الفلوجة والنجف: النموذج الأمريكي للديمقراطية!

 

 

بقلم :د.كاظم الموسوي

 

كشفت الأحداث الجارية بالعراق، خاصة في الفلوجة والنجف، ثياب الإمبراطور، وفضحت حقيقة المشروع الأمريكي الإمبراطوري وتوابعه المؤيدة له دون تمحيص أو توضيح لمواقفها وبيان لتعارضها مع ابسط البديهيات المعلومة عن التعريف الواقعي للديمقراطية من جهة وعن فهم تطبيقاتها المنوي فرضها على الشعب العراقي من جهة أخرى وعن تجسيداتها لما تسعى إليه بالعراق من جهة ثالثة، بحيث لم تعد قادرة على التمويه أو اللف والدوران حول بشاعة ما تناقلته وسائل الاعلام المرئية خصوصا والتي أفصحت صورها المنقولة عنها بلا لبس أو رتوش.

 

كما أثبتت مجريات الأحداث صور التناقضات في التصريحات الأمريكية وحلفائها عنها والممارسات الفعلية التي تقوم بها قوات الاحتلال العسكرية والمدنية والأطراف التي تحققها على الأرض، فمحاصرة الفلوجة والنجف عسكريا وتطويقهما بالكم والكيف العسكري، أولا، وتوجيه العقوبات الجماعية لسكانهما دون أي تمييز أو تحديد، ثانيا، بيّن جوهر سياسة الاحتلال وبرنامجه المخطط للعراق والمنطقة.

 

ومن يسمع الناطقين باسم سلطات الاحتلال العسكرية والمدنية يكتشف أن ألسنتهم تقطر كذبا ودجلا وخداعا موجها ومنظما ومحسوبا بدقة لتشويه صور الوقائع اليومية والحقائق القائمة على الأرض، بل وتزيد في صب الزيت على نيران الاحتلال القائم ووجوده الجاثم عنوة وبقوة اكثر من مائة وخمسين ألف جندي مجحفل وعشرات الآلاف من المدنيين المسلحين بارتباطات حيواتهم بذلك الوجود ومصيره، محليا ودوليا، وكذلك أنواع الأسلحة وأصنافها الجوية والبرية وتطورات التقنية العسكرية المتوفرة لديها. كما يصطدم المتابع للأقوال والتصريحات التي يطلقها أو يعرضها ممثلو الاحتلال يوميا بحجم التناقض بينها وبين ما تراه عيناه من أفعال يومية تجسد حقيقة وجوهر الاحتلال الاستعماري وممارساته التي تعبر عنه بوضوح ساطع. يضاف لها ما يتعلق بمحاصرة وسائل الاعلام الدولية والعربية وحتى المحلية غير السائرة بركابه، ومحاولات كتم أنفاسها وقتل شهودها وفدائييها الشجعان الذين رسموا بدمائهم رفضهم للاحتلال وعسكره المرتزق، الخارجي والداخلي.

 

اصبح من مكرور القول أن ممارسات الاحتلال اليومية تنتهك اتفاقيات جنيف الرابعة بخصوص حماية سكان الأراضي الواقعة تحت الاحتلال العسكري وملاحقها التي تشدد على صون حقوق الإنسان وضمان حياة الشعب والحفاظ على ممتلكاته وأنظمته القانونية وشئونه الوطنية وتركيبته البشرية واحترام حقوقه من دون أي تمييز قائم على الدين أو العرق أو الجنس والتطبيق الفعلي لإنهاء فترة الوصاية والاحتلال المؤقتة وتسليم السلطة إلى الشعب العراقي بآلية معترف بها وقادرة على حفظ كرامته وسيادته واستقلاله الحقيقي. كما أن استمرار هذه الممارسات وبشكل وحشي مكشوف وإصرار سلطات الاحتلال المحلية على المضي بها بعنجهية وعناد استعلائي، وترحيب قيادات دولها بها يجعلها بطبيعتها جرائم حرب صارخة، وابادة جماعية مدانة قانونيا وإنسانيا وأخلاقيا.

 

هناك نص رئيسي في القانون الإنساني الدولي يوجز واجبات احترام حقوق الإنسان الأساسية للأشخاص الرازحين تحت وطأة الاحتلال، مثل الحق في أن يعاملوا في جميع الأوقات معاملة إنسانية، وحمايتهم بشكل خاص ضد جميع أعمال العنف أو التهديد بأي شكل من الأشكال المسيئة لمشاعرهم، ويوجب حماية النساء بصفة خاصة ضد أي اعتداء على شرفهن، ولاسيما ضد الاغتصاب، والإكراه على الدعارة، وأي هتك لحرمتهن. مع مراعاة الأحكام المتعلقة بالحالة الصحية والسن والجنس، دون تمييز ضار على أساس العنصر أو الدين أو الآراء السياسية.

