العراقيون يتعرفون علي قياداتهم الحقيقية بعد فرز القوي
بقلم :د. بشير
موسي نافع
شيئا فشيئا، خطوة
فخطوة، وموقفا فموقف، تبرز هيئة علماء المسلمين ويبرز التيار الصدري قادة حقيقيين
للعراق الجديد. لم يوفر أحد لهيئة العلماء والتيار الصدري ولو نسبة صغيرة من
الاموال الهائلة التي توفرت للقوي السياسية العراقية المتعاونة مع الاحتلال. لم
يعطهم احد ولو بعضا من النفوذ والمواقع الوزارية والوظيفية التي قدمتها ادارة
الاحتلال للقوي السياسية الشريكة لها. ولم تقف وراء ايهما اي من القوي الدولية
والاقليمية التي تقف وراء وترعي قوي مجلس الحكم وغير مجلس الحكم. وبالرغم من ذلك
كله فان هيئة العلماء، التي ولدت من حطام الغزو واحباط الاحتلال، وتحولت خلال اشهر
قليلة الي اهم واصدق المتحدثين باسم سنة العراق واكثرهم نزاهة، والتيار الصدري
الذي ولد من ميراث الشهيد محمد صادق الصدر، ونهض بعد الاحتلال مباشرة ليكون ضمير
الشارع الشيعي، هم الآن القادة الحقيقيون للعراق. لم تأت قوة هيئة العلماء من
الميليشيات، فالهيئة لا ميليشيا لها، ولا من سمسرة صفقات بيع مقدرات العراق وعقود
الاستيلاء علي سوقه، فالهيئة لا تمد يدها الي المحرمات الوطنية والاسلامية. ولم
تأت قوة التيار الصدري من شراء الاتباع، فقيادة التيار هي قيادة شابة، متواضعة
الامكانات المادية، لا تملك شيئا من الاموال المتوفرة لشخصيات وقوي المؤسسة
الشيعية. تقع قوة هيئة العلماء والتيار الصدري في تعبيرهما الواضح والصلب والحكيم
عن مصالح العراق، عن كرامة شعبه، وعن ارادة الحرية والاستقلال في تاريخه.
بيد ان كليهما يواجه
سلسلة من التحديات الكبري. التحدي الاول بالطبع هو القوة الهائلة التي تقذف بها
الولايات المتحدة الي العراق وقد اصبح ميدان اختبار الدور والنفوذ والسيطرة
الامريكية في العالم. بعد ان زيف الامريكيون مبررات غزوهم للعراق، بعد ان اظهروا
جهلا فادحا بشعبه وموروثه وارادته، بعد ان صنعوا سلسلة من التخيلات والاوهام حول
احتلالهم له ومردود هذا الاحتلال في تعزيز نفوذهم العالمي، وبعد ان فشلوا في ايجاد
شريك ذي مصداقية لهم في حكم العراق، يواجه الامريكيون الآن فشلهم في القضاء علي
المقاومة العراقية بعد عام كامل من القمع، ونجاحهم غير المتوقع في نقل المقاومة
الي مرحلة الانتفاضة المسلحة الممتدة من القائم الي بعقوبة ومن الموصل الي البصرة.
ولكن الادارة الامريكية، كما كل القوي الامبريالية من قبلها، لا تريد ان تتعلم درس
العراق وتجد لها مخرجا سريعا. يسيطر علي الادارة الامريكية اليوم وهم جديد بأن
مزيدا من القوة العسكرية، مزيداً من القمع، مزيدا من سفك الدماء، سيكسر ارادة
العراق وشعبه، ويؤسس لبقاء القوة والنفوذ الامريكيين فيه. وهذا هو اول التحديات
الكبري التي تواجه الشعب العراقي وقياداته الحقيقية. ان ما يحدث في العراق منذ
الانطلاق الفوري للمقاومة بعد بدء الاحتلال هو بداية المعركة وليس نهايتها، وهذه
المعركة قد تطول، وقد تتحول بالفعل الي حمام من الدم وساحة هائلة للموت والدمار. لقد
ارادت المجموعة الايديولوجية النافذة في الادارة الامريكية ان تجعل من معركة
العراق معركة السيطرة علي المنطقة والعالم، وهو ما سيفرض علي القيادات الوطنية
العراقية تحديا اضخم بكثير مما يحسبه اغلب المراقبين، تحديا يتطلب صلابة وحكمة
ونفسا طويلا.
