العجز في الحساب الجاري يسجل رقما قياسيا

الاقتصاد العالمي يدفع ثمن تضارب البيانات الأميركية

 

 

 

هناك تضارب واضح بين مؤشرات الانتعاش في الاقتصاد الأميركي وبين الارتفاع الأسطوري في حجم العجز في الحساب الجاري الأميركي فقد أشارت الأرقام التي أعلنتها الحكومة إلى أن صناعة الخدمات بالولايات المتحدة نمت بسرعة كبيرة. في حين قالت الحكومة أيضا أن العجز في الحساب الجاري سجل رقما قياسيا بعدما بلغ 8،541 مليار دولار عام 2003 مما سيزيد من حرارة النقاشات في الحملة الانتخابية للفوز بالرئاسة في الولايات المتحدة كما سيزيد من الضغط على العملة الأميركية الضعيفة.

وكان لتقرير تحسن فرص العمل في شهر آذار (مارس) الماضي أثره في رفع سعر الدولار ليصل إلى أعلى معدل له في أسبوعين. فقد سجل الدولار ارتفاعا بلغ 1.2 في المائة مقابل الين لتبلغ قيمته 106.4 ين ياباني، بينما بلغ سعر اليورو 1.2 دولارا وانخفض سعر الجنيه الإسترليني بنسبة 0.5 في المائة ليسجل 1.82 دولار.

 

ويقول خبراء الاقتصاد أن انخفاض سعر الدولار منذ تشرين الاول (أكتوبر) العام الماضي لم يكن نتيجة بطء النمو الاقتصادي فيما يتوقع محللون ماليون أن تشجع أخبار تحسن فرص العمل بنك الاحتياطي الفدرالي على رفع أسعار الفائدة الأميركية قبل الموعد الذي تم توقعه في السابق وهو ما يعد عاملا آخر في تقوية سعر الدولار.

 

واعتبر المحللون أن معظم الاقتصاديات الأوروبية في الوقت نفسه تعاني هي الأخرى من أزمات. فمن المتوقع أن تسجل معدل البطالة الألمانية، ارتفاعا لتظل أعلى بكثير من 10 في المائة. ويبقي البنك المركزي الأوروبي على معدل الفائدة عند 2 في المائة وهو ما يساوي ضعف المعدل الأميركي ويخشى الكثيرون من أن يؤثر ذلك على النمو الأوروبي.

 

أما العجز في الحساب الجاري الذي يشمل التجارة والاستثمارات والعمالة الوافدة والحوالات باتجاه واحد مثل المساعدات الخارجية، فقد ازداد عما كان عليه خلال العام الماضي (9،480 مليار دولار) .

 

وزاد من عجز الحساب الجاري تسجيل عجز بمقدار 5،127 مليار دولار في الربع الاخير من السنة المالية، طبقا لوزارة الاقتصاد.

 

وقال سال غواتيري المحلل المالي في مجموعة >بي ام او< المالية انه >فيما لا يزال نمو الصادرات قويا جدا، ما زلنا نرى ارتفاعا سريعا في الواردات وهذا يحد من اي تحسن في عجز الحساب الجاري للربع الاخير<.

 

واضاف انه >لهذا العام هناك فعلا عجز قياسي هائل< مؤكدا ان >ذلك يعني ان الدولار الاميركي يمكن ان يشهد هبوطا. يجب ان يثني شيء ما الاميركيين عن شراء البضائع الاجنبية الرخيصة الامر الذي يمكن ان يزيد من ضعف الدولار الاميركي<.

 

 واظهرت البيانات لعام 2003 ما يلي:

 

ـ ازداد العجز في تجارة البضائع والخدمات بمعدل 3،17 بالمائة ليصل الى 2،490 مليار دولار.

 

ـ تمتعت الولايات المتحدة بفائض في الدخل مقداره 6،16 مليار دولار بعد عجز بمبلغ 0،4 مليار دولار عام 2002.

 

ـ نتج عن التحويلات باتجاه واحد عن تدفق الى الخارج مقداره 3،68 مليار دولار.

 

وفي الربع الاخير من عام 2003 وحده انخفض العجز في الحساب الجاري وبشكل غير متوقع مقارنة مع الربع الثالث حين بلغ 3،135 مليار دولار.

 

وتعتبر التجارة ارضا خصبة للمواجهة بين المرشح الرئاسي الديموقراطي جون كيري والرئيس الاميركي جورج بوش في السباق الى الرئاسة في الانتخابات التي ستجري في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر).

