مقدمتان للنظر

في وضع" المدنيين الأبرياء " أثناء القتال

بين  ( مفاخر ) الحضارة المعاصرة !! وحكم الإسلام

(1\2)

 

بقلم :د : يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

 

يظهر حرص الإسلام على سلامة " المدنيين الأبرياء أثناء الحروب  من شروطه الأخلاقية والتشريعية التي وضعها للسلام والقتال

وليس السلام في الإسلام  حالة سلبية تتمثل في إلقاء السلاح ، ولكنه إسلاميا- صفة إيجابية تتمثل في إنجاز السلام بمعناه الإسلامي . فإذا وقع القتال فمن  شروطه تطبيق الشريعة والعدل ، والإحسان ،  ومن هنا جاءت جدلية النهي عن التدمير والتحريق والتغريق  ، وخطف أو أسر أفراد من العدو في حال الجهاد ، وقتل الأسير ، وقتل الأطفال والنساء والشيوخ ، والتمثيل بالجثث ، وقطع الأشجار .

ولكي نبدأ  النظر في الموضوع  نرى حتمية النظر أولا في  مقدمات ضرورية قبل الخوض في الجزئيات والتفاصيل إذ لا بد من رؤية شاملة لأصول الموضوع .

 

وفي هذه الرؤية الشاملة نجد  أنفسنا أمام مقدمتين  :

المقدمة الأولى : تتمثل في أن المسلمين يجدون أنفسهم حاليا  بإزاء حرب شاملة على مستوى خريطة العالم

وتتمثل المقدمة الثانية  في أن تقنيات هذه الحرب جديدة تماما تدور في ظل حضارة جديدة لها ثقافتها الجديدة أيضا  وقيمها الجديدة كذلك  . لقد تطور الأمر إلى أن صار قتل المدنيين في الحروب  من مفاخر الحضارة الغربية المعاصرة !!

 

وعند الاقتراب من النتيجة سنجد خلافا واسعا وقع بين الفقهاء في المسألة  .

 

أما عن المقدمة الأولى : فالمسلمون  يجدون أنفسهم حاليا  بإزاء حرب شاملة أعلنها الغرب ضدهم على مستوى خريطة العالم - تتخللها هدنة هنا وهدنة هناك  - قامت  بالفعل منذ بداية الاستعمار الحديث  أعلنها الغرب من جهته عليهم في جميع الجبهات ، واشتدت وتيرتها في العقدين الأخيرين ، وهي حرب معلنة أو خفية - مستمرة ولن تزال حتى تحقق أهدافها من وجهة نظر الذين أعلنوها ، أو تفشل كما يتمنى الذين وقعت ولا تزال تقع عليهم .

ويرجع اصل ذلك إلى العداء التاريخي الذي يكنه الغرب للإسلام والمسلمين ونحن لن نغوص هنا في التاريخ ولكن نكتفي بلفتة وراءنا لسنوات قليلة نشير فيها إلى بعض ما ذكرناه سابقا بتوسع :

 

(1) تظهر صورة هذا العداء  في مبادرة من طرف الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ( الناتو ) ويلي كلايس ، عند ما اعتبر ( أن الأصولية الإسلامية باتت العدو رقم واحد للحلف ، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي ونهاية الحرب الباردة ولذلك يتوجب محاربتها ) وقد كشف كلايس عن مبادرته في حديثين صحافيين قبل أن يطرحها في صورة رسمية أمام مجلس سفراء الحلف في اجتماعه الأخير ، وانتقلت مبادرة كلايس إلى قرار سياسي أصدره الحلف بفتح حوار حول الموضوع مع دول مثل مصر وإسرائيل ) مجلة الشروق الصادرة في إمارة الشارقة عدد 152 \6  بتاريخ 12\ 3 \1995

 

وفي التحقيق الذي كتبه الأستاذ بشير في العدد المشار إليه جاء في حديث للسيد ماريانو آغوري أحد أبرز الخبراء الأوربيين ومدير مركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية الأسباني قوله : ( نرى أن الفضاء الإسلامي هو المكان الذي تنطلق منه المخاطر والتهديدات والكوارث في أواخر هذا القرن . إن حالة الارتياب من الإسلام ليست جديدة ، وهي ناتجة اليوم عن عداء خفي يشير إلى أن الإسلام هو الخطر الأكبر الذي يهدد الغرب بصفة غير مباشرة … وأخيرا والآن بعد ما اختفى الاتحاد السوفيتي يتساءل الاستراتيجيون والمختصون في الشئون الجيوسياسية عن المخاطر التي يمكن أن تنتج عن إسلام يمتلك القنبلة الذرية حيال أوربا خلال القرن الحادي والعشرين ، من هنا جاءت  موجة الإعداد لمواجهة هذا العدو الجديد )

