حول عمليات الاختطاف في العراق

 

 

 

بقلم : سري سمور

 

سواء اعتبرنا الأمر خطأ أم صوابا وسواء قيل أن هذا إرهاب وابتزاز أم قيل أنه مقاومة ومطالب مشروعة،ولو أفتى المفتون بأن هؤلاء أهل ذمة ولا يجوز معاملتهم بهذه الطريقة أو أفتى آخرون بأن هؤلاء ممن تشملهم أعمال الحرب والجهاد،وبغض النظر عما تكتبه الصحافة أو يقوله محللو الفضائيات وضيوفها،بعيدا عن كل التعليقات وردود الفعل شعبية كانت أو رسمية فإن هناك في العراق من يتبع أسلوب الخطف والمطالبة من دولة المختطف ترك العراق وشأنه وعدم التعامل مع الاحتلال أو مع حكومة إياد علاوي.

 

قراءة الرسالة!

 

تبدأ الرسالة بعرض شريط فيديو على شاشات بعض الفضائيات أو على بعض مواقع الانترنت يظهر فيه المختطف ورجال ملثمون يحملون البنادق ويتلون بيانا بمطلبهم وفحوى تهديدهم ويعطون الكلمة للمختطف للمشاركة في إيصال الرسالة.

 

رجال لهم عضلات مفتولة يتمتعون بالقوة والصلابة،إنهم أشداء وعنيدون كما يبدو ويقرأون بيانهم المكتوب بلغة عربية فصحى تظهر اللكنة العراقية المعروفة من تحت أحرف كلماتها بوضوح واندماج مع اللغة الفصحى،لا مجال للقول بأن هؤلاء "أجانب" فهذا ادعاء لم يعد يجد من يصدقه إلا من ارتضوا لأنفسهم دور النعامة!هؤلاء عراقيون اتبعوا هذا الأسلوب لتحقيق أهدافهم.

 

أسماء الجماعات التي تقوم بعمليات الخطف إسلامية في الغالب مثل "جماعة التوحيد والجهاد" و"المقاومة الإسلامية الوطنية –كتائب ثورة العشرين" و "الجيش الإسلامي السري" وغيرها من الجماعات ،هنا يوجد لاعب مهم على الساحة ولا مجال للتغاضي عن دوره بالقول بأن فلول البعث تقف وراء هذه الأعمال.

 

طلبات يوجهها هؤلاء وهم لا يتورعون عن تنفيذ تهديداتهم كما حصل مع المواطن الكوري الجنوبي،إنهم لا يكترثون لمن يتهمهم بالإرهاب أو الإجرام أو اللانسانية،فلهم هدف يسعون وراءه بغض النظر عما يقال عنهم.

 

حتى اللحظة لم يقوموا بقتل أي عربي أو مسلم حتى الجندي الأمريكي واصف حسون أطلقوا سراحه ومؤخرا أطلقوا سراح الدبلوماسي المصري.

 

لهذه الصور أثر كبير على الدول التي ينتمي إليها المخطوف وعلى الولايات المتحدة التي تقود"التحالف"،وتعطي المبرر ولو شعبيا لدولة المخطوف بترك الساحة.

 

لسان حال هؤلاء يقول بأننا نستطيع القيام بعمليات اختطاف وإعدام ولا قدرة للجيوش المجيشة المتواجدة على الأرض العراقية ولا لقوات الحكومة المؤقتة على منعنا من ذلك،والحلم الأمريكي بتركنة(نسبة إلى تركيا) العراق تبخر بعد رؤية هذه الصور،العراق (وفق إيحاء رسالتهم) وطن للعراقيين وللعرب والمسلمين ولمن ينفض يديه من التعاطي والتعاون مع المخطط الأمريكي.

 

يقول المخطوفون عادة أنهم يعاملون معاملة حسنة من خاطفيهم،هي رسالة أخرى توحي بالمقارنة بين ما يلقاه الأسرى العراقيون في السجون الأمريكية والبريطانية من سوء المعاملة وبين طريقة تعامل هؤلاء الرجال مع من يختطفونه.

 

هم يسعون لترك الولايات المتحدة وحيدة على المسرح صحيح أن هناك دول لا ترضخ وتضحي بالمختطف مثل كوريا الجنوبية وبلغاريا لكن هناك من يهرول مبتعدا عن الساحة الملتهبة كالفلبين مثلا.

