العراق بين الجنة والنار..؟!

 

 

 

 

 

بقلم : نواف الزرو

 

   

ما يجري على ارض بلاد ما بين الرافدين في هذه الايام لم يكن في حساباتهم ومخططاتهم.. ولا حتى في احلامهم وكوابيسهم، فقد اتوا بجيوشهم المترسنة بكل اسلحة التدمير الشامل من وراء المحيطات تحت شعارات كبيرة مخادعة كاذبة مثل »تدمير اسلحة الدمار الشامل العراقية« و»تحرير الشعب العراقي« و»احلال الديموقراطية في العراق ليصبح نموذجا ديمقراطيا يحتذى في منطقة الشرق الاوسط« و»محاربة الارهاب الدولي« و»احلال العدالة المطلقة« .

اليوم.. وبعد اكثر من عام على قصف وتدمير وغزو العراق واسقاط نظام الحكم فيه، يتبين لنا بمنتهى الوضوح ان العراق الذي جاءوا من اجل تحويله الى جنة، قد تحول عمليا الى نار وجحيم وارض تشتعل وتحترق تحت اقدام الغزاة.. ويتبين لنا ان الشعب الذي جاءوا من اجل تحريره ودمقرطته قد تحول بنسائه واطفاله وشيوخه الى مادة للمجازر الجماعية التي تقترفها قوات الاحتلال بلا رحمة وبدون اية نوازع او روادع اخلاقية او انسانية او دولية .. وليتضح لنا في الوقت نفسه ان العراق الذي جاءوا من اجل اعماره انما يقومون هم انفسهم بتدميره تدميرا شاملا...

لا نبالغ ان قلنا واكدنا ان الحملات والاجتياحات الحربية التدميرية الامريكية في المدن العراقية.. وان عمليات القتل الجماعي الابادية المتصلة على مدار الساعة ضد ابناء الشعب العراقي هي صورة مستنسخة تماما عما تقترفه الدولة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، مع فارق حجم القوات واسلحة التدمير الشامل وقوة النيران الامريكية في العراق .

ولا نبالغ ان قلنا اننا نشاهد على ارض العراق هناك جيوش التتار، والمغول والفايكنج وغيرها التي عرفها التاريخ في طبعة عصرية حديثة هي الطبعة الامريكية / الصهيونية .

فحولت تلك القوات الغازية المغولية العصرية الدولة العراقية الى دمار وحولت حياة الشعب العراقي الى موت يومي والى جحيم بشع.. ولكنها في الوقت نفسه دفعت الشعب العراقي في غالبيته العظمى الى كراهية الاحتلال والى خيار المقاومة، فتحولت ارض العراق بدورها الى جهنم.. والى نار تحرق اقدامهم..

يصر بوش على »مواصلة حربه الصليبية الاستعمارية على الشعب العراقي«، بينما يعتبر ذنبه بلير »ان المواجهات في العراق اصبحت معركة تاريخية سيكون النصر فيها حليف قوات التحالف«، غير انهما اعترفا على خجل »ان الاوضاع في العراق صعبة وانها الاخطر التي تواجهها قوات التحالف«.

تتزايد وتتراكم المعطيات والبوادر والاعترافات التي تتحدث عن السيناريو الفيتنامي في العراق بوتيرة مذهلة... فها هو تقرير امريكي حديث يؤكد »ان حجم عمليات المقاومة العراقية ارتفع ثلاثين ضعفا منذ مطلع نيسان الحالي، مشيرا الى ان قوات التحالف تعرضت الى نحو 60 - 80 عملية مسلحة في اليوم الواحد«.

وها هو قائد القوات الامريكية الوسطى »جون ابي زيد« يعرب عن »قلقه العميق من امكان اتساع نطاق الثورة واحتمال انضمام الشيعة الى المقاومة السنية«، ليأتي الجنرال »برينان بايرن ليعترف بدوره »ان ما كان يخشاه القادة العسكريون الامريكيون عندما بدأوا غزو العراق هو ما يحدث الان بالفعل وهو تحول المعارك الى حرب شوارع كما كان يحدث في مدينة هوي الفيتنامية«.

وفي الوقت الذي يعترف فيه الحاكم الاميركي في العراق »بول بريمر« بان »القوات الامريكية في ازمة في العراق«، وفي الوقت الذي يعرب فيه »بوش وبوتين« عن »قلقهما الجدي حيال الوضع في العراق«، اخذ اعضاء في مجلس الشيوخ الاميركي يصفون العراق بـ »فيتنام اخرى«، وكان على رأسهم السناتور تيد كنيدي الذي اطلق عاصفة من الجدل عندما اعلن »ان العراق هو فيتنام جورج بوش...«

ما يقودنا في الخلاصة المكثفة الى وضع خطوط مشددة تحت اهم استخلاص يتعلق بالمشهد العراقي وهو »ان الاحتلال الامريكي دخل عمليا على الارض هناك مرحلة المأزق الشامل والازمة المفتوحة والخيارات الصعبة والسيناريوهات الخاسرة«.

اما عناصر ودلالات ذلك فهي واسعة ومتعددة ابرزها:

1- اعتماد المقاومة العراقية اسلوب حرب العصابات، واشتداد عودها واتساع نطاقها لتشمل السنة والشيعة والاتي سيكون اشد وطأة على الامريكان .

2- استلام المقاومة العراقية زمام المبادرة والهجوم والقيام بعمليات عسكرية مؤلمة جدا من الوزن الثقيل..

3- ارتباك القيادات الامريكية وتخبطها وعجزها عن احتواء الوضع الامني في المثلث السني اولا، ثم عجزها عن احتواء القطاعات الاخرى من الشعب العراقي، ما يعني سقوط مراهناتهم على تحييد تلك القيادات وخاصة الشيعة منهم .

4- سقوط ورقة »مجلس الحكم العراقي« بوصفه اداة والعوبة بيد الاحتلال، وبلا اي وزن او دور او احترام او هيبة واحتراق كل اوراق المجلس شعبيا .

5- ظهور علامات التفكك في قوى الائتلاف بعد قرار اسبانيا وهندوراس سحب قواتهما من العراق، والحبل على الجرار...

6- ... ويبدو ان الارض اخذت تميد تحت اقدام الامريكان وان البساط اخذ ينسحب تحت جزمهم، وان الذرائع الكبيرة اخذت تتهاوى تباعا لتسقط كافة الاوراق عن العورة ا لحقيقية للامريكان .

7-... ما ادخلهم الى دائرة التخبط والبحث عن بدائل وسيناريوهات اخرى مثل »الاطلسي« و»قوات عربية واسلامية« و»قرارات جديدة عن مجلس الامن« وغيرها .

ليس من شك ان تحول المقاومة الى خيار استراتيجي وشعبي عراقي لا رجعة عنه، وتحول الجنة الموعودة للامريكان وسماسرتهم الى جحيم ملتهب ونار حارقة.. وتزايد النعوش ومشاهد احتراق آليات الحرب والقتل والتدمير في كل مدينة وقرية وشارع وحي في العراق.. كلها ستفعل في نهاية المطاف فعلها في تغيير المشاعر والقناعات والمواقف والقرارات.. وكلها ستؤدي في حصيلتها الاستراتيجية الى »انهيار احجار لعبة الدومينو الاميركية« التي استندت كل مخططات العدوان والغزو واعادة تشكيل خريطة الشرق الاوسط«.

... ويبقى الغائب المغيب في المشهدين العراقي والفلسطيني هو ذلك الدور والفعل العربي الحقيقي.. الرسمي والشعبي على حد سواء..