 

وفي تقرير أصدرته " الأكاديمية الملكية للشئون الدولية " في لندن ، جاء ما يلي (  " بالنسبة إلى الأوربيين كان الإسلام مسألة تشغل بالهم دائما ، غير أن هذه المشكلة ليست ظاهرة بعيدة ، والآن أصبحت جزءا من الواقع الثقافي في الأحياء الأكثر فقرا في بعض المدن الأوربية ، إن العدو القديم تسلل من الباب الخلفي حاملا لافتات  غرائبية وغير منطقية تكونت عبر العصور : " جهاد ضد الكافرين ، وتقبل سلبي للمصير ،  وللعقيدة المتزمتة " )

 

وهنا يشير بعضهم إلى ( أن التهديدات النووية يمكنها أن تكون صادرة من بلدان العالم الثالث حيث رؤساء الدول لا يتمتعون بقدر كاف من العقلانية ، وليسوا واعين للعواقب التي ستترتب على عدم الانصياع للمنطق المفروض من قبل الولايات المتحدة وروسيا خلال الحرب الباردة )

وهنا تبدو عنصرية هذا الطرح الذي ينطلق من عقيدة الغرب  في تفوق الرجل الأبيض عنصريا ،  كما يبدو منطقه متهافتا إذ يعني أن الجنون حالة إسلامية تعني تجريد المسلمين من القدرة على الدفاع عن أنفسهم ضد " الحالة الصهيوينة " المسلحة نوويا . 

 

وبما أننا نحن المسلمين نواجه في الواقع عدوا عاقلا جدا ، فإنه لابد من وجود تفسير أكثر عمقا وشمولا وعقلانية من مجرد الإشارة إلى أسلحة الدمار الشامل : إنها فكرة الصراع في الغرب ، نجدها جزءا من بنيتهم الثقافية قديما وحديثا ، فهناك " صراع الآلهة " فوق جبال الأولمب ، كما نجده في أساطير الإلياذة والأوذيسة وما جره هذا الصراع من صراع بين أسبرطة وأثينا ، ثم هناك صراع الدولة الرومانية مع الدولة الفارسية ، وصراعها مع الإسلام ، وصراع المسيحية مع الإسلام ، وزحف هذا الصراع إلى أمريكا في عملية إبادة الهنود الحمر ، وزحف الاستعمار الحديث على الشرق ، وصراع الغرب لإبادة المسلمين في حروب القرم والقوقاز ، والبلقان ، وتحتل فكرة الصراع موضع العقيدة في التكوين الثقافي للإنسان الغربي المعاصر ، فهو - أي هذا الإنسان - قد يشك في عقيدته المسيحية ، وقد يشك في عقيدته الرأسمالية ، أو غيرها ولكن تبقى لديه فكرة الصراع راسخة لا تمس ، بدءا بالصراع البيولوجي الذي أسسه دارون ، ومرورا بالصراع الاجتماعي عند هربرت سبنسر ، وانتهاء بصراع القوميات عند نيتشة ، وهو - أي هذا الإنسان -  في ذلك كله ينظر إلى الصراع لا باعتباره شرا  لابد منه ، ولكن باعتباره آلية التقدم في الطبيعة والإنسانية والحضارة .

 

إنه الصراع الذي لا يكتفي بمقتضى ثقافتهم بغير إبادة الآخر ، مهما ارتفعت لديهم شعارات الديموقراطية وحقوق الإنسان والحوار والاعتراف بالآخر ، فهي شعارات سطحية " مضروبة " لا يشتريها أحد  ، يسمح بها طالما كانت الأمور " تحت السيطرة " لحساب التفوق العنصري الأبيض ، أما إذا اهتز هذا التفوق أو تحركت ضده نذر الخطر من بعيد على مرمى قارات ومرمى قرون فإن الإبادة للآخر تنكشف لتكون هي الأساس

 إبادة الآخر في الأندلس ، إبادة الآخر في القارة الأمريكية الجديدة ( الهنود الحمر ) ، إبادة الآخر المسلم في أوربا الشرقية والبلقان وآسيا الصغرى والقوقاز  ، إبادة الآخر في الشرق الأوسط ، في الجزائر وفلسطين والعراق وإيران ، إبادة الآخر في تصنيفهم للعالم أخيرا إلى محورين : أحدهما للخير ، والآخر للشر . تلك هي مشكلتهم المستعصية التي يعالجونها بلا هوادة  منذ ظهور الإسلام إلى اليوم ، وليس من بعد  أحداث حالية .

