أمريكا تسبح ضد التيار في العراق
بقلم :منير شفيق
من مآسي الصراعات بين الشعوب ومحتلي بلادها منذ المراحل الأولى للاستعمار
الحديث ان الأخير لا يستدرك في الوقت المناسب ان عليه التفكير في الرحيل. وذلك
عندما تبدأ تتراكم مؤشرات استحالة بقائه او انتصاره. وبدلاً من ان يلتقط الحقيقة
المرة تراه يُصعّد من الحل العسكري متشبثاً بالوهم. وتكون النتيجة المزيد فالمزيد
من الضحايا من جانب الشعب المعني فضلاً عن الدمار والتوسع فيه، والمزيد فالمزيد من
خسائره هو نفسه؛ البشرية والمادية والمعنوية. ولا يستفيق الا بعد ان يستنفد كل ما
في جعبته من تقتيل وتدمير ومعاندة حتى لا يعود قادراً على الاحتمال لا هو ولا
مجتمعه ولا دولته.
هذا ما حدث مع فرنسا في الجزائر، ومع امريكا في فيتنام، ومع بريطانيا في
الهند، وهذا ما سيحدث لشارون في قطاع غزة والضفة الغربية، ومع بوش في العراق.. لكن
بعد ان يتماديا في القتل والتدمير. فان شارون حتى بعد ان استنفد ما في جعبته خلال
الخمسين شهراً الماضية، واخذ قرار الانسحاب الجزئي، ما زال يغتال ويقتل ويدمر. وان
بوش وبالرغم من فشله في قمع المقاومة وبالرغم مما ارتكب من جرائم بحق العراق، ما
زال يحاصر الفلوجة والنجف وكربلاء، ولم يكتف بما تشكل من مؤشرات تدل على هزيمته. ومن
ثم لن يقتنع الا بعد ان يصنع المجزرة. والا ما معنى اصراره على مواصلة الحصار،
ووضع الشروط التعجيزية -بعد ان طلب الهدنة- غير الاعداد لمجزرة قادمة. علماً ان
نتائجها عدا بحر الدماء وركام الدمار، لن تكون مهما حاول غير الفشل والهزيمة.
انه قانون القوة والغطرسة اذ يعمي العيون عن رؤية ما سيحدث لا محالة حتى لو
امكن اكتساح هذه المدينة او تلك فهذا لا يعني شيئاً. ذلك لأن شروط هزيمة الاحتلال
في العراق تشكلت ولم تعد بحاجة الا الى بعض الوقت وسفك المزيد من الدماء لعل
متطرفي الادارة الامريكية والرؤوس الحامية في الجيش يقتنعون بأن التراجع اصبح
البديل الافضل او قل أهون الشرين.
العراق الان في هذه المرحلة؛ لم يعد من مجال للشك في ان ثمة اجماعاً سنياً
شيعياً على رحيل قوات الاحتلال وليس مجرد تسليم سلطة شكلية لعراقيين، ولا يشذ عن
هذا الاجماع غير قادة بعض الاحزاب ممن جاؤوا من الخارج وراحوا يتنافسون فيما بينهم
على المواقع في السلطة ومن خلال ترتيبات بول بريمر الممثل السياسي لقوات الاحتلال
الامريكي.
اغلب هؤلاء في البداية حاولوا ان يميزوا انفسهم عن المقاومة المسلحة وقوى
الممانعة الرافضة للتعاون او التعامل مع الاحتلال تحت شعار انهم يقولون بالمقاومة
السلمية او النضال السلمي، وذلك بمعنى انهم يريدون تحقيق الهدف نفسه لكن باساليب
اخرى. وبعضهم راح يحتج بعدم استعداد الشعب العراقي لمواجهة مآس جديدة. لكن كل ما
فعلوه تلخص بالتقرب من بريمر ومعارضة كل حراك ضد الاحتلال حتى لو كان تظاهرة سليمة
او مطلبية. مما يكشف ان مشروعهم هو التفاهم مع الاحتلال بما في ذلك القبول ببقاء
قواعد عسكرية له وتقييد العراق باتفاقية تبقيه تحت الهيمنة الامريكية.
المهم ان احداث الفلوجة والنجف وكربلاء وبغداد اسقطت كل حجج العمل من خلال
مجلس الحكم، واثبتت وحدة شعب العراق وتصميمه على طرد قوات الاحتلال وليست مجرد
القبول بانتقال شكلي للسلطة.