مواكب التغيير

 

 

 

بقلم د.محمد زارع

    dr_moh_zaree2002@hotmail.com

  

نستطيع أن نقول أن المجتمع المصري نفض الغبار عن كاهله .. وخلع ثوب الكسل .. وتخلى عن السلبية التي عطلت مسيرته كثيرا .. وعوقت خطى الإصلاح المرجوة زمنا طويلا .. فهاهي الجموع الغفيرة تنضم إلى مسيرة التغيير.. وكل يوم تخرج جبهات جديدة إلى الشارع لتعلن إرادتها .. وترفع لافتات وشعارات " لا للتمديد .. لا للتجديد .. لا لمبارك .. كفاية " .. وتعبر عن رغبتها في تغيير حقيقي .. وليس تحسينا شكليا لما هو قائم أو التفافا والتواء وتلاعبا بالألفاظ والشكليات

.. لقد أدرك الجميع أن عصابات السلطة تريد أن تمرر خدعة كبرى تفلت بها من غضبة الشعب العارمة وثورته الجامحة ضد المفسدين والمرتشين والمزورين

.. نعم .. كانت الخطى متثاقلة .. وطال ليل الظلم والطغيان .. قبل أن تلوح في الأفق خيوط الفجر .. ومازال المفسدون يريدون تحويله إلى فجر كاذب تنغمس بعده البلاد في ظلام دامس وقهر مستديم .. ولكن القوى الحية في المجتمع استطاعت أن توقظ المارد الشعبي من سباته وأن تنبهه من غفلته .. حنى يكون الفجر الطالع صادقا وحقيقيا .. ويعم نوره أرجاء الدنيا .. ولن يستطيع أحد – مهما أوتي من مكر ودهاء – أن يطفيء هذا النور   الرباني ( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم .. والله متم نوره .. ولو كره الكافرون ) 8 من سورة الصف

.. وكانت آخر الجبهات التي قررت النزول إلى الشارع .. والمشاركة الفعلية في المظاهرات الوطنية .. هي جبهة الإخوان المسلمين .. وهي بلا شك جماعة مهمة لها وزنها وتأثيرها لدى جماهير الأمة .. ولها تاريخ عريق وتراث ممتد .. وتضحيات مشهودة في تاريخ مصر والعالمين العربي والإسلامي .. وتحرك الجماعة في هذا الظرف .. يعد من العلامات الفارقة في العمل الوطني بوجه عام .. كما يعد تطورا إيجابيا ومفصلا نوعيا في حركة الجماعة نفسها .. فهذه هي المظاهرة الأولى للإخوان المسلمين منذ أكثر من نصف قرن .. مما يدل على أن الجماعة استشعرت مدى الخطر المحدق بمصر .. واستفحال الأزمة .. وصعوبة المأزق الذي يخنق البلاد .. فكان لابد من الحركة بعد السكون الطويل .. ولا بد من المشاركة الجادة .. وترك المخاوف والهواجس والمحاذير .. لم يعد هناك مجال للتلكؤ أو التردد

.. نعم .. كانت هناك مساهمات وفعاليات رائدة للإخوان في مختلف أشكال العمل الوطني .. ولم يتغيبوا أبدا عن التظاهرات والمؤتمرات والندوات المطالبة بالإصلاح والتغيير .. بل كانوا فاعلين ومؤثرين بدرجة كبيرة .. ولكن النزول إلى الشارع بهذه الطريقة العلنية يختلف كثيرا .. .. وله دلالات مغايرة وإشارات واضحة .. وبذا تستطيع الجماعة أن تستعيد مكانتها اللائقة بها .. وأن تمسك بزمام القيادة .. وتسترجع أمجاد الإمام الشهيد الشيخ حسن البنا .. الذي كان يجوب البلاد طولا وعرضا .. وتلتف حوله الجماهير .. وتتحرك خلفه بغزارة وتدفق .. وليكف الباحثون عن الشرعية المزعومة .. واستجداء الرخص من أنظمة متسلطة غير شرعية وغير قانونية .. لأن الشرعية الوحيدة المعتبرة هي المستمدة من الشعب .. وما عدا ذلك زيف وبطلان

.. لقد فرحنا كثيرا بانضمام الإخوان المسلمين إلى قافلة الجهاد الشعبي العلني الرافض لاستمرار مبارك ونظامه المستبد في الحكم .. وستكتمل فرحتنا حين يستمر هذا العمل ويتسع نطاقه ليشمل كل مدن وقرى ونجوع مصر .. ونحن واثقون أن القيادات الأمنية الواعية والحريصة على أمن الشعب المصري الحقيقي .. لن تتورط في أي صدام .. ولن تفتعل أي مبرر لمنع جماهير الشعب من التلاحم والتعبير عن رغبته وإرادته

.. ولنترك جانبا تصريحات وزير الداخلية حبيب العادلي التي أكد فيها رعونته وانفلات أعصابه وتهديده لمنظمي المظاهرات ووصفه لهم بأنهم عديمي الأدب .. وأنه لن يتسامح معهم .. وهؤلاء هم صفوة المفكرين والمثقفين ورجال القانون والنخب القيادية لهذا الشعب العظيم .. بينما هو لا يمثل إلا السلطة الحاكمة التي ملأت البلاد ظلما وجورا وفسادا وعنفا وخسة وقبحا طوال ربع قرن من الزمان .. ولكنه لا يمثل أحدا من قيادات الأمن الشرفاء الذين نعلم حرصهم على كرامة ومكانة هذا الوطن .. ونستشعر أمانتهم ووطنيتهم وانتماءهم الحقيقي لجماهير الشعب .. فهم جزأ لا يتجزأ من نسيجه .. ولا يمكن أن يقفوا في طريق عزته ونهضته .. أو يعطلوا ركب مسيرته

.. ولعل من أهم الأخبار التي أسعدتني أيضا .. تكوين حركة جديدة للعاطلين عن العمل واعتزامهم التحرك للمطالبة بحقوقهم .. حيث أن هناك أكثر من عشرة ملايين عاطل .. كثير منهم تخرج منذ أكثر من عشر سنين .. ولم يجد عملا يتكسب منه لينفق على نفسه .. أو يجد مسكنا مناسبا .. أو يتزوج .. وبالتالي زاد عدد العوانس من الفتيات إلى أكثر من عشرة ملايين أيضا .. مما ساعد على انتشار الجريمة والمخدرات وزيادة الأمراض النفسية والاجتماعية .. وقد أطلقت هذه الحركة على نفسها اسم " إحباط " .. ونحن نعلم ما يواجهه هؤلاء الشباب والفتيات من إحباط فعلا .. ولكني أهيب بهم أن يغيروا هذا الاسم إلى " أمل " .. لأن الإحباط إذا كان واقعهم هذه الأيام .. فلا يجب أن يستسلموا لهذا الواقع .. ولأن الغد بإذن الله يحمل لهم الكثير من الأمل .. ولا ينبغي أبدا أن يستكينوا أو ييأسوا .. وليشاركوا معنا في مسيرة التغيير .. فهم أولى الناس بالمشاركة .. ونحن لم نتحرك إلا من أجلهم .. وليعلموا أن الثقة بالله واليقين بوعده الصادق هو الذي يجعلنا نقهر الصعاب .. فالله لا يرضى لعباده الظلم إذا هم رفضوه وقاوموه وسعوا وسارعوا إلى تغييره ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) 227 من سورة الشعراء