 

وهاهو وزير السياحة الإسرائيلي المدعو بني آلون يصرح لصحيفة هأرتس في مطلع شهر ( مايو 2003 م ) قائلا : " من الواضح أن الإسلام في طريقه إلى الزوال ، فما نشاهده اليوم في العالم الإسلامي ليس انتفاضة إيمان قوية ، بل انطفاء جذوة الإسلام ، أما كيف سيزول فبكل بساطة بقيام حرب مسيحية صليبية ضد الإسلام في غضون بضع سنوات ، ستكون الحدث الأهم في هذه الألفية ، وطبعا سنواجه مشكلة كبرى حين لا يبقى في الساحة سوى الديانتين الكبيرتين : اليهودية !! والمسيحية ، غير أن ذلك ما زال متروكا للمستقبل البعيد " . أما المشكلة الكبرى التي يتحسس لها الوزير بعد القضاء على المسلمين فهي المواجهة التي يتوقعونها بين المسيحية واليهودية آنذاك .

 

أليس من الضروري إذن أن نحذر المسلمين اليوم من التناوم والغفلة عن ثأر أوربا ضد الإسلام الذي يتركز في منطقة الشرق الأوسط  بالذات ، ولن يكتفي هذا الثأر حتى يقتات على لحومهم ودمائهم وعظامهم بغير استثناء ، ويتطاول إلى قدسين : تم له الإطباق على أحدهما وهو بيت المقدس ، ويخطو حاليا بخطوات ثابتة نحو الآخر .   

 

(3) وبقدر ما أنه من المناقصة على الإسلام في باب الدعوة للقتال - أن يعرض الحمائم فيه " حوار السلام والرحمة والتسامح " في نفس الوقت الذي وصلت قعقعة السلاح ضده إلى عنان السماء ، كذلك فإنه من المزايدة الفارغة على الإسلام  - في باب الدعوة للسلام – أن ينكر أعداؤه عليه فريضة الجهاد ، لأنهم إذ ينكرونها فإنما يدعون إلى حالة من الفوضى والضعف يصبح السلام معها أمرا مستحيلا

 

 إذ من المؤكد تاريخيا أن الضعف يمثل الإغراء الأقوى بالاعتداء وتدمير السلام ، ومن المؤكد استراتيجيا كما هو معروف أن نفوذ الأقوياء ليس حصيلة قوتهم فحسب ولكنه معادلة من طرفين : قوتهم الذاتية + ضعف  العدو وحرص رجاله على الحياة

 وهم إذ ينكرون الجهاد على الإسلام لا ينكرون عليه فريضة دينية فحسب ، ولكنهم يرتكبون نفاقا مكشوفا : حيث يحرصون على أن يغرق الكيان الصهيوني فلسطين بالدماء والدمار بأحدث الأسلحة الأمريكية ، تاركا للدول العربية أن تحصي الشهداء ، الذين يسقطون والمنازل التي تدمر والأراضي التي تجرف أو تصادر

وحيث  يحرصون على أن تمتلئ ترساناتهم الحربية بما يكفي لتدمير الحياة الإنسانية على الأرض مرات ومرات بينما هم يعملون على تجريد المسلمين  من كل سلاح بدعوى السلام ، في الوقت نفسه   .

