المقاومة العراقية تنعش سوق السلاح

 

 

بغداد - من إياد الدليمي

 

أخذت تجارة السلاح في العراق، مع تصاعد عمليات المقاومة ضد قوات الاحتلال، وتوسع الإقبال على المقاومة كما ونوعا، وشمولها لمساحات جغرافية أوسع على خريطة العراق، تزدهر، وصار سوق بيعها يتوسع وينتعش. وشهدت تجارة السلاح إقبالا منقطع النظير، لم يعرفه العراق من قبل.

 

وإذا كان للأسلحة أسواق علنية ومعروفة في بعض بلدان العالم، فإنها أسواق سرية في العراق، خوفا من قوات الاحتلال، التي تلاحق كل عراقي يمتلك سلاحا، يزيد عن بندقية أو مسدس.

 

وكان السلاح قد انتشر، على نطاق واسع، مع سقوط الدولة العراقية السابقة، وسيطرة قوات الاحتلال على العراق. وقد انتشرت، حينئذ، ظاهرة بيع الأسلحة في الطرقات والأسواق العامة. وكان الإقبال كبيرا على شراء الأسلحة الخفيفة من قبيل الرشاشات أو المسدسات، ثم أخذت هذه الظاهرة بالزوال تدريجيا، بعد أن بدأت قوات الاحتلال تدهم تلك الأسواق، وتصادر ما تجده فيها، وهي في الأعم الأغلب أسلحة خفيفة.

 

ولا يكاد يوجد بيت في العراق اليوم لا يحتوي على سلاح، وهي أسلحة تتفاوت بين البندقية والكلاشنكوف أو المسدس. فالعراقيون وبعد ما شاهدوا من انفلات أمني كبير، أعقب الاحتلال، صاروا يحتاجون أكثر من أي وقت مضى إلى السلاح كي يدافعوا به عن أنفسهم وعن عائلاتهم، فاللصوص والسراق منتشرون بشكل كبير في العراق، وهم لا يتورعون عن القتل واقتحام المنازل والبيوت في سبيل السرقة.

 

وقد جعل الانفلات الأمني، وعدم اهتمام قوات الاحتلال بأمن العراقيين، وتركيزها على أمن جنودها، دون غيرهم، من ظاهرة الاتجار بالسلاح مصدر رزق لعدد من العراقيين، حتى وصلت أسعار الأسلحة الخفيفة إلى أرقام ومبالغ كبيرة. وأغلب الأسلحة التي بيعت كانت من ترسانة الجيش العراقي السابق، التي سطا عليها السراق واللصوص.

 

وفي مقابل الحاجة المتزايدة للأسلحة الخفيفة بعد احتلال بغداد، كان هناك إقبال ضعيف من العراقيين على الأسلحة الثقيلة، التي كانت موجودة أيضا في مخازن الجيش العراقي السابق، غير أن قلة من اللصوص أخذوا معهم تلك الأسلحة، إذ كانوا يعتقدون أنها أسلحة غير مرغوبة من قبل عامة الناس، لأن المواطن العراقي لا يحتاج لأسلحة من هذا النوع، الأمر الذي أتاح الفرصة أمام دخول عصابات متخصصة من خارج العراق أو من بعض أجزاء من البلاد، قاموا بتحميل تلك الأسلحة وتهريبها إلى الخارج. وفي هذا السياق يؤكد ضابط سابق في الجيش العراقي، بأن السلاح الثقيل للجيش العراق تم تهريب الكثير منه إلى إيران، من خلال تجار أكراد متخصصون في تجارة الأسلحة.

 

 

أما اليوم وبعد أن صار للمقاومة العراقية هويتها الشرعية، وبعد أن أصبحت المواجهة مع قوات الاحتلال خيارا حاسما للعديد من قطاعات الشعب العراقي، فقد بدأت تجارة الأسلحة بالرواج مجددا، وشهدت أسواقها انتعاشا كبيرا.

 

غير أن الأسلحة المطلوبة اليوم لم تعد البنادق أو المسدسات أو الكلاشينكوف، إذ فرضت طبيعة المواجهة أنواعا من الأسلحة الثقيلة القادرة على التأثير في العدو.

