عولمة مضادة

 

 

 

بقلم : خيري منصور