ويأتي التحريض الصريح إلى حد الوقاحة - ضد الإسلام في مقال الصحفي " المعجباني " الشهير توماس فريدمان وهو يلوك علكته عن  أسباب الحرب على الإرهاب !! فيؤكد  في افتتاحية النيويورك تايمز والذي قدمته جريدة الأسبوع بتاريخ  9 \ 6\ 2003 بقوله : ( إن  السبب الحقيقي لهذه الحرب يقصد على العراق -  وغير المعلن هو أحداث 11 سبتمبر ، فأمريكا كانت بحاجة لضرب هدف أي هدف في العالم العربي والإسلامي.. ضرب أفغانستان لم يكن كافيا لأن فقاعة الإرهاب تعدت حدود أفغانستان وأصبحت تشكل خطرا حقيقيا علي المجتمعات الغربية المفتوحة وكان لابد من ثقب وخرق هذه الفقاعة.  لقد تساهلنا كثيرا وسمحنا أن يمارس المسلمون مثل هذه الأنشطة. كانت الطريقة الوحيدة أمام الجنود الأمريكيين رجالا ونساء هي ضرب 'قلب' العالم العربي والإسلامي !! وقتال المسلمين والعرب من منزل إلي منزل ، .. ما حدث في العراق درس لسوريا والسعودية ، لقد ضربنا صدام لسبب واحد بسيط - والكلام ما زال لفريدمان - هو أننا قادرون علي ذلك ، ولأنه يستحق ذلك ، ولأنه يقع في قلب العالم العربي والإسلامي ، لا تصدقوا أن ضرب العراق لم يحدث التأثير المطلوب. كل جيران العراق والدول 'الإرهابية' تخشي ما حدث ، ووصلتها الرسالة بوضوح تام.. إذا تحدثت مع أي مسئول أمريكي عن أسباب حرب العراق فسيقول لك إن هذا هو السبب وليس شيئا آخر.)

وليقرأ المخادعون الذين يختبئون وراء الزعم بتفرقة الغرب في تحريضه على الإسلام بين مصطلح الإرهاب والتطرف ، والإسلام أو الإسلاموية

 

ولم يستثن هذا العدوان الغربي المعاصر على الإسلام لم يستثن  العمل الخيري الإسلامي والإغاثي - سواء علي المستوي الفردي أو الجمعي وكان أكثر الجوانب التي تأثرت بتداعيات 11 سبتمبر، ويفسر الباحث عمرو عبد الكريم في دراسته «العمل الخيري والإسلامي: استحكام سياسة تجفيف المنابع» التي جاءت  ضمن العدد الجديد من حولية «أمتي في العالم» الذي يرصد عام 2001 و2002 ويصدره مركز دراسات الحضارة ، وتديره الدكتورة نادية مصطفي - أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة

يفسر الباحث أسباب الاستهداف الأمريكي لهذا الجانب المهم من العمل الإسلامي في أن العمل الخيري يثبت وحدة الأمة الإسلامية وأنها قائمة بالفعل، وكذا الدور المهم لتلك الجمعيات في مواجهة حملات التنصير التي تدخل إلي المسلمين من أبواب الفقر والجوع، ومن ثم فإن الحرب علي العمل الخيري الإسلامي تستهدف بالأساس ربطه بالإرهاب وصد المتبرعين عن التعاون معها ، وتحسر المنفقين علي أموالهم التي تم تجميدها ، وإفساح المجال تلقائيًا للمجال التنصيري ، بحيث يتم بث رسالة غير مباشرة للمحتاجين والمتضررين ، مفادها أنه «ليس أمامهم إلا المنظمات التنصيرية ، في حين أن العمل التطوعي الإسلامي يعود عليهم بويلات أكبر مما هم فيه من ضرر حالي » .

ويرصد الباحث مرحلتين للحرب الأمريكية ضد العمل الخيري الإسلامي، تمثلت الأولي في التسمية العلنية للأشخاص والمؤسسات وتجميد الأموال في البنوك ، والثانية في التركيز علي شبكات تحويل الأموال في الجميعات الخيرية. بل وفرضت الولايات المتحدة علي الدول العربية والإسلامية الاستجابة لحملتها وحربها علي العمل الخيري الإسلامي ، سواء بتجميد أرصدة تلك الجمعيات ، أو بإعادة تنظيم ومراقبة العمل الخيري الإسلامي .