 

هذا النص يعرض الممارسات اليومية التي تحدث في الفلوجة والنجف خصوصا بشكلها السافر، في تعارضها وانتهاكها للأفكار الواردة فيه، ويعري الادعاءات بالشعارات البراقة التي حملتها آلة الحرب الأمريكية والبريطانية وتوابعها طيلة الفترة السابقة من غزو العراق واحتلاله والتهديد برسم جديد لخارطة المنطقة، وتتسرب بين فترة وأخرى بيانات لما هو مرسوم ومخطط سابقا لها. يضاف الى واجباتها الملزمة بها كدول احتلال تطبيق مدونات قواعد السلوك والمبادئ الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية، واتخاذ إجراءات ضرورية للسيطرة والأمن فيما يتعلق بالأشخاص المحميين نتيجة الحرب، بحسب ما جاء في المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة، وما تضمنته من إجراءات استخدام القوة في ظروف خارج القتال والحرب، سواء من جانب الجنود أو أفراد الشرطة، بما يتماشى مع المعايير الدولية لتطبيق القوانين واحترامها، وكذلك واجب توفير الغذاء والرعاية الطبية وتسهيل المساعدات الإنسانية بحسب المواد 55 و56 و59 و60 من اتفاقية جنيف الرابعة. فأي منها يتحقق في الفلوجة والنجف اليوم وباقي المدن العراقية التي تطبق عليها قوات الاحتلال بآلياتها العسكرية وقراراتها البربرية وتصرفاتها الوحشية؟.

 

تنشر بعض وسائل الاعلام الأمريكية والبريطانية خصوصا أن وحدات الجيش الصهيوني المتمرسة بانتهاكاتها المتواصلة منذ اغتصاب فلسطين هي التي دربت ولا تزال تشترك مع قوات المحتلين بتلك الممارسات ضد أبناء الشعب العراقي، لاسيما المعترضين على الاحتلال والرافضين لاستمراره والمقاومين لعسفه وتنكيله وتكبيله الشعب والوطن بأحلامه الإمبراطورية ومخططاته الاستعمارية. وتكشف ذلك ما استخدم من إجراءات ضد أبناء الفلوجة الشجعان الذين قدموا بصمودهم ومجابهتهم مئات الشهداء وتعرضوا مثل غيرهم من أبناء الشعب العراقي إلى قمع وحشي بمختلف الأسلحة، حتى المحرمة دوليا منها، وبكل الأساليب الناطقة بعنصريتها وإرهابها الرسمي واضطهادها البشع، فضلا عن خرقها لكل القوانين والأعراف والاتفاقيات والتقاليد والأنظمة التي كان يجب الالتزام بها واحترامها والتقيد بها، حتى في حدود دنيا من إعلاء قيمتها الدولية الإنسانية تاريخيا واعتباريا، الامر الذي يعني مضمونه ورسالته تطابقا تاما بمنهج وتاريخ العدوان والجرائم الصهيونية المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني وتواصلها مع الشعب العراقي وغيره من الشعوب المسجلة بقوائم البنتاغون.

 

هذه الممارسات والأساليب الاستعمارية وضحت ليس للعراقيين وحسب طبيعة الاحتلال وزيف ادعاءات التحرير والحرية والديمقراطية، بل وفضحت القيم والمبادئ الأمريكية والغربية عموما، وحولتها إلى صور مخزية وفاجعية على مختلف الصعد والأمثلة. فأي من صور الدمار والخراب والقتل الجماعي العشوائي ومحاصرة المدنيين الأبرياء وقصف البيوت وتشريد العوائل واستباحة الحرمات والنساء والأطفال وتهديم المساجد والجوامع والمستشفيات والمباني العامة ومنع المصابين والجرحى من تلقي الدواء والعلاج وعدم السماح للمنظمات الدولية والمساعدات من الوصول إلى المناطق المنكوبة بهذه الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية ومن ثم التهديد العلني بالقتل أمام أنظار الرأي العام الدولي والمنظمات العالمية والمدافعة عن القانون وحقوق الإنسان، أي منها يتوافق مع أي تفسير لنموذج الديمقراطية في كل مراحلها وتطوراتها التاريخية؟، وأي مستقبل يبنى على هذه المشاهد المأساوية والكارثية التي ألمت بالشعوب العربية وزجت بهم بأتون مشاريع وسياسات استعمارية كريهة؟. وكيف يمكن بعد كل ما حصل ويحصل بالعراق، والفلوجة والنجف كمثالين طازجين الآن، الاقتناع بالنموذج الأمريكي للديمقراطية، أو بثياب الإمبراطور الجديدة؟.