 

واظهرت استطلاعات الرأي ان كيري يتقدم بثماني او تسع نقاط في الحملة الانتخابية التي تتركز منذ اسبوع على سياسة بوش الاقتصادية وفقدان الوظائف. واتهم كيري بوش مؤخراً بخفض الضرائب بصورة تلائم الاغنياء في حين لا يبذل الكثير من الجهد لمعالجة فقدان حوالي ثلاثة ملايين وظيفة في الولايات المتحدة.

 

 

 

الوظائف

 

وقال كيري في تصريحات معدة مسبقا >من الواضح ان جورج بوش سيقاتل بضراوة للاحتفاظ بوظيفته الا انه لن يحرك ساكنا لمساعدة الاميركيين للاحتفاظ بوظائفهم<.

 

اما بوش فقال ان منتقديه يرغبون في >بناء جدار< يفصل الولايات المتحدة عن التجارة العالمية المربحة ويكلف الاميركيين وظائفهم.

 

وصرح في كلمة امام سيدات الاعمال ان >جدول اعمالهم هو زيادة الضرائب الفدرالية وبناء جدار حول هذا البلد ولعزل اميركا عن باقي العالم<. واضاف ان >سياسة الانعزال الاقتصادي القديمة هي الطريق الى كارثة اقتصادية< مؤكدا ان >الولايات المتحدة تجاوزت ذلك التفكير المتعب والانهزامي ولن نعود الى الوراء<.

 

ولا يستبعد المحللون الاقتصاديون ارتباط حياة البذخ التي يعيشها رؤساء الشركات كبيرة ومرتباتهم الخيالية والفضائح التي تعصف بشركاتهم والانهيارات المعدة سلفا للكبرى منها والافلاسات المتتالية التي الحقت الكثير من الضرر بالاقتصاد العالمي، وبين الفوضى في الارقام والتوقعات التي تصدر في البيانات او التصريحات الرسمية الامر الذي يربك الاوروبيين وبقية الاسواق ويحرم العملات العالمية من الاستقرار والثبات.

 

 

 

فضائح

 

وإذ يلاحق القضاء الاميركي حاليا العديد من رؤساء الشركات العملاقة بتهمة اختلاس الاموال او سوء ادارة مؤسساتهم، ليكتشف الجمهور حياة البذخ التي يعيشها هؤلاء المحظوظون الذين لا يترددون في شراء حاملة مظلات بـ 15 الف دولار... على حساب شركاتهم.

 

لكن هذه الحجج لا تدخل على الدوام في اطار الاتهامات الرسمية الموجهة غير أن النيابة العامة لا تتردد في استخدامها لاستمالة الرأي العام.

 

وفي مثال على ذلك تم التحدث في محاكمة مارثا ستوارت عن رحلة الى المكسيك بلغت كلفتها 17 الف دولار حاولت امرأة الاعمال الشهيرة هذه التي ادينت يوم الجمعة الماضي في اطار قضية فساد، تمريرها على انها نفقات عمل.

 

ويرى جون كوفي الخبير بالمخالفات التي يرتكبها مدراء الشركات، في كلية الحقوق في جامعة كولومبيا >الصدقية غالبا ما تكون على المحك في هذا النوع من المحاكمات<.

 

وفي هذا الاطار لا يتردد المدعون في الدخول في تفاصيل نمط حياة المتهم وشخصيته كما حصل الاسبوع الماضي عند افتتاح محاكمة جون ريغاس مؤسس شركة >اديلفيا< لخدمات التلفزيون عبر الكابل التي اعلنت افلاسها بعد عمليات اختلاس اموال ضخمة.

 

فقد استمتع نائب المدعي العام ريتشارد اوينز بشكل واضح في توضيحه لهيئة المحلفين كيف ان الطائرة الخاصة بهذه الشركة استخدمت لنقل شجرة ميلاد لابنة جون ريغاس.

 

واوضح اوينز >لكن للاسف الشجرة لم تكن في المقاس الذي ترغب به فقامت الطائرة برحلة ثانية لنقل شجرة الميلاد على حساب المساهمين في اديلفيا الذين دفعوا بين عشرة الاف و20 الف دولار<.

 

ووصف المدعي كيف ان تيموثي ريغاس نجل جون ريغاس الملاحق ايضا في اطار هذه القضية اشترى، ودائما على حساب الشركة، حوالي مائة زوج من الخف من فندق كان ينزل فيه. مع ان ذلك كلف اقل من 300 دولار لكنه يسمح للنيابة العامة بتقديم تيموثي ريغاس على انه شبيه بايميلدا ماركوس لكن في اوساط وول ستريت.