التحدي الثاني هو
تحدي التعامل مع القوي الاقليمية. ان اصواتا كثيرة تتردد في الساحة العربية
والاسلامية تطالب بتدخل عربي واسلامي فعال في العراق. ولكن ما يحتاجه العراق فعلا
هو خلاف ذلك تماما. ما يحتاجه العراق هو ابتعاد القوي الاقليمية العربية
والاسلامية عن التدخل في شؤونه وقضاياه. ان كل دولة من دول الجوار العربي ـ
الاسلامي تحتفظ بعلاقات خاصة مع قوي بعينها داخل العراق، وسواء اعترفت هذه الدول
بذلك ام لم تعترف فانها تحتفظ ايضا بعلاقات تعاون او تحالف او مساومة مع الولايات
المتحدة او دول اخري تساهم في احتلال العراق. هذا الوضع المزدوج لدول تنظر الي
العراق من زوايا متداخلة ومتقاطعة سيجعل تدخل هذه الدول محكوما اصلا وضرورة
بمصالحها الخاصة وعلاقاتها داخل العراق وعلي المستوي الدولي وليس بالمصلحة الوطنية
العليا للشعب العراقي. ما يحتاجه العراق ايضا هو النشاط الشعبي العربي والاسلامي،
النشاط المتحرر من قيود الحكومات ومصالحها الضيقة، ويشمل ذلك الدعم الانساني
الفعال لرعاية الاعداد المتزايدة من اسر الشهداء والجرحي والمعتقلين في كافة انحاء
العراق. ويشمل ايضا الدعم التعبوي في الشارع العربي، من تجمعات واعتصامات وتظاهرات
من اجل ايصال رسالة واضحة للعالم اجمع بأن المنطقة ككل، وليس اهل العراق فقط، ترفض
الاحتلال وانظمة السيطرة الاجنبية. لقد خاض العراقيون معارك الأمة جميعها في القرن
العشرين، من الثورة السورية في منتصف العشرينات والفلسطينية في الثلاثينات الي كل
الحروب العربية ـ الاسرائيلية، وابدوا التزاما لم يتزعزع يوما بقضايا امتهم. وهذا
العراق ليس هامشا صغيرا للعروبة والاسلام بل هو مستقر الصحابة والتابعين، الفقهاء
والزهاد وائمة آل البيت، هذا هو مستودع الذاكرة العربية والاسلامية، منبع ميراثها
والبوابة الاستراتيجية للعالم العربي. وقد آن الاوان لترد الامة العربية
والاسلامية للعراق بعضا مما هي مدينة له به.
التحدي الثالث هو
تحدي التدافع علي ضمير الشعب العراقي، تحدي وحدة الشعب وحمايته من احتمالات
الانقسام والحرب الداخلية. وفي هذا الصدد تبدو اعباء تيار الصدر اثقل نسبيا من
اعباء هيئة العلماء. ان واحدة من اهم انجازات الاحتلال هي ايضاح الصورة الحقيقية
للساحة السياسية في العراق، صورة الجذور الاسلامية العميقة للشعب العراقي وقوة
وفعالية الخطاب الاسلامي. ولكن من الضروري ان لا يغيب عن الصورة حقيقة وجود تيارات
وقوي وطنية اخري ذات توجهات قومية او ليبرالية ويسارية، وان الخارطة الاسلامية
نفسها خارطة متعددة ومتنوعة. لقد ابدت هيئة العلماء المسلمين منذ البداية مرونة
كبيرة ودائرة نظر واسعة، كما انها وقد اصبحت من حيث لم تخطط ناطقا باسم سنة العراق
تمثل قطاعا اقرب الي الانسجام والتوافق من قطاعات الشعب العراقي. كما ان القوي
والشخصيات السياسية التي تشارك تمثيل الساحة السنية العراقية لا تشكل في اغلبها
تحديا يعتد به لهيئة العلماء.
