علم اسرائيلي للعراق

 

 

 

بقلم :عبد الباري عطوان

 

تذكّرنا تصرفات اعضاء مجلس الحكم العراقي بتصرفات نظرائهم الكويتيين، والحاقدين منهم علي العروبة والاسلام بشكل خاص، بعد مرحلة تحرير الكويت. فقد تنكر هؤلاء، اي الكويتيين، لكل ما هو عربي، وشطبوا اسم العراق من الخرائط والمناهج الدراسية، ومنعوا بيع اشرطة المطربين العراقيين، ابتداء من المرحوم ناظم الغزالي وانتهاء بطيب الذكر كاظم الساهر. وحجبوا صور الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في كل نشرات الاخبار الرسمية في التلفزيون، وهو حجب لم يطبقوه علي شارون ونتنياهو، وتمنوا لو ان معجزة ربانية تنقل الكويت الي السواحل الامريكية.

السادة اعضاء مجلس الحكم، يريدون الغاء الذاكرة العراقية بالكامل، وصياغة عراق جديد وفق المعايير الامريكية والاسرائيلية علي وجه الدقة، ليست له علاقة بتراثه العربي، وحضارته الاسلامية العريقة.

فهؤلاء، وفي ذروة غرامهم بالغزو الامريكي، ونشوتهم باطاحة النظام السابق، وايمانهم بالنبوءة الامريكية حول عراق ديمقراطي نموذجي في رخائه واستقراره، اصدروا مرسوما باعتبار يوم سقوط بغداد عيدا قوميا ترقص في ذكراه ماجدات العراق فرحا، وتغلق فيه المدارس ابتهاجا. وخرجوا علينا قبل ثلاثة ايام بعلم عراقي جديد مسخ بألوان باهتة منفرة، ويتطابق في افكاره واشكاله وخطوطه مع العلم الاسرائيلي.

لماذا كل هذه الكراهية للعراق وتاريخه الوطني والحضاري المشرف، ولماذا هذا الانفصام في الشخصية المتعمق لدي هؤلاء، ولماذا كل هذا الحقد علي الانتماء العربي والاسلامي للعراق؟

علم العراق القديم لم يكن علم الرئيس صدام حسين، كما انه لم يكن علم البعث، وانما علم العراقيين جميعا، رفعه اعداء البعث قبل مؤيديه، حتي بعد سقوط النظام. وشاهدناهم يرفعون العلم نفسه بعد ازالة التمثال الشهير في ساحة الفردوس، فلماذا يخرج علينا اعضاء مجلس الحكم بهذه البدعة الجديدة، ولماذا يتطوع الفنان رفعت الجادرجي بالاقدام علي تجسيد هذه الخطيئة؟

شكرا لابناء العراق، ابناء الرافدين، الذين حرقوا هذا العلم في وضح النهار، وقذفوا رماده الملوث في وجه من صنعوه، ولسان حالهم يقول انتم لا تمتون بأي صلة للعراق وشعبه وتاريخه ونضالاته العريقة، ومثلما اجبرناكم علي الغاء عيدكم الوطني المخجل، سنجبركم، ليس فقط علي الغاء علمكم هذا، وانما ايضا علي الرحيل علي ظهر الدبابات نفسها التي جاءت بكم الي العراق.

نقول ايضا شكرا لابناء الفلوجة علي صمودهم الاسطوري في مواجهة الطائرات والدبابات طوال الاسابيع الماضية، وهي المقاومة التي كشفت زيف الادعاءات الامريكية بانتهاء العمليات العسكرية واستسلام ابناء العراق.

هذا الصمود الرائع، الذي تعانق مع ثورة مدينة الصدر في وجه الاحتلال، هو الذي جعل ايام الاحتلال دموية، ونسف آمال اعضاء مجلس الحكم وحوارييهم باعتلاء عرش السلطة في عملية استقلال مزورة في مطلع تموز (يوليو) المقبل.

فأي نقل للسيادة وكولن باول وزير الخارجية الامريكي يعلن ان القوات الامريكية ستحتفظ بصلاحيات خاصة بعد انتقال السلطة بهدف الحفاظ علي الامن، ويخرج علينا المندوب السامي الامريكي الجديد للعراق جون نيغروبونتي بالتأكيد علي ان اعطاء دور واسع للامم المتحدة بعد تسليم السلطة لن يكون علي حساب دور القوات الامريكية ونفوذها.

مدينة الفلوجة ضربت مثلا رائعا في الصمود وهي التي لا تملك الا الاسلحة الخفيفة، والازقة الضيقة، والمآذن الشامخة، والقلوب العامرة بالوطنية والايمان.

رامسفيلد اعتبر قصف المآذن في الفلوجة عملا شرعيا لان المقاومين يستخدمونها كدروع في القتال ضد قواته الغازية، واكد ان القوات والطائرات الامريكية التي تقتل المدنيين، وتحول ملاعبهم الي مقابر جماعية، هي في حال الدفاع عن النفس. فأين الدستور المؤقت الذي صادق عليه اعضاء مجلس الحكم والابتسامات العريضة علي وجوههم وهم يرون القوات الامريكية تنتهك اهم بند من هذا الدستور وهو الحفاظ علي ارواح العراقيين؟!

اين هؤلاء من برنامج محطة سي بي اس الامريكية الذي يتحدث بالتفاصيل عن التعذيب الدموي واللاانساني الذي يتعرض له السجناء العراقيون في سجن ابو غريب علي ايدي السجانين الحضاريين الامريكان، ومن بين اساليب التعذيب هذه الاعتداء جنسيا علي المعتقلين؟

اين الكتاب العراقيون الذين دبجوا المقالات وكتبوا الكتب عن المقابر الجماعية، ورقصوا طربا بالتحرير الامريكي، لماذا يصمتون علي هذه الجرائم، ويتسترون علي من يرتكبونها، مثلما يتسترون علي المجازر التي يتعرض لها ابناء الفلوجة والنجف الاشرف؟

فالعراق الجديد الذي بشرونا به هو عراق التعذيب والقتل واقتحام المساجد، وحفر المقابر الجماعية، وقمع القنوات الفضائية العربية، وفوق كل هذا وذاك الغاء عروبة العراق، واختيار علم اسرائيلي ليرفرف فوق مقابر شهدائه الذين سقطوا دفاعا عن هوية العراق العربية الاسلامية، وانتصارا لاشقائهم في فلسطين وسورية ولبنان والاردن والجزائر.

علم العراق سيظل عربيا بألوانه الحمراء والبيضاء والسوداء، ونجومه المتلألئة وكلمة الله اكبر تتوسطها رمزا للعزة والكرامة. اما علم مجلس الحكم فمصيره، مثل مصير من تبناه، وهو المصير نفسه الذي واجهه كل من تعاون مع محتلي بلاده.