ردع الجـنـون الإسـرائيلي
بقلم : دياب
اللوح
ينطوي تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي "شارون"
الذي قال فيه بأنه في حلٍ من تعهده للرئيس الأمريكي بوش بعدم المساس بالرئيس ياسر
عرفات على خطورة بالغة، خاصة أنه جاء بعد أقل من عشرة أيام على لقاء بوش وشارون
الذي يعني ترجمة مباشرة للتصريحات الخطيرة التي أدلى بها الرئيس بوش التي مثلت
ضوءاً أخضر أمريكياً إلى شارون أن يفعل ما يشاء وأن تستفرد إسرائيل بالمنطقة
وكيفية إدارة الصراع والعلاقة مع الشعب الفلسطيني وقيادته والتي جسدها بالممارسة
العدوانية التعسفية على أرض الواقع بالتوغل الفوري في مدينة رفح وقتل وجرح العديد
من المواطنين ونسف المنازل وتدمير البنية التحتية، واغتيال الدكتور عبد العزيز
الرنتيسي قائد حركة حماس في قطاع غزة وعضو مكتبها السياسي، وقتل أكثر من ثلاثين
مواطناًَ في شمال قطاع غزة والضفة الغربية، فشارون وجد في الضوء الأخضر الأمريكي
فرصة سانحة للتمادي وتنفيذ تهديداته بالمساس بالرئيس ياسر عرفات، خاصة أن الموقف
الأمريكي المنحاز دوماً إلى جانب الموقف الإسرائيلي قد خرج ولأول مرة بشكل سافر من
نطاق استراتيجية الفصل بين الالتزام الأمريكي الفعلي على أرض الواقع واستراتيجية
الالتزام العلني الذي كان من خلالها يتم التنصل من الممارسات الخطيرة ويدعي بأن
الإدارة الأمريكية لا علم مسبق لها بهذا الأمر أو ذاك إلى التساوق الكامل بين
الالتزام الفعلي والالتزام العلني المتطابقين نظرياً وعملياً معطياً شارون وحكومته
الضمانات الكاملة لمواصلة إحكام سيطرة الاحتلال ومواصلة العدوان والتصعيد العسكري
الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني لدرجة استهداف الرئيس ياسر عرفات رمز وعنوان وقائد
الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
ويعكس تصريح "شارون" مدى حجم
الاستهتار الإسرائيلي ليس بإرادة الشعب الفلسطيني وتمسكه الكامل برئيسه الشرعي
المنتخب ديمقراطياً فقط وإنما الاستهتار بإرادة المجتمع الدولي الذي اعتبر الرئيس
ياسر عرفات خطاً احمر يمنع منعاً باتاً تجاوزه والذي طالب شارون وحكومته مراراً
بعدم المساس به وتعريض حياته للخطر، فالرئيس ياسر عرفات لم يعد رمزاً وطنياً
فلسطينياً فحسب وإنما رمز عربي وإسلامي وعالمي، المساس به يعني المساس بالشعب
الفلسطيني والأمة العربية والعالم الإسلامي وكل الأحرار في العالم، مما سيترتب
عليه انعكاسات ونتائج خطيرة ومدمرة على كافة المستويات المحلية والإقليمية
والدولية، ووضع منطقة الشرق الأوسط على أعتاب مرحلة جديدة يكون من الصعب تصور أو
رسم معالمها، مما يعرض الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة والعالم إلى الخطر
الشديد، خاصة أن وضع هذه التهديدات موضع التنفيذ سوف يكون لها انعكاسات خطيرة
ومباشرة على العملية السياسية الجارية في المنطقة ويعرض خيار السلام المنشود إلى
خطر التقويض وهو بمثابة شطب وإلغاء للاتفاقات الموقعة بين منظمة التحرير
الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية وما ترتب عليها من رسائل متبادلة وتعديلات على
الميثاق الوطني الفلسطيني وتفاهمات مثلت نقلة نوعية في فهم الصراع وجسر الهوة بين
الموقفين الفلسطيني والإسرائيلي التي بدأت تتسع شيئاً فشيئاً بسبب العدوان
والتصعيد العسكري الإسرائيلي المستمر ضد الشعب الفلسطيني منذ ثلاث سنوات ونصف
السنة من عمر انتفاضة الأقصى الباسلة، مما خلق واقعاً صعباً وضع كل شيء في دائرة
الخطر الشديد، وجاء تصريح شارون الذي كشف فيه عن نيته ومخططه باستهداف الرئيس ياسر
عرفات بمثابة سكب الزيت على النار المشتعلة كي تتصاعد ألسنة لهبها وتحرق كل شيء
وكل من يحاول العبث والاستهتار بإرادة ومقدرات دول وشعوب المنطقة والعالم.
تصريح شارون كشف بشكل واضح وأكيد بأن مصير
الرئيس ياسر عرفات كان موضع نقاش وعلى جدول الأعمال بين شارون وبوش، وحينما سُئل
شارون عن رد بوش على إبلاغه إياه بأنه لم يعد يحترم تعهده له بعدم المساس بالرئيس
ياسر عرفات، قال بأنه معني بما يقوله هو وليس ما يقوله غيره، الذي يعني تنصلاً
أمريكياً كاملاً متفقاً عليه مع سبق الإصرار من تعهد أمريكي بعدم المساس بالرئيس
ياسر عرفات، وأن بوش أطلق يد شارون بأن يفعل ما يشاء برغم ما قاله معقباً على
تصريح شارون بأنه لا يوافق على تعريض حياة الرئيس ياسر عرفات للخطر، ولكنه في ذات
الوقت فإن عدم موافقته تعني بأنها غير ملزمة لشارون وحكومته، وهذا ينطوي على تصريح
أمريكي لشارون بقتل الرئيس ياسر عرفات ووضع خطته أحادية الجانب موضع التنفيذ مهما
كانت النتائج والعواقب الناجمة عنها.
الحد الخطير الذي وصل
إليه الموقف الإسرائيلي الرسمي بالتهديد بالمساس بحياة الرئيس ياسر عرفات، دون
الاكتراث بالعواقب والنتائج الخطيرة الناجمة عن وضع هذا التهديد موضع التنفيذ، وما
ينطوي عليه من جنون واستهتار إسرائيلي بإرادة المجتمع الدولي، يتطلب من الجميع في
جامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ومجلس الأمن الدولي، والاتحاد
الأوروبي، والصين، واليابان، ودول عدم الانحياز، وكافة المؤسسات والهيئات العربية
والإسلامية الدولية التحرك السريع والتدخل العاجل لردع الجنون والاستهتار
الإسرائيلي والضغط على الحكومة الإسرائيلية لمنعها من وضع تهديداتها الخطيرة موضع
التنفيذ إنقاذاً للمنطقة والعالم من خطر الجنون والانفلات الإسرائيلي والحفاظ على
الأمن والسلم الدوليين والإبقاء على خيار السلام العادل والدائم قائم بين دول
وشعوب المنطقة.