إنها حرب صليبية بكل معنى الكلمة أعلنها بوش حين أشار إلى حربه ضد الارهاب بأنها "حملة صليبية" واعتذر له بعضهم ، ثم عادت لتظهر من جديد في خطاب لجمع التمويل لحملته الانتخابية الثانية حين امتدح مارك راسيكوت  -- رئيس الحملة الانتخابية لبوش ونائبه ديك تشيني في الثالث من مارس اذار 2004    --  الرئيس الجمهوري "لقيادته حملة صليبية عالمية ضد الارهاب " .  الشعب الألكترونية 23\4\2004

 

هذه هي المقدمة الأولى التي يتضح منها أن المعركة إنما هي مع الإسلام بكل أشكاله وألوانه ومع أهله جميعا  معتدلين ومتطرفين ، والغرب على يقين (!!)  بأن المتطرفين إنما يخرجون من عباءة المعتدلين ، ومن ثم فإن المعتدلين في نظرهم - هم الأكثر خطرا ، واسألوا رجال المخابرات الحاذقين ، إنها إذن المعركة المعلنة من جانب الغرب على الإسلام على مستوى خريطة العالم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا .

 

وأما المقدمة الثانية اللازمة  للنظر في حكم سلامة المدنيين الأبرياء أثناء القتال فأعني بها  التطور الجذري الشامل الذي طرأ على وسائل القتال وأدواته ، وبخاصة إذا لاحظنا أننا نتكلم عبر تطور قيمي وحضاري وتكنولوجي امتد لعشرات القرون ، انتقلت فيه الإنسانية من حضارة إلى حضارة أخرى ، واصطحبت معها تغيرا في الثقافة المساندة  ، ومن المسلم به أن الحضارة إذ تتطور بسرعة أكبر من ثقافتها بفعل القفزات التكنولوجية المفاجئة - يصبح من الخطأ إصدار بعض الأحكام القيمية لها أو عليها من خلال الثقافة التي تم انفصال الحضارة عنها:

ومن ثم فنحن نرى أن الفقه الاجتهادي في الإسلام يواجه اليوم بتحد بارز في هذه القضية ، نظرا لاستحالة تحقيق الشروط الأخلاقية الإسلامية  في الحرب " القذرة " الحديثة في سياق الحضارة المعاصرة ، وهي حرب لم تعد أسلحتها تعتمد على الطابع الأخلاقي أصلا ، كالشجاعة والشرف والمواجهة والمروءة والرجولة والمهارات الجسدية  والإنفاق الشخصي ، تلك الأسلحة التي كانت تتطابق مع تقنية ميدان المعركة نفسها ومنها تقسيم الجيش إلى صفوف تتواجه خارج التجمعات السكانية

 وإنما هي مجرد عمليات تدمير من بعيد في الغالب وبالدرجة الأساسية وفقا لوصف الاستاذ محمد حسنين هيكل في جريدة السفير في 1/7/2003 حين قال عن الحروب الأمريكية الحديثة: ان الحروب أصبحت ومضات واشارات علي الشاشات ، تضيء وتبرق دون أن تظهر للعيان مأساة الحياة والموت. وبذلك فان الطابع البشري للحرب شحب وغاب لان قيادات الجيوش راحت تمارس القتل من بعد مئات الاميال وآلافها .

 

وهي حرب تعتمد اليوم على المستوى الأعلى  من التقدم العلمي التكنولوجي ، في الاقتصاد والاتصالات والتنظيم والإدارة والخبرة والتجسس ،  والهندسة ، والجندي المدرب على الآلة ، المعبأ نفسيا ضد عدو لا يعرفه ، والذي يضرب مالا يراه ولا يحس به ، كما تعتمد على الصواريخ  التي يساوي واحد منها دخل مدينة ، و الطائرات التي تساوي واحدة  منها دخل إمارة ، والقنابل التي تساوي واحدة منها دخل دولة ، وميزانيات الدولة للحروب التي تبلغ – في الولايات المتحدة – هذا العام 2004 أكثر من أربعمائة مليار دولار ، تم دعمها بمثلها ، كما تعتمد أساسا على أسلحة الدمار الشامل ، ونسف كل المحظورات والحرمات  بتدمير المساجد والمنازل والمستشفيات والمدارس بدعوى اختباء المطاردين بها ، وتدمير المدن ومراكز الطاقة والمصانع والجسور وخطوط الاتصال والمواصلات والإنتاج والتوزيع والبورصة والنقد ، وتجميد الأموال لعشرات السنين ،  أو سرقتها على الأصح ومصادرة أموال الجمعيات الخيرية ، وبث الذعر في صفوف الجماهير إلى حد يمكن فيه تحويلهم  إلى أداة تعمل في صالح العدو نفسه ، ، وهي أوضاع تختلف جذريا عما كانت عليه قبل التقدم العلمي الحديث ، بحيث أصبح التقيد المطلق بأخلاقيات الحرب القديمة يعنى التحالف مع الهزيمة ابتداء . 

