كلام ضروري حول ردود حماس على الاغتيالات
بقلم :ياسر
الزعاترة
سمعنا خلال الأسابيع
الثلاثة الماضية من يتحدث عن رد حماس على اغتيال الشيخ الشهيد أحمد ياسين ومن ثم
على اغتيال الدكتور الرنتيسي كما لو أن قادة الحركة يجلسون على منصة إطلاق يكبسون
الزر فينطلق الاستشهاديون في كل اتجاه. والأسوأ أن بعضهم قد ذهبوا إلى أن تأخر
الرد على الجريمة الأولى قد شجّع على ارتكاب الثانية. ومن المؤسف أن بعض أحاديث
الرد كانت أشبه بصراخ المشجعين في مباريات كرة القدم حين لا يشفي لاعبي فريقهم
الغليل برد هدف الخصم أو التقدم عليه بهدف آخر.
من المؤكد أننا نتفهم
مشاعر الجماهير الغاضبة في الداخل والخارج، ومن ثم حاجتها إلى ما يمنحها قدراً من
التوازن النفسي في مواجهة جرائم الاحتلال وغطرسته، لكن ذلك شيء وعدم إدراك معادلات
الصراع وحيثياته على الأرض شيء آخر، ذلك أن من حق المجاهدين على الأمة أن تتفهم
الظروف الموضوعية التي يتحركون خلالها، والتي قد تحول بينهم وبين الضرب في كل
الأوقات، حتى وهم أحوج الناس إلى ذلك، وهم الذين ما خرجوا من بيوتهم ووضعوا
أرواحهم على أكفهم إلا من أجل ذلك.
المجاهدون في واقع
الحال لا يحتاجون إلى هتاف أو تحريض، لكنهم في حاجة إلى الدعم بمختلف أشكاله حتى
يتمكنوا من مواصلة المشوار الطويل في ملاحقة الاحتلال و زرع الوجع في أوصاله
والدفاع عن كرامة الأمة ومقدساتها.
ما يجب أن يكون
معلوماً هنا هو أن المجاهدين يتحركون في ظل ميزان قوىً بالغ الاختلال لصالح عدوهم،
أكان من حيث التسليح والتكنولوجيا، أم من حيث الاختراق الذي أحدثه في المجتمع
الفلسطيني خلال عقود من العمل الحثيث. ويقابل ذلك ضعف الدعم للمقاومة والحصار الذي
تعاني منه من مختلف الاتجاهات، الأمر الذي يترك آثاره على نوعية الأسلحة
المستخدمة، يضاف إلى ذلك الطبيعة اللوجستية التي يتحركون خلالها وحيث يبسط
الاحتلال سيطرته على منطقة مكشوفة بسبب واقعها الجغرافي وبسبب جحافل العملاء الذين
يتحركون فيها ويرصدون كل شيء، فضلاً عن أجهزة الرصد التكنولوجية.
ربما قال البعض إن
المقاومة هي التي تتحدث عن الردود، وذلك صحيح، لكنه جزء من الحرب الإعلامية
والنفسية، لأن الأصل هو أن المقاومة مستمرة بصرف النظر عن اغتيال هذا القائد أو
ذاك، فالاحتلال هو الجريمة التي كانت من أجلها المقاومة، بصرف النظر عن طبيعة سلوك
ذلك الاحتلال وما إذا كان عنيفاً أم ناعماً، وإن ساهمت الردود العنيفة على
المقاومة في الدفع نحو المزيد من العمل على تعزيز الصمود وزيادة وتيرة المقاومة
بانخراط المزيد من الشبان في صفوفها.
حدث بالطبع أن حصلت
جرائم تبعتها ردود كبيرة. وقد وقع ذلك لسببين، الأول أن حجم الدافعية للعمل في
صفوف المقاومين تزداد في ظل الجرائم النوعية والكبيرة كما حصل بعد مذبحة الحرم
الإبراهيمي عام 1994. أما الأهم فهو أن الجرائم المذكورة قد تأتي في ظل توجه
بالتهدئة الذاتية لاعتبارات وجود انقسام في المجتمع الفلسطيني حول خيار المقاومة،
أو ضمن توجه تحكمه ظروف إقليمية أو دولية مؤقتة.
حدث ذلك إثر جريمة
اغتيال الشهيد يحيى عياش التي جاءت في ظل قدر من التهدئة الذاتية بسبب تمدد اتفاق
أوسلو وهجوم السلطة على المقاومة وحرص حماس على عدم الاصطدام بالسلطة. وحدث ذلك
بعد هجمات 11 أيلول في الولايات المتحدة، حين أوقفت قوى المقاومة عملياتها فما كان
من شارون سوى الرد باغتيال عدد من القيادات فجاء الرد عنيفاً خلال شهر آذار 2002
الذي سجل كأعنف شهر في انتفاضة الأقصى.
المسألة إذاً تحكمها
ظروف موضوعية صعبة ومعقّدة ولولا إرادة الإيمان التي تحرّك رجال المقاومة لما كان
بالإمكان الاستمرار، ولولا ثقافة الاستشهاد التي تسود المجتمع الفلسطيني لكان
الحال مختلفاً. وهنا يمكن القول إننا لا نريد القول إن حماس وقوى المقاومة لن ترد،
إذا كان بمنطق الرد السائد، أو لن يتمكنوا من مواصلة المقاومة وضرب العدو، ضمن
منطق استمرار المقاومة مادام الاحتلال قائماً، لكننا نشير إلى تعقيدات الوضع حتى
لا تغدو المسألة مبسّطة في أذهان البعض، وحتى يشعر كل طرف بالمسؤولية الواقعة عليه
في دعم المقاومة والمقاومين.
بقي أن نقول إن إرادة
المقاومة ستنتصر وهي منتصرة بالفعل باستمرارها في ظل هذا الاختلال السافر في ميزان
القوى. أما الرد أو تواصل العمليات فهو قادم حتى لو تأخر قليلاً، وقد أكدت تجربة
السنوات الماضية أن الخلايا المسلحة تضرب وترمم ثم تضرب وتتماسك من جديد، لا لشيء
إلا لرسوخ إرادة الإيمان التي تحرك رجالها وقادتها.