قضية الإرهاب أعقد من المعالجة بالتبسيط والتسطيح
بقلم :فهمي
هويدي
لا غرابة في ان تتسع
دائرة مناقشة ظاهرة الارهاب، خصوصا بعدما بلغت في بعض تجلياتها حدود العبث
والجنون، وهو ما بدا في تفجيرات الرياض الاخيرة على سبيل المثال، لكن ما يستغرب
حقا هو شواهد التخليط والتغليط المقترنة بالتبسيط التي شابت الكثير من المعالجات،
الامر الذي ازعم انه يسهم في التشويش على الظاهرة بأكثر مما يسهم في سبر اغوارها
وتحري ملابساتها.
لقد أقحم البعض
المقاومة الفلسطينية في الأمر، وساوى بين العمليات الاستشهادية التي يقوم بها بعض
الفدائيين الفلسطينيين ضد الاهداف الاسرائيلية، وبين التفجيرات التي وقعت في الرياض.
ووضع هذا وذاك على قدم المساواة مع الحاصل في العراق، ايضا من دون تفرقة بين
عمليات مقاومة ضد قوات الاحتلال وعملائه، وبين محاولات اثارة الفوضى في البلاد عبر
تفجير المرافق العامة أو اطلاق الصواريخ على تجمعات المدنيين، كما حدث في النجف
وكربلاء، وبعد ان وضع الجميع في سلة واحدة، اطلق عليهم البعض وصف الارهابيين أو
الانتحاريين، هكذا بدون أي تمييز، وبعد دمغهم بتلك الصفة فانهم ادينوا تلقائيا
ووضعوا في قفص الاتهام، على نحو يصعب افتراض البراءة في تفسيره، اذ يتعذر على
المرء ان يستوعب فكرة وضع الذين يقاومون الاحتلال الاسرائيلي في كفة واحدة مع
الذين يرتكبون عمليات ارهابية في أي عاصمة عربية، وبنفس الدرجة فانه يبدو مستغربا
للغاية ان يصف البعض الذين يقاومون الاحتلال الامريكي للعراق بانهم ارهابيون.
ذلك ان اهدار الخطوط
الفاصلة بين المشروع واللامشروع، وبين الفداء والجريمة، وبين مقاومة المحتل وتخريب
البلاد أو اثارة الفوضى فيها، هذا المسلك يشيع قدرا هائلا من البلبلة يقلب منظومة
القيم ولا يستفيد منه الا الغاصبون والمحتلون، والذين لا يتمنون خيرا لأوطاننا أو
امتنا، وللعلم فان التخليط ذاته يستخدمه شارون وامثاله من القتلة، الذين دأبوا على
ارتكاب مختلف الجرائم بحق الفلسطينيين، ثم وظفوا كل ابواق دعايتهم لاتهام أي رد
على ممارساتهم بأنه ارهاب، ونجاحهم مع الادارة الامريكية في هذا الجانب مشهود
وتداعياته معروفة.
لا يقف الامر عند حد
تعميم الادانة والتجريم على مختلف صور المقاومة التي تمارس ضد الاحتلال الاسرائيلي
أو الاميركي، ولكن التغليط يصل الى حد الصمت الذي يشبه التستر على الفظائع التي
يرتكبها الاسرائيليون وقوات الاحتلال الاميركي بحق الشعبين الفلسطيني والعراقي،
فالذين تخصصوا في ادانة المقاومة وتجريم ممارساتها، يسكتون على أنهار الدم واعمال الابادة
التي يقوم بها هؤلاء وهؤلاء، ولكن ابدانهم تقشعر وألسنتهم تنطلق بالتقريع والهجاء
والتسفيه، حين لا يجد الطرف العربي امامه خيارا غير الرد ومحاولة نقل الوجع والخوف
الى الطرف المعتدي.
فلم افهم مثلا لماذا
سكت بعض المعلقين على قتل 700 عراقي في الفلوجة خلال اسبوع واحد، بمعدل مائة شخص
في اليوم الواحد، في حين تعالت اصواتهم واستشاطوا غضبا وغيرة بسبب التمثيل بجثث
اربعة من الجنود الاميركيين، في حين ان الجريمة الاولى افظع من الجريمة الثانية
على الاقل لأن من قام بعملية القتل جيش نظامي يمثل دولة عظمى. والتمثيل بجثث الاميركيين
خطأ انساني وغير شرعي، الا ان قتل 700 عراقي عمل وحشي يجب ان يسبقه في التنديد.
ولم افهم لماذا يضم
الاستشهاديون الفلسطينيون ببساطة مذهلة ضمن الانتحاريين، في حين انهم لم يقوموا
بعملياتهم الا بعد ان سدت في وجوههم كل ابواب الحل السلمي، وبعد ان تعرضوا لأقسى
انواع الترويع والتدمير، التي لم ترحم اعزل ولا استثنت طفلا أو شيخا أو امرأة، في
هذا الصدد فان اولئك المعلقين لم تستوقفهم حقيقة ان الانتفاضة الاولى (عام 1987) استخدمت
الحجارة بالدرجة الاولى، في حين ان الانتفاضة عام 2000 ذهب خلالها الغضب الى ابعد،
حتى شهدت ما نعرف من عنف وعمليات استشهادية في العمق الاسرائيلي، ردا على الجرائم
الاسرائيلية في العمق الفلسطيني.
واذا كانت تلك بعض
نماذج التخليط والتغليظ، فان تبسيط المشكلة له تجليات اخرى اكثر فداحة.