لقد تطورت الحرب الحديثة تحت لواء التقدم العلمي التكنولوجي الهائل الذي أحرزته الدول الكبرى ومن يليها إلى حرب ليست لا تبالي فقط بضرب الأبرياء من المدنيين بل هي تجعلهم هدفها الأول والرئيس ، تحت ستار ما أصبح يسمى - من باب التزييف أو النفاق - تدمير البنية التحتية للعدو في المواصلات والمياه والكهرباء والإعلام ووسائل المعيشة ،  والروح المعنوية للشعب

 

 فهو يضرب المساجد فإذا قيل باندهاش ساذج واستنكار أبله : كيف ؟ قالوا : لأنها تختبئ فيها عناصر المقاومة ، ويضرب المدارس فإذا قيل : كيف ؟ قالوا  تختبئ فيها عناصر المقاومة ، ويضرب المستشفيات فإذا قيل : كيف ؟ قالوا  تختبئ فيها عناصر المقاومة ، ويضرب سيارات الإسعاف فإذا قيل : كيف ؟ قالوا  تختبئ فيها عناصر المقاومة ،، ويضرب المساكن فإذا قيل : كيف ؟ قالوا  تختبئ فيها عناصر المقاومة ،ويضرب مراكز الإعلام  فإذا قيل : كيف ؟ قالوا  تختبئ فيها عناصر المقاومة ،الأمر الذي جعل من وزراء دفاعهم ، وقادة جيوشهم  طبعة عصرية من كبار السوفسطائيين ، و لم يترك عمليا أي معنى لمصطلح الحرمات والمحرمات والمحظورات والممنوعات في أي قانون أو اتفاق

وكما يقول الأستاذ محمود شنب بجريدة الشعب في 23\4\2004 : ( أصبحت الدولة تقوم بما تقوم به العصابات .. يسطون على البنوك الفلسطينية ويأخذون ما بها من أموال .. يدخلون المستشفيات ويقتلون المرضى .. حتى مستشفيات الأمراض العقلية والنفسية دخلوها وروعوا المرضى والعاملين .. يمنعون الصلاة في المسجد الأقصى لأقل من 45 ... لم يتركوا شيئـًا إلا فعلوه .. استخدموا الأسلحة الحربية ضد أطفال يحملون الحجارة .. لم يكتفوا بالحصار والهدم والتنكيل والقتل ، وإنما يخطفون الفتيات ويفعلون بهم الفحشاء أمام أهلهن وفى وسط الطريق .. يقتلون الأب والأم أمام الأبناء )

 

وقد بدأ هذا التطور منذ الحرب العالمية الأولى واستشرى بعد ذلك وما يزال يستشري ، وهي نتيجة حتمية لتطور وسائل القتال الحديثة ، ولقد ذهب  ربما إلى غير رجعة - أسلوب القتال في العصور الحجرية القديمة والعصور الوسطى " المتخلفة " الذي كان يعتمد على المواجهة بين صفوف القتال في أرض المعركة ، فإذا انهزم الجيش انتهت الحرب ، أما في التطور الحديث فقد انقلب الترتيب وأصبحت المعركة تبدأ أو تتطور إلى ضرب المدنيين أصلا فإذا تحطمت المدينة انتهت الحرب .

 

 ونحن ما نزال نذكر عدد القتلى في الحرب العالمية الثانية الذي بلغ أربعين مليونا فهل كان هؤلاء من العسكريين ،؟  كما يزال كثير منا  يذكر المعارك المؤثرة في مجريات الحرب العالمية الثانية بتدمير المدن الرئيسية الكبرى مثل لندن وبرلين وغيرها ، وما نزال نذكر كيف أن الضربة الحاسمة في انتصار الغرب الديموقراطي في الحرب العالمية الثانية كانت بتدمير مدينتين كبيرتين في اليابان هما هيروشيما ونجازاكي ، واليوم يضرب العدو المسلم مدنيا في كل مكان عله يركع أو ( يتبع ملتهم ) في الشيشان والبوسنة والهرسك وكوسوفو ، وأفغانستان وجينين فلسطين وفلوجة العراق إلخ

 