 

يتقن الملثمون التعامل مع وسائل الإعلام وهم على دراية على ما يبدو بأثر ما يقومون به،وأسلوب قطع الرأس بالسيف يعطي للأمر صخبا وانفعالا وقوة لرسالتهم وطبيعتها حين يراها الناس خاصة في دولة المخطوف!

 

حكومة إياد علاوي ومن خلفها أمريكا وبريطانيا ينظرون إلى الأمر بخطورة ويحرضون دول المخطوفين على عدم الرضوخ للخاطفين ،لكن العجز سيد الموقف ولا مجال لوقف هذه العمليات أو حتى الحد منها كما هو واضح.

 

هناك أكثر من طرف بغض النظر عن ميولهم الأيديولوجية يريدون إغراق الأمريكيين في المستنقع وهم يسيرون بنسبة لا يستهان بها من النجاح نحو هدفهم،وإنكار هذه الحقيقة أمر تفنده الأحداث والوقائع على الأرض،عدا عن سرعة انفراط عقد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.

 

فبالإضافة لعمليات مهاجمة المارينز وقصف المنطقة الخضراء بالهاون،دخل الخطف كأسلوب جديد،صحيح أنه لا يشترط بمن يقاتل الجيش الأمريكي مباشرة أن يقوم بعمليات الاختطاف لكن كل ذلك يصب في خانة العداء للأمريكيين وحلفائهم.

 

هل تورط الأمريكيون؟!

 

يمكن القول أن الأمريكيين في ورطة،فصورة الوضع مزرية فلا أسلحة دمار شامل عثر عليها ولا استقبال لجيوش "التحالف" بالورود والأرز ولا أمن للجنود المنضوين تحت لواء هذا التحالف وخاصة الأمريكيين ولا الحكومة العراقية المؤقتة تلقى ترحيبا من الشعب العراقي،ولقد زادت تصريحات السيد مقتدى الصدر ضد علاوي ومقاطعة الأول لانتخابات المؤتمر الوطني من تعقيد الوضع وزيادة المتاعب بالنسبة للأمريكيين وعلاوي،فالصدر ليس بعثيا صدّاميا وتياره ليس هامشيا،ومعنى ذلك أن تفجر الوضع في النجف وكربلاء ليس مستبعدا على المدى المنظور.

 

ورهان الأمريكيين على حرب سنية-شيعية فشل رغم أنهم سعوا ولا زالوا لهذه الحرب بكل الوسائل واستخدموا أطرافا من هنا وهناك ولكن تبين أن العراق يختلف عن أفغانستان التي تصارع فيها حتى الحنفي مع الشافعي والحنبلي!

 

يوجد في العراق قواسم مشتركة يغذيها الإباء والتصميم على رفض الاحتلال والرغبة في تصفية الحساب مع الأمريكيين والبريطانيين وفقط رجال البشمرغة يرضون لأنفسهم الذهاب للقتل في الفلوجة وغيرها ولا يمكن لهؤلاء لعب دور يذكر في العراق في ظل المخاوف التركية وفي ظل النقمة الشعبية عليهم حتى في مناطقهم،ناهيك عن كون الأمريكيين أنفسهم لا يعوّلون عليهم كثيرا.

 

رجال الحكومة العراقية يتعرضون للقتل والتفجيرات،وبإمكان الأمريكيين الاستمرار بالحديث عن الزرقاوي وأنصاره ولكن الرجال المقاتلين يظهرون هذا الحديث كنكتة عند ظهورهم في الشوارع وحديثهم باللهجة العراقية،ومؤخرا كتب الكاتب البريطاني روبرت فيسك مقالا سخر فيه من مزاعم "لا عراقية المقاومة" وبالأرقام حيث أوضح أن 2% فقط من المعتقلين في العراق أجانب(هناك 8500 معتقل)،اذن المقاومة عراقية إن لم يكن مئة بالمئة فبما يقارب هذه النسبة فلم تصر أمريكا على الحديث عن الـ 2% ولا تكاد تذكر الـ 98% ؟!

 

أمريكا أمام أعداء أشداء ومحترفين وان اختلفت انتماءاتهم الفكرية والمذهبية وأساليب عملهم فهم في حالة تصميم واضحة على إفشال المخطط الأمريكي في العراق،أما تفوق الأمريكيين العسكري والتقني فهو بلا شك قادر على هزيمة الجيوش النظامية ولكن هذا التفوق يبدو متخبطا أمام حرب العصابات التي تدور في الفلوجة وبعقوبة وغيرها،لننتظر ونرى!