المسيحيون الشرقيون ورئاستهم الروحية.. و"إسرائيل"!
بقلم: طارق
مصاروة
تنشب بين الآونة
والأخرى قضية بالغة الحساسية بالنسبة للمسيحيين الأردنيين والفلسطينيين من أبناء
الطائفة الأرثوذكسية الشرقية، بسبب قيام رئاستهم الروحية - وكلها من رجال الدين
اليونان - ببيع أو تأجير ممتلكات الكنيسة إلى اليهود، وخاصة في القدس.
وهي ممتلكات تشكل
الجزء الأكبر من القدس القديمة داخل الأسوار.. وكان آخرها كارثة ما قيل عن بيع
ساحة عمر بن الخطاب، الواقعة بين كنيسة القيامة ومسجد عمر، حيث يعرف المهتمون
بالتاريخ، أن الخليفة الراشدي الثاني هو الذي تسلم القدس لدى البيزنطيين الروم بعد
معركة اليرموك، وهو الذي وقع مع بطريركها حفرونيوس العربي اتفاقية التسليم، وهو
الذي أصدر «الحجة العمرية» التي لا تزال محفوظة حتى الآن.
ويقول المؤرخون: إن
عمر وقد حانت الصلاة خرج إلى فناء مجاور للكنيسة الكبرى ليصلي فعرض عليه البطريرك
العربي أن يصلي في الكنيسة، فرفض بقوله: لا سيقول المسلمون، وهم المنتصرون - هنا
صلى عمر، وسيصادرون كنيستك.
ويقول المؤرخون إنه
رضوان الله عليه خرج إلى فناء مجاور، وأزال بيديه الكريمتين الأوساخ.. وصلى، حيث
أقام المسلمون مسجد عمر المعروف إلى يومنا هذا!!
مشكلة المسيحيين
الشرقيين هي:
أولاً: أن رئاستهم
الدينية مؤلفة كلياً من اليونان. وليسوا من أصول يونانية.
ثانياً: أن هذه
الرئاسة تمارس أحط أنواع الانتهازية ببيع وتأجير ممتلكات وأوقاف الكنيسة إلى
اليهود.
ثالثاً: أنها تلجأ
إلى الرشوات، وإلى سماحة النظام الأردني في الوصول إلى غاياتها، وبمساندة غير
معقولة من الحكومة اليونانية.
رابعاً: أنها تعزل
حوالي ربع مليون مسيحي شرقي في الأردن، والضفة الغربية، وغزة، وداخل ما يسمى بـ"إسرائيل"
في الناصر’ والجليل.. تعزلهم عن قضاياهم الدينية رغم وجود شيء في القانون الأردني
اسمه «المجلس المختلط» الديني والعلماني.
إننا نتحدث هنا عن
القدس القديمة بكل مقدساتها الدينية، وكل نفائسها.. البالغة كيلومتر مربع واحد: تملك
الكنيسة الشرقية ربعه!!
وتتحدث عن أراض
شاسعة، وأديره، ومقابر دارسة.. وخاصة في مدن فلسطين المهجورة التي تقلص حجمها
كمدينة يافا. فقد باعت رئاسة اليونان الروحية مقبرتها مثلاً، وباعت أراضي دير
مارسابا، وباعت أرض أبو غنيم التي تحولت إلى مستوطنة، وباعت أو أجرت لمدد طويلة
أكبر مأوى لحجاج القدس من «المسكوب» أو أهل موسكو، وأخيراً باعت ساحة عمر بن
الخطاب!!
إن قضية الرئاسة
اليونانية لبطركية القدس، وطرحها مع الأردنيين والفلسطينيين ليس جديداً. فقد ورث
هؤلاء واسم جمعيتهم «جمعية القبر المقدس» هذه السلطة أيام كانت اليونان جزءاً من
الإمبراطورية العثمانية وكانت الشكوك بالعرب من رعاياها هي التي سمحت لليونان في
الجمعية المذكورة بالسيطرة المطلقة على البطريركية وأملاكها.