إننا نظلم الإسلام إذا وقفنا هنا لنتحدث عن المثل العليا ، دون أن نلتفت إلى  ما يمارسه أعداؤه  – في واقع الساحة الدولية بعامة – من نكسة حضارية بتدمير المدن ، وقتل مئات الآلاف من غير المحاربين في طلقة نووية واحدة ، تقتلهم عند الإطلاق ،  كما تقتلهم بعد الإطلاق بعشرات السنين ، وضربهم باليورانيوم : في مخادعهم التي عليها ينامون ، وقتلهم بهوائهم الذي يتنفسون ، وتسميمهم بمائهم الذي يشربون ، ونشر الإشعاع القاتل في بيئتهم حتى خارج حدود إقليم الحرب ، وكما يجب أن نلتفت إلى ما يجري من جيش إسرائيل المسلح بأحدث الأسلحة الأمريكية ضد أطفال الانتفاضة الفلسطينيين وشبانهم الذين لا يملكون من الأسلحة غير الاستشهاد ، وما يقوم به  العدو الأمريكي من حصار تجويعي ، واغتيالات للأفراد ، وتصفية دماء الجرحى  ، والحيلولة بينهم وبين العلاج حتى الموت ، ، وقتل متعمد للأطفال ، والنساء والشيوخ في مخادعهم ، والمرضى في أسرتهم ، ، وتجريف المزارع  ، وتدمير البيوت والطرق ، وتخريب مصادر الماء والطاقة والإنتاج ..

 

ولنقرأ ما كتبه الأستاذ خالد محمود في جريدة الأسبوع بتاريخ 16\2\2004 تحت عنوان "فرقة مقاتلة المدنيين!" : (  ما نشرته 'جينز دفنس ويكلي' في عددها الأخير من أن البنتاجون أفرد في خطته منذ ثلاثة أعوام في الحرب علي العراق بابا أساسيا ­ بقوات وتشكيلات واستعدادات ­ لقتال المدنيين في الأزقة والفناءات وغرف النوم.. قالت الدورية العسكرية المتخصصة : إن مؤسسة العسكرية الأمريكية رتبت بعد تجربة الصومال وتحت إشراف مركز 'أدبو' وبالتعاون مع مؤسسة 'داند' مؤتمرا بهذا الخصوص انتهي عمليا ببناء قرية 'شوفارت جوردن' للتدريب علي العمليات العسكرية في الأراضي المدنية، ثم قرية 'زوسمان' في فورت نوكس في كنتاكي وفي أماكن أخري ­ في بريطانيا وعدد من دول الناتو.

ويكشف التقرير عن ثلاث شركات متعددة الجنسيات دخلت حلبة الملعب مع البنتاجون لتطوير تقنيات غير مسبوقة لمحاربة المدنيين تعتمد علي آخر صيحة في العلوم الاتصالية والديجيتال هي شركة 'فاير ارمز تريننج سيستمز'، وشركة 'تاليس' الفرنسية، وشركة 'إيه آي اس'، كما يكشف عن تعاون شركة 'بارامونت' للإنتاج السينمائي ­ مع هذه الشركات للوصول إلي أفضل النتائج للقضاء علي " العدو المدني".

لم يدر بخلدنا أن العدو قادم من منابع فكرية وأخلاقية غير مسبوقة السفالة، وأنه أقذر مما كنا نتوقع مليون مرة ، وأنه ليس قادما لإطاحة شخص أو قلب نظام وإنما لتدمير جيش وتخريب وطن وتغيير معادلات سكان بالتأليب والفتن والحرق والإبادة الجماعية ونزف الثروات والتصحير الحضاري ، وهذا كله ما كان يمكن أن يتم إلا بفكرة لم ترد علي ذهن الشيطان :

أولها قصف وردم العراق علي من فيها دون تمييز وتسريح جيشها ودولتها وفكرتها. !! )

هذه الحقيقة بكل بشاعتها وسطوتها وديمومتها يجب أن توضع على مائدة البحث - بجوار  الحقيقة الأولى التي تصور بحق أن حربا عالمية أعلنت على المسلمين في كل مكان -  قبل الكلام عن الحكم الشرعي بتحريم أو عدم تحريم ضرب المدنيين الأبرياء من جانب واحد .

وهذا الحكم الشرعي هو ما نخصص له المقال القادم بإذن الله

والله أعلم