خطاب التبسيط الذي
اعنيه يحصر القضية فيما يسمى بالفكر الديني، الذي اصبح هدفا وجهت اليه مختلف
السهام، خصوصا سهام الكارهين والمتشككين، الذين هم في الاساس ضد أي فكر ديني،
ووجدوا في الاجواء الراهنة فرصة مواتية لتوجيه ضربات موجعه ـ حبذا لو كانت
استئصالية ـ لمختلف مدارس الفكر الاسلامي، خصوصا مدرسة الفكر الوسطى المعتدل، الذي
يعتبرونه الاخطر، لأنه المرشح اكثر من أي فكر آخر للقبول والاستمرار.
يعتبر هؤلاء ان ادراك
الشباب وعقولهم تتشكل فقط تبعاً لما يحصلونه من معارف في المدارس والمعاهد، ولذلك
فانهم يصبون جام غضبهم على مناهج التعليم وكتبه، ويطالبون باجراء عملية اعادة نظر
شاملة لكل ما يدرس منسوبا الى الدين، وكل ما يذكر فيه اسم الله سبحانه وتعالى.
اختزال القضية في
الكتب وحدها أو فيما يسمى بالخطاب الديني على اطلاقه، هو عين التبسيط، والتسطيح
للقضية. ومع تشديدي على اهمية الكتب والمعارف التي يحصلها الشباب، الا ان نقطة
الخلاف بيني وبين اركان مدرسة التبسيط تكمن في انني اعتبر ان الخطاب الديني قد
يكون احد المصادر التي من خلالها ينتشر الفكر المتطرف أو الارهابي، ولكن هناك
مصادر اخرى لا تقل اهمية، ان لم تكن اكثر منها، في حين انهم يعتبرون التعليم
الديني هو المصدر الاول أو الاوحد للتطرف والارهاب.
المنطق الذي يتبنونه
يقوم على عزل العوامل والمؤثرات الاجتماعية والاقتصادية التي تحيط بالفرد، والغاء
دور الظروف السياسية الداخلية والخارجية، كأنما التفكير الارهابي لا علاقة له بكل
هذه الاجواء، ولذلك فان مطلبهم الذي يلحون عليه دائما هو اعادة النظر في الخطاب الديني،
أو ما دعا اليه البعض من قطيعة معرفية مع الفكر الارهابي، كأنما ان عدلت المناهج
وغير خطباء المساجد من لغتهم، ودأب الغلاة على الاعلان عن مفاصلتهم للارهاب
ومخاصمتهم له، فلن تقوم للارهاب أو التطرف قائمة، وسوف يستريح العالم الى الابد من
شروره.
المسألة اكثر تعقيدا
واشد عمقا مما يتصورون أو يطرحون، لأن الانسان ذاته ليس بذلك التبسيط الذي يدعون،
وسلوكياته ومواقفه هي جماع عناصر كثيرة يتداخل فيها الخاص بالعام، والداخلي
بالخارجي، والثقافي بالاقتصادي والسياسي والاجتماعي والمسألة ليست كلاما يقرؤه
الشخص أو يسمعه فيتأثر به ثم يندفع في هذا الاتجاه أو ذاك، وانما ما لم يكن
الانسان مستعدا للتفاعل مع هذا الخطاب، فانه لن يستجيب لما يسمعه أو يقرؤه، وهذا
الاستعداد هو ما يمكن ان يجسد حالة القابلية للتطرف أو الارهاب، التي تختلف من شخص
الى شخص ومن مجتمع الى آخر، تبعا لاختلاف ظروف كل شخص وكل مجتمع.
من اغرب ما قرأت في
هذا الصدد انتقاد حاد وجهه احد الكتاب لمن اسماهم بالمتظاهرين بالوسطية، لانهم
يربطون بين الارهاب وبين التسلط الاميركي والاستبداد، الذي يتعرض له المسلمون في
فلسطين والعراق وغيرهما من بلاد المسلمين، وكأن التسلط والاستبداد ليسا من مظاهر
التطرف والارهاب، الذي يمكن ان يحدث رد فعل عكسيا يتمثل في عنف مضاد، ووجه الغرابة
في هذا الكلام انه يهدر ابسط قواعد التحليل المنطقي، وينسف المبادئ الاساسية في
تفسير السلوك الاجتماعي.
إن اخشى ما اخشاه ان
يتغلب منطق التبسيط والتسطيح ونجد انفسنا منساقين وراء حلول ساذجة لمشكلة معقدة
مثل قضية الارهاب التي اصبحت وباء يتطلب فهما عميقا وعلاجا جذريا ناجعا. ولأن
التشخيص الصحيح هو نصف الطريق الى العلاج كما يقال، فإننا ما لم نتفق على ذلك
التشخيص لمسألة الارهاب، من خلال تحليل عميق ونزيه، فاننا سنظل نتخبط في وصفات
العلاج، فيما المشكلة تزداد تفاقما والخطر يزداد استفحالا.
والامر كذلك فلا بد
من تحر دقيق وشجاع للظروف التي افرزت الارهاب، التي لابد ان تختلف من بلد الى بلد،
وعلينا الا نكتفي بتعليق المشكلة على مشجب الخطاب الديني وحده، وانما ونحن نرصد
طبيعة ذلك الخطاب وتوجهاته، يجب ان نوسع من دائرة النظر لكي نفتش في الظروف
والملابسات الاخرى، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، التي اخترقت في اعماق اولئك
الشباب مشاعر السخط والاحتجاج والغضب، وجعلتهم يوجهون نقمتهم صوب المجتمع
والقائمين عليه. وحين نقف على هذه الخلفية، فسوف يصبح بمقدورنا ان نتوصل الى
الدواء الناجح للمشكلة العصيبة. اما الهرج الدائر الآن فاذا استمر بالصورة التي
قدمناها، فانه في احسن فروضه سيغدو ضجيجاً بلا طحن، وركضاً عبثياً في الاتجاه
الغلط.
عن الشرق الأوسط