قارعة بلاد الحرمين وفاجعتها

 

 

 

بقلم : منتصر الزيات

monty_zeto@hotmail.com

 

لم تزل تتابع الأحداث المؤلمة من داخل بلاد الحرمين بوقوع تفجيرات متتابعة في أماكن مختلفة بمدينة الرياض وما يحيط بها من تحولات نوعية في طبيعتها فمن مزاعم استهداف أمريكان يتواجدون لأغراض قتالية أو تجسسية كما يزعم المهاجمون إلى التعرض لتجمعات سكنية يزعم وجودهم بها إلى ما وقع أخيرا من استهداف مبنى للأمن العام  أودى بحياة سعوديون ومصريون .  ولم نكد نستفيق مما يتناهى إلى مسامعنا من مداهمات لأماكن يعتقد بوجود مخازن أسلحة أو مفرقعات فى مكة المكرمة وجدة والرياض لحوادث قتل غريبة تكررت بصورة لافتة في عمليات المداهمة والمطاردة بين رجال الأمن وشخصيات تقول السلطات السعودية أنهم مدرجون في قوائم أمنية للخطرين على الأمن .

والحق أن قدرا كبيرا من القلق الذي يعتري قلوب المسلمين على ما يجرى  من أحداث فى المملكة العربية السعودية يرجع للمكانة التى تحتلها بلاد الحرمين من أهمية وقداسة  ولكونها قبلة المسلمين وأماكن عبادتهم بما تفترضه من سكينة واحترام تعين الزوار والمعتمرين والحجيج من أداء مناسكهم وأشغالهم  فإليها يهرب المسلمين المهمومين بدنياهم ليغتسلوا من وعثائها وأوزارها  ويستريح فيها قاصدوها من قلاقل ومتاعب في بلدانهم .

والحق أيضا حسبما أشرنا قبل ذلك فإنه يلزم طرق نقاط التوتر في التعاطي مع ما يحدث في السعودية دونما اتباع منهجية التصنيف عن الانحياز لسياسات تتخذها الحكومة السعودية أو معارضوها فالمراد بها أبعد من ذلك والمستهدف في النهاية هو ذلك البلد الآمن الذي تهوى إليه أفئدة المسلمين من كل حدب وصوب . ومن الخطأ البين في هذا الخصوص اتباع  معيار بوش الابن  الذي وضعه لتأطير العلاقات بعد أحداث 11 سبتمبر بما لن يكن معنا فهو ضدنا خصوصا أن القياس مختلف فما يحدث من تفجيرات داخل المملكة العربية السعودية هو مما أجمعت الأمة على رفضه واستنكاره شكلا وموضوعا غير أن أهمية استدراك أسباب الأزمة والعمل على تلافيها يؤدى غلى ضرورة بحث الأسباب وكوامنها .

والغريب أن تلك التفجيرات الأخيرة وقعت في وقت الأمة من المحيط إلى الخليج مهمومة بما يجرى من انتهاكات واغتيالات وتصفيات جسدية داخل فلسطين  وقلوبنا لم تبرد بعد من اغتيال رمزين كبيرين وعزيزين هما الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسى , وكم تمنينا لمن يملكون هذه الترسانة التفجيرية والقدرة القتالية أن يوجهوا طاقاتهم تلك وتفجيراتهم لصدور الصهاينة الذين يتربصون بنا وببلادنا وقادتنا بدلا من استهداف الآمنين  في بلاد المسلمين , فالذي نثق به يقينا أن  فرحة شارون وبوش بمثل تلك القلاقل التي تقع فى بلاد الحرمين تفوق سعادتهما بما يقومان به في الأراضي المحتلة من اغتيال لرموز المقاومة الإسلامية ويجدون فيه ذرائع مناسبة للتدخل . غير أن الحدث بما يحيط به من آلام وصدمة يحتاج معه إعمال البصيرة من خلال رسائل مهمة لأطراف الأزمة  وواجبات متعددة تقع على عاتق الجميع 

كتائب الحرمين وما شابهها : لا يعرف أحد على وجه اليقين  ما إذا كانت المجموعات التي  ارتكبت التفجيرات موحدة في علاقاتها التنظيمية ومناهجها الفكرية الشرعية أم أنها مجموعات متنافرة يدفعها الغضب لارتكاب ما يرتكبونه  , لكنى أرجح عدم صلة تلك المجموعات بالقاعدة أو زعيمها الأبرز أسامة بن لادن فرصد موقف الأخير من الانجرافات التي وقعت فى بعض البلدان العربية بين حكوماتها ومجموعات جهادية كالتي وقعت في مصر والجزائر فى عقد التسعينات يفضي إلى اعتراضه عليها ومبادرته تقديم النصح للدكتور أيمن الظواهرى بوقف عملياته المسلحة ضد النظام المصري  مما دفع بالظواهرى للتحول من جهاد العدو القريب كما كان يصرح بالحكومة المصرية ويتحالف مع بن لادن لجهاد العدو البعيد ويعنيان به الصليبيين واليهود حينما أسسا معا فى فبراير 1998 الجبهة الإسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين  . المهم  نتمنى من هؤلاء الأخوة أن يستوعبوا تجارب الآخرين من فصائل الحركات الإسلامية خاصة في مصر فالمشكلة الرئيسية فى أوساط فصائل الحركات الإسلامية عدم استيعاب تجارب الآخرين وبدء المشوار من أوله دائما دون النظر لكل المراحل التي مرت بها فصائل متقدمة من العمل السياسي والإسلامي وألا يدفعهم غضبهم لارتكاب مثل هذه الأمور التي يصعب بعد ذلك تدارك مخاطرها وحدود تأثيراتها , وعليهم أن يعلموا أيضا أن سلوكهم هذا لن يفضي إلا لإضعاف التيار الإسلامي بشكل عام والإصلاحيين بشكل خاص وتشجيع قوى معينة علمانية على المجاهرة بما لم تكن تستطيع المجاهرة به من العداء للدين والشريعة ,  فقد كانت أهم أسباب التحولات التى انتهجتها الجماعة الإسلامية المصرية والعدول عن استخدام العنف هى تحول دوائر واسعة من الشعب عن التعاطف مع مشروعها الذى ضاعت ملامحه وسط أصوات الرصاص ودوى المدافع ودماء وأشلاء القتلى . وكانت الجماعة الإسلامية المصرية قد اشتد أوار صراعها مع الحكومة المصرية  فلجأت لرد المظالم عنها حسبما كانت تعلن فى مبرراتها باغتيال