 

لكن ذروة التبذير تعود الى دنيس كوزلوفسكي رئيس مجلس ادارة مجموعة تايكو الصناعية سابقا الذي تنتهي محاكمته بتهمة اختلاس مئات الملايين من الدولارات هذا الاسبوع. فمنذ اشهر تورد الصحف بتلذذ واضح الاثاث الذي يملكه كوزلوفسكي ومنه حاملة مظلات بخمسة عشر الف دولار وستارة مغطسه بستة الاف دولار وكلها امور اشتراها حسب الادعاء على حساب الشركة.

 

وعرض في المحكمة ايضا شريط فيديو لحفلة عيد ميلاد زوجة كوزلوفسكي التي تمحورت حول موضوع روما القديمة ونظمت في منطقة سردينيا الايطالية وبلغت كلفتها حوالى مليوني دولار تحملت الشركة نصفها. ففي وسط القاعة التي اقيمت فيها الحفلة وضعت منحوتة جليدية تمثل منحوتة داود لميكيلانجلو تبول الفودكا.

 

 

 

أسطوريون

 

وفي حين كانوا في الامس >فرسان< الاقتصاد الاميركي، بدأ نجم رؤساء الشركات هؤلاء بالافول مع انهيار البورصات في عام 2001 وفي السنة التالية مع فضيحة انرون التي تلتها فضائح اخرى.

 

ويقول كوفي >كانوا ابطالا عندما كانت البورصة تتحسن خمسين نقطة في اليوم لكن ما ان بدأ الناس يخسرون الاموال ظهرت رغبة قوية جدا للاقتصاص منهم<.

 

وقد ساءت سمعة بعض الرؤساء >الاسطوريين< مثل رئيس مجلس ادارة مجموعة >جنرال الكتريك< سابقا جاك ولش.فقد اظهرت اجراءات الطلاق التي باشرتها زوجة ولش عام 2002 الامتيازات التي كان يتمتع بها ولش مثل شقة في منهاتن واستخدام طائرات خاصة بالشركة. وبطلب منه وضع مجلس ادارة المجموعة حدا لهذه الامتيازات.

 

وتجري شركة التبغ الأميركية فيليب موريس انترناشيول التي تصنع سجائر مارلبورو محادثات في بروكسل للتوصل إلى تسوية بشأن الاتهامات الموجهة إليها بالتواطؤ في تهريب التبغ. وأكدت المفوضية الأوروبية هذه المحادثات التي قد تخلص في النهاية إلى أن تدفع الشركة مبلغا كبيرا على مدار عدة أعوام. وقالت الشركة أنها ستدفع هذه الأموال لمكافحة تهريب التبغ وذلك على الرغم من نفيها التورط في عمليات التهريب.

 

ويقاضي الاتحاد الأوروبي فيليب موريس ومنافستها آر جيه رينولدز في محاكم أميركية. وطبقا لما ذكرته فيليب موريس فإن الصفقة قد صيغت بالفعل وتحتاج حاليا إلى تصديق 10 دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي كانت قد شاركت في القضية علاوة على مجلس إدارة الشركة.

 

ولم يتحدد بعد رقما للمبلغ الذي ستدفعه فيليب موريس للتسوية على الرغم من أن بعض التقارير الصحفية ذكرت أن المبلغ في حدود مليار دولار (550 مليون جنيه استرليني) وتؤكد المفوضية الأوروبية أن هذا المبلغ ليس على سبيل الغرامة.

 

 

 

غسيل أموال

 

وتواجه شركات انتاج التبغ الثلاث الكبرى في الولايات المتحدة اتهامات بغض الطرف عن تهريب التبغ لعدة أعوام. وهناك مزاعم تقول أن هذه الشركات شحنت سجائر إلى دول العالم الثالث تفوق استيعاب أسواق تلك الدول، الأمر الذي دعا بروكسل إلى توجيه التهمة وذلك على الرغم من علمها أنه سيتم تهريب التبغ بعد ذلك إلى دول الاتحاد الأوروبي.

 

كما يزعم الاتهام ان تلك الشركات تقوم من الناحية العملية بغسيل الإيرادات الناجمة عن هذه الجريمة. وقدرت تقارير صدرت عام 2000 أن الاتحاد الأوروبي فقد حوالي مليون يورو (1.2 مليون دولار) من أموال الضرائب عن كل سيارة شحن محملة بالتبغ لتتجاوز بذلك الخسارة السنوية مليار يورو.

 

 

 

 

 

بروكسل ـالمشاهد السياسي - ديفيد وليامز