وقد حاولت اسطنبول في
أواخر أيامها عام 1908 إيجاد توازن بين الطائفية العثمانية العربية ورئاستها
اليونانية، لكن تدخلات اليونان والروس. أجلت الإصلاحات ثم جاءت الحرب العالمية
الأولى 1914 - 1918 وانهيار الدولة في وجه الغزو البريطاني، وجيوش التحرر العربي
بقيادة الأمير فيصل بن الحسين، فعاد الجميع إلى المربع الأول.
أيام الانتداب
البريطاني على فلسطين والأردن، عادت الطائفة المسيحية الشرقية إلى النضال، لبلوغ
أهدافها الوطنية، وقد ساندهم إجماع إسلامي ـ عربي في هذا النضال وبشكل حاد في
مؤتمر العالم الإسلامي المنعقد في القدس عام 1931 فكان أن عينت حكومة الانتداب
البريطاني لجنة تحقيق خاصة.
وقد اعترفت اللجنة في
تقريرها بحقوق العرب ومطالبهم، لكن التحيز البريطاني الساخر والدائم ضد كل ما هو
عربي، جعل حكومة الانتداب تصدر نظاماً للبطريركية دون أن تتخذ أي تبرير أو إجراء
لوضعه موضع التنفيذ!!
بعد وحدة الضفتين،
انتظرت الطائفة الشرقية حتى عام 1956، فانعقد مؤتمرها الرابع في مدينة القدس في 23
مارس، أعرب فيه المؤتمرون عن اعتزازهم لانعقاد المؤتمر في عهد حكومة عربية.. واعتبرت
حركتها جزءاً من حركة الملك في تعريب قيادة الجيش الأردني، والخلاص من الهيمنة الأجنبية
على حياة المواطنين، وسجل المؤتمر شكره وامتنانه لرئيس الوزراء سمير الرفاعي على «القرار
الحكيم» بإرجاء انتخاب البطريرك الأرثوذكسي ريثما تتمكن الحكومة من درس القضية
تمهيداً لوضع الأمور في نصابها الصحيح!!
عام 1957 تم وضع
قانون جديد باسم قانون البطريركية الأرثوذكسية، ولأسباب لا علاقة لها بمصالح الناس
عادت الحكومة إلى وضع قانون جديد عام 1958، أعطى للجماعات اليونانية المسيطرة كل
الصلاحيات، ومع أن قانون 1957 جعل من المجلس المختلط من رجال الدين وممثلي الطائفة
من العلمانيين هو الذي يشرف على كل الممتلكات، ومالية الكنيسة، والمعهد التعليمي
لرجال الدين.
وكان تمثيل
العلمانيين 12 ممثلاً فإن قانون 1958 انقص عددهم إلى 6 فقط، بحيث لم ينعقد هذا
المجلس ولو مرة واحدة.. لأن أكثرية الثلثين ـ وهم من اليونان ـ لا يحضرون ويصبح
انعقاده غير مشروع!!
لقد لعبت حرب 1967
دوراً سلبياً على نضال العرب الشرقيين ضد رئاستهم الروحية، فقد أصبحت "إسرائيل"
جزءاً من المعادلة، ومصلحتها هي في الإبقاء على السطوة اليونانية، وفساد الرئاسة
الروحية لأنها تصادر أملاك الكنيسة دون اعتراض، وتشتري، وتستأجر بألاعيب يعرفها
الجميع!
ما نثيره هنا، لا يعني
أن المسلمين والعرب في كل مكان غير معنيين بهذا الذي يجري في القدس، على اعتبار
أنه شأن مسيحي يعني الطائفة المسيحية الشرقية، فالأملاك الكنسية في جزء من أرض
الوطن، والمسيحيون هم جزء من العرب، وهم المالكون الطبيعيون لها، وقد نصت القوانين
على أردنية البطريرك، وأردنية رجال الكنيسة، ويصدر تعيينهم «بإرادة ملكية» يوقعها
الملك، وكل هذا لم يوصل أحداً إلى حقه، ولو امتنعت الحكومة عن منح رجال الدين
القادمين من اليونان الجنسية الأردنية وجواز السفر الأردني. لانتهت «حقوقهم» في
يوم واحد.
والمشكلة الآن أنهم
غير معنيين بكل هذا فهم في القدس، ويتمتعون بالحماية الإسرائيلية، ولا يهمهم أبناء
طائفتهم في الأردن، طالما أن الأملاك الثمينة هي في فلسطين!