موسم الشهداء ورياح "التطبيع"
بقلم :عبد
الرحمن فرحانة
"إن القمة
العربية عليها أن تقرر ما إن كانت جامعة سلام أم جامعة لمواصلة الحرب"
وقاحة صهيونية نطق
بها حيزبون السياسية الصهيونية بيريز ؛ تعليقاً على مجريات النقاش الدائر في
كواليس القمة العربية حول "التطبيع" مع الكيان الصهيوني. وكأن الجامعة
العربية غدت جامعة "شرق أوسطية" وعليها أن تضبط إيقاعها السياسي وفق
نبضات قلب بيريز في تل أبيب ، باعتباره عراب الشرق أوسطية وممثل العضو المرشح
المدلل، والمندوب السامي لامبراطور واشنطن بالمنطقة.
رغم "هدير الرفض"
العربي المعلن لما يسمى بالتطبيع مع "إسرائيل" ؛ إلا أن ظلام الكواليس
السياسية ينبئ بغير ذلك . وربما لولا التقدير المتبنى من قبل البعض الذي يؤكد عدم
جاهزية الشارع العربي لمثل هذا المنحنى المنكفئ ؛ لكانت الأمور كما يحب بيريز
ويشتهي. ويقال أن لاعبي سباق الماراثون التطبيعي يقفون وأقدامهم تلامس خط البداية
؛ ولم يتبق إلا أن تطلق الجامعة العربية صفارة البدء. ولكن "حكم السباق"
عمرو موسى وبنَفسٍ من بعض الأعضاء الممانعين الذين يطالبون بقبض الثمن السياسي
يؤخر موعد إطلاق الصافرة.
موسم الشهداء وذكراهم
هذه الأيام طقسٌ لا تحس به الأرصاد السياسية العربية ، ويبدو أنه لا يمكنها حتى
التقاط الرياح الغربية التي تحمل الموجات الصوتية لنداءات خطيب المسجد الأقصى
وهيئة علماء فلسطين الذين يناشدون سادة القمة لكي تكون مآذن الأقصى خلفية لأوراق
اجتماعاتهم.
إذا كان موسم الشهداء
ومسك دمائهم الذي يعبق من ذكراهم في الفضاء العربي هذه الأيام ، وإذا كانت مآذن
الأقصى التي يتهددها غلاة الصهاينة ؛ لا يرتقى كل ذلك وغيره من هموم الأمة لأن
يكون على أجندة الجامعة العربية ، فلمن هذه الأجندة ؟ ومن يضعها؟
وصدقوني لو أن طفلاً
عربياً قرأ مفردات أجندة القمة العربية على طفلٍ عربيٍ آخر ، وسأله لمن مفردات هذه
الأجندة ، لربما يجيبه بأنها لجامعة دول أمريكا اللاتينية، ومعذرة لعمرو موسى ؛
ذلك النَفَس العربي الممانع.
وفي استطلاع مشترك
أجراه معهد ترومان في الجامعة العبرية والمركز الفلسطيني للأبحاث؛ بإشراف كل من
الصهيوني الدكتور يعقوب شمير والدكتور خليل الشقاقي تضمن سؤالاً هو: كيف ترى خطة
شارون بإخلاء المستوطنات الإسرائيلية من غزة؟ (75) في المائة من الفلسطينيين أجابوا بأن ذلك دليل
على انتصار المقاومة الفلسطينية، مقابل 23 في المائة قالوا انهم لا يروا ذلك، بينما (44) في المائة من الصهاينة يعتقدون أن
ذلك كان انتصاراً فلسطينيا ؛ مقابل 50 في المائة لا يرون ذلك.
رائحة الانتصار
الفلسطينية التي تعبق من هذا الاستطلاع رغم الأفق العربي المظلم ، ودخان الهزيمة
الصهيونية رغم انتفاش ورم القوة، أليست معطيات تستحق أن تؤثر في هيكل أجندة القمة
، أليست المعادلة المحلية القائمة في مشهد الصراع الميداني الراهن جزء مهم في
تكوين معادلة القوة بين الطرفين ؛ وبالتالي من المنطقي أن تتدخل في صياغة الأجندة
السياسية لدى الطرفين.
لماذا الضفة
الصهيونية تستثمر ما لديها من إنجاز ، بينما القمة العربية تتنكر لموسم الشهداء ،
وتهدر إنجازاتهم التي صنعوها بأنهر من الدماء ؛ بحجة الهيمنة الأمريكية.
لكن الحكاية ليست ثقل
الهيمنة بقدر ماهي ضيق المصلحة ، فالسياسة العربية الراهنة مقتلها في الشتات
القطري وإفرازاته النفعية الضيقة ، مما يستقطب شهية الاستفراد الأمريكي . وفي
المحصلة فإن المشكلة ليست أثقال الهيمنة إنما هي في القابلية العربية لها.
وبالتأكيد ؛ ما تبقى
من مفردات قوة لدى النظام العربي ؛ كافية لخلق مناخ ممانعة ؛ بغية تعطيل الأجندة
الأمريكية بالمنطقة، ووأد الحلم الصهيوني، بشرط استدبار المنفعة القطرية وتغليب
المصلحة الجماعية.
وكعادة ناموس التغيير يكون الشهداء هم رافعة الانعتاق
والبقاء، وفي حالتنا العربية الراهنة يكفي أن تكون دماؤهم مضادات حيوية تقوي من
جهاز المناعة لدى النظام العربي، وهذا هو أضعف الإيمان ، وليس وراءه حبة خردل من
مصلحة وطنية.