بيد ان التيار الصدري
يواجه مشكلات جوهرية في هذا المجال. فمنذ بداية الاحتلال طفت علي سطح الساحة
السياسية الشيعية العراقية مجموعة من القوي المتفاوتة في مصداقيتها وحجم قاعدتها
الشعبية، وعملت هذه القوي سوية من اجل اقامة ما يمكن تسميته بالمؤسسة السياسية
الشيعية. وقد وضعت هذه القوي مقتدي الصدر وتياره الشعبي منذ البداية خارج نطاق
المؤسسة، بل وسعت الي ان تعزل الصدر عن المرجعية الدينية. اصبح واضحا الان ان
التيار الصدري اوسع نفوذا بكثير من اكبر القوي التي تنافسه علي الساحة السياسية
الشيعية، بل ربما اكثر شعبية من مجموع هذه القوي معا. ولكن التحدي ما زال قائما. يحتاج
تيار الصدر ان يكسب ثقة الاغلبية العظمي من شيعة العراق، فقراؤهم وطبقتهم الوسطي
علي السواء، ان يؤكد علي انه الاحرص علي مقدرات البلاد، وانه الاقدر علي الحفاظ
علي وحدتها واستقلالها. كما انه مطالب ان يعمل في موازاة القوي ومراكز الثقل
الوطنية الاخري، وليس في صدام معها، حتي وهو يري انها ابطأ خطي من خطاه، او انها
لا تري الواقع بعد كما يراه.
اما التحدي الاكبر
علي الاطلاق فهو تحدي حماية وحدة العراق وشعبه والتعبير عن الجماعة الوطنية
العراقية بصوت واحد. طوال العام الماضي، كان الخطر الاكبر علي وحدة العراق وشعبه ينبع
من القوي الاثنية والطائفية المتعاونة مع ادارة الاحتلال، القوي التي ارادت ان
يهييء لها هذا التعاون فرصة السيطرة والتغلب، وقد سوغت هذه القوي تعاونها وسعيها
للسيطرة بخطاب عرقي او طائفي. وليس هناك من مشكلة في ان المشاريع الانقسامية
الطائفية والعرقية التي اخذت من مجلس الحكم مقرا لها اثارت ردود فعل لا تقل عرقية
او طائفية. وبين هذه وتلك كاد العراق ان يهوي الي مستنقع الصراع الاهلي. ولكن
الاسابيع القليلة الماضية اتاحت للعراق فرصة ثمينة للخروج من هذه الهاوية وما
يكتنفها من مخاطر وذلك عندما اصبحت قضية الفلوجة ومدينة الصدر، الرمادي والكوفة،
والنجف، البصرة والعمارة والموصل، قضية واحدة، قضية التحرر من السيطرة الاجنبية
واعادة الامر لاهله، وعندما توحدت جهود ابناء الشمال والوسط والجنوب معا لرد
الهجمة. وحدة المسجد والشارع والخطاب تتطلب الان وحدة سياسية، وحدة تؤسس لقيادة وطنية
عراقية ذات رؤية مشتركة للمستقبل وذات تقدير دقيق للتحديات الحاضرة. ان من المتوقع
في كل مرة تحاول فيها هذه الجهة او تلك ان تمد يدها خارج النطاق الضيق للطائفة، او
المجموعة السياسية او الاثنية، ان تواجه بالاصوات الانقسامية الفئوية تشير لها
بالاتهام وتحاول تقويض شرعيتها الجماهيرية. بيد ان احداث الاسابيع الماضية اوضحت
ان المصداقية والولاء الجماهيري والقوة الشعبية تؤسس علي تبني الاهداف الوطنية
الكبري والعمل من اجل تحقيقها وليس علي اساس المصالح الفئوية الضيقة والصغيرة. العراقيون
يريدون عراقا واحدا، وقوي المقاومة جميعا، هيئة العلماء، تيار الصدر، القيادات
العلمائية المخلصة من الشيعة والسنة خارج هذه القوي، الحزب الاسلامي والشخصيات
الوطنية الشريفة في مجلس الحكم، القيادات القومية والليبرالية، العناصر الاكاديمية
النشطة وقادة الجمعيات المدنية المناهضة للاحتلال، مطالبة اليوم برص الصفوف واقامة
جبهة موحدة تقود العراق في معركة استقلاله وتلفظ القوي والاصوات الطارئة والمتورطة
في مشروع الاحتلال خارج ارض العراق وسمائه، مرة والي الابد.