في القرن الماضي, وفي مقدمها جرائم الحرب التي ارتكزت على انتهاك قوانين الحرب, بانتظار أن يُصارَ الى تشكيل محكمةٍ مماثلةٍ لتؤرخ للجرائم الاسرائيلية والأميركية في كل من فلسطين والعراق. نُذَكّر بأن نورمبرغ كانت العاصمة الروحية للرايخ الثالث. ولا يفوتنا أن نؤشر الى أن كل ما يرتكبه الجيشان الاسرائيلي والأميركي في فلسطين والعراق يتنافى تماماً مع معاهدة فرساي 1919 واتفاقية لندن 1945 واتفاقيات جنيف 1949 والاتفاقية الخاصة بمنع وقوع جرائم الإبادة والمعاقبة عليها, والتي أقرت عام 1948 وأُدخلت حيز التطبيق عام 1951. فالاتفاقية الأخيرة تقول في مادتها الأولى بأن "الإبادة الجماعية بغض النظر عن ارتكابها في زمن السلم أو زمن الحرب تُعتبر جريمة تخرق قواعد القانون الدولي, وتلتزم الدول أطراف الاتفاقية باتخاذ الاجراءات الكفيلة بمنع وقوعها ومعاقبة مرتكبيها في حال حصولها".

 

يمكن الإقرار بأن اسرائيل تحظى بسمعة طيبة في مجالي الديمقراطية وحقوق الانسان في الغرب عامة والولايات المتحدة الأميركية خاصة, باعتبار "أنها جزء من هذا الغرب وامتداد حضاري له". ويمكن الإقرار بأن مظاهر الديمقراطية وحقوق الانسان تبدو واضحة في مجال محاسبة ومساءلة الاسرائيليين رؤساء ومرؤسين عندما يتعلق الأمر بالفساد المالي والأخلاقي. ومسلسل المحاسبات والمساءلات والإدانات لكبار الموظفين والوزراء ورؤساء الحكومات. والتي كان آخرها مساءلة آرئيل شارون ونجليه, يدلل على صحة ذلك. لكن عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين تُركنُ الديمقراطية وحقوق الإنسان جانباً, ويستعاض عنها بجميع الأدوات والآليات التي تكرّس العدوان وتخدم استراتيجية التوسع الاستعماري الاستيطاني. وما يُقال عن اسرائيل ينسحب تماماً على الولايات المتحدة الأميركية عندما يتعلق الأمر بالمسلمين عامةً والعرب خاصةً, إنما خدمةً لاستراتيجية الاستعمار الجديد واستراتيجية التوسع الاستعماري الاستيطاني معاً. ولعل ما حصل في أفغانستان وما هو حاصل الآن في العراق خير دليلٍ على ذلك.

 

فعندما يتوفر "التطابق" بين السياسات والاستراتيجيات الاسرائيلية والأميركية والقانون الدولي والمواثيق والمعاهدات الدولية والشرعية الدولية المتمثلة بمنظمة الأمم المتحدة, تُظهر اسرائيل والولايات المتحدة الأميركية حرصاً بالغاً على هذه مجتمعةً أو منفردة. أما في حالة وقوع "التصادم" فتتجاهل البلدان هذه مجتمعة أو ما يتصادم منها مع سياساتهما واستراتيجياتهما. وقد يصل الأمر حد التجاوز والتحدي, كما حصل مع اسرائيل وجميع قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة الخاصة بقضية الصراع العربي الاسرائيلي, وكما حصل مع الولايات المتحدة الأميركية ومجلس الأمن والأمم المتحدة في عدوانها السافر على العراق. ولعل نظرةً بسيطةً الى المقتطفات المجتزأة من القانون الدولي والمواثيق والمعاهدات الدولية والشرعية الدولية المتمثلة بمنظمة الأمم المتحدة, التي تَمَ التعرض اليها سابقاً ومحاولة فهم كيفية تعاطي اسرائيل والولايات المتحدة الأميركية معها, يُظهر مدى "التصادم" القائم وَحِدَتِهِ, الأمر الذي يؤكد أنهما في تعاملهما مع الفلسطينيين والعراقيين تنطلقان من نهج شريعة الغاب وسياسات الامبراطوريات التي سادت العالم بين القرون الوسطى ونهايات القرن التاسع عشر. فرئيس الوزراء الاسرائيلي ارئيل شارون والرئيس الأميركي جورج بوش الابن وجهان "لعملة" هذه الشريعة وهذه السياسات التي عفى عنها الزمن.