أو محاولة اغتيال رموز فى السلطة أو مؤسساتها الأمنية وفى هذا السياق جاءت محاولات اغتيال وزراء الداخلية السابقين حسن الألفي وزكى بدر وعبد الحليم موسى ورئيس الوزراء الأسبق عاطف صدقي ووزير الإعلام صفوت الشريف فضلا عن ضباط أمن كبار مثل اللواء رؤوف خيرت وأخرين ولما لم تسفر مثل هذه العمليات عما خططت له الحكومة المصرية صعدت فصائل المعارضة المسلحة عملياتها نوعيا بما أسمته الإضرار بالنظام الاقتصادي بتفجيرات متكررة لمؤسسات اقتصادية مالية رسمية مثل البنوك غير أن هذه أيضا لم تتسبب فى انهيار النظام مما دفع العناصر المسلحة إلى محاولة إيلام النظام المصري باستهداف صناعة السياحة والسياح الأجانب بعمليات مسرحية لم تحسن قيادة الجماعة ضبط خيوطها مما أدى إلى قيام مجموعة مسلحة تابعة لها على غير توجيه من قيادتها إلى ارتكاب حادث الأقصر الدامي فى نوفمبر 97 وبعد كل هذه الجولات العنيفة والمؤلمة للمجتمع المصري بكل منابعه عادت الجماعة الإسلامية أدراجها حينما اكتشفت أنها خسرت كثيرا بانتهاجها العمل المسلح وأنها لم تحقق شيئا من الأهداف التي أعلنتها حينما بدأت طريقها .

أما السلطات السعودية فواجبها ألا تستهين بهذا التيار أو تمعن في استفزازه , لأن الحلول الأمنية سيكلف البلاد الكثير وليس مهما بعد ذلك إن كانوا يعتقدون أنهم سينتصرون على هذا الشباب لأنه فى مثل هذه الأحوال لا يكون هناك غالب أو مغلوب فالمشكلة سوف تتعمق وسيكون لها تأثيرات كبيرة حتى على السلطة نفسها , فيلزم فتح أبواب الحوار واسعا حول قضايا كثيرة منها ما يثيره مثل هؤلاء الشباب وأن يدار مثل هذا الحوار بطريقة موضوعية غير موجهة وأن يمكن كل رموز المجتمع ونخبه الفكرية والشرعية والسياسية من الاشتباك الفكري معها وتمحيص كل ما يطرح على مائدة البحث . ليس مطلوبا إغلاق باب الحوار والتفاهم فانعدام قنوات التفاهم  والاحتقان السياسي من أهم أسباب تأجج أزمة العنف وهؤلاء الذين يرفعون شعار اللاءات المعروفة بعدم الحوار مع الإرهابيين أو الذين يرفعون السلاح لم ينصفوا وربما دفع البعض منهم هذه اللاءات تحت ضغط المزايدات السياسية أو الخصومات الفكرية فالمؤكد أن أوجه الحوار الذي نعنيه متعددة وليس بالضرورة أن يكون شكل الحوار الوحيد أن يجلس رموز من النظام مع آخرين ممن يمارسون العمل المسلح لكن رحاب الحوار أوسع من ذلك وأفاق أوسع لكن المهم أن يكون بعيدا عن رغبات السلطة الذاتية ويهمني في هذا الخصوص أن أشير إلى نمطية متشابهة مع تلك الشعارات اللائية رفعها البعض في مصر قديما حينما سعى بعض العلماء الأفاضل على رأسهم الشيخين الجليلين الراحلين الشعراوى والغزالى لوقف نزيف الدم ومحاصرة الظاهرة فى بداياتها ولو امتنع المزايدون وقتها لاختصرنا سنوات طويلة من الصراع حتى تحقق التفاهم بعد عشر سنوات وبدا الحوار المفتوح هو الطريق الطبيعي لاستقرار أي أمة ناهضة .

أما واجب العلماء والمخلصين في المملكة السعودية فهو واجب عظيم  في صدارته ضرورة بذل الجهد في مجال المحافظة على حقوق الإنسان وكرامة المعتقلين والمشتبه بهم لأن المظالم تولد الكثير من الفعل ورد الفعل حتى يصعب الرتق على الراتق ومن داخل رحم التعذيب فى السجون المصرية خرج فكر التكفير  , لا يعنى هذا عدم محاكمة أي مسئول عن جريمته لكن المهم أن تكون المحاكمة عادلة وطبيعية  والضرورى أكثر عدم التوسع في القبض والاشتباه بأن يتحول الأمر إلى عقاب جماعي لتيار عريض . أعتقد أنه من الملائم  تفعيل المبادرة التي طرحها بعض العلماء الإصلاحيين في السعودية خلال الشهور الماضية مع تزايد وتيرة العنف في صدارتهم الشيخ سفر الحوالى وأخرين ناشدوا الأطراف إلى العودة إلى الحوار وتحكيم الرأي والعقل في القضايا المختلف عليها باعتبار أن العنف لن يولد إلا عنفا .