 

وهكذا ازداد الطلب، وبشكل كبير، على الصواريخ القاذفة، كما يؤكد "جاسم. هـ"، وهو أحد تجار الأسلحة في العراق. ويضيف في دردشة مع مراسل "قدس برس" أن أكثر الطلبات تكون على الصواريخ القاذفة أو "صواريخ ستريلا". ويقول "إن هناك طلبات أخرى لا نستطيع أن ننفذها، لأنها تتعلق بأسلحة متطورة جدا".

 

ويمضي التاجر جاسم في حديثه قائلا "في السابق كانت الجهات التي تطلب مثل هذه الأسلحة محدودة، وكانت تجارة الأسلحة شبه ميتة. أما اليوم فقد شهد سوق السلاح انتعاشا ورواجا كبيرين، إذ ازداد الطلب على أنواع متعددة من الأسلحة الثقيلة".

 

وعن مصدر تلك الأسلحة يقول جاسم "بعضها من بقايا أسلحة الجيش العراقي السابق، التي احتفظ بها عدد من العراقيين في أماكن غير معروفة وسرية، والبعض الآخر نشتريه من تجار في الدول المجاورة".

 

ويقول تاجر آخر رفض الكشف عن اسمه "هناك العديد من العراقيين يمتلكون أسلحة ثقيلة، وعندما يعرفون أن هناك طلب على تلك الأسلحة من قبل رجال المقاومة العراقية، فإنهم يسلمونهم تلك الأسلحة من دون مقابل". ويضيف مؤكدا الأمر "لقد شهدت العديد من تلك الحالات بنفسي".

 

ويصف هذا التاجر عمله بالقول "يمتاز عملنا بالسرية التامة، لأن أي معلومة تصل إلى الجيش الأمريكي فإن سنجد أنفسنا نقاد إلى المعتقل، وربما ستقتلنا قوات الاحتلال، لأنها تعتبرنا من المتعاونين مع المقاومة، حتى لو كان ذلك مقابل ثمن، لذلك ترى أن تجارة الأسلحة تتم بسرية تامة، وبعيدا عن الأعين، وننتهز الليل من أجل نقل الأسلحة من مكان إلى آخر".

 

ويضيف "قبل الأحداث الأخيرة والمواجهات التي حصلت في الفلوجة وفي عدد من مدن الجنوب، كانت العملية صعبة جدا، لأن القوات الأمريكية كانت تضع مكافآت سخية لمن يدلي بمعلومات عن أماكن بيع الأسلحة. أما بعد اشتداد المواجهات وتنوعها في العراق كله فقد أصبحت هناك حالة من الوعي لدى العراقيين، ولا يقتصر الأمر على المواطن العادي، وإنما حتى لدى العديد من رجال الشرطة العراقية".

 

ويروي هذا التاجر حادثة يعتبرها معجزة حصلت معه، إذ يقول "في إحدى المرات كنا ننقل أسلحة ثقيلة من منطقة إلى أخرى، وكنا نعتقد أن الطريق مؤمنة بشكل جيد، وقد كان كذلك بالفعل، غير أن ما لم يكن في الحسبان وقع، حيث جاءت قوات أمريكية وقوات من الشرطة العراقية، وقاموا بنصب مفرزة تفتيش في أحد الطرق، وبسبب العدد الكبير من السيارات، قامت القوات الأمريكية بتولي التفتيش على أحد جوانب الطريق، فيما تركت للشرطة العراقية تفتش الجانب الآخر، وبحمد الله فقد كانت سيارتنا في الجانب، الذي يقف فيه عدد من رجال الشرطة العراقيين، وعندما طلبوا تفتيش السيارة رفعت له غطاء الحقيبة الخلفية الذي كان مملوءا بعدد كبير من صواريخ القاذفات، وأنا أردد في نفسي أن كل شيء قد انتهى، غير أن المعجزة، كما يقال، حدثت، حيث قام الشرطي العراقي بإغلاق الصندوق، وصاح بأعلى صوته تحرك، فانطلقت مسرعا غير مصدق لما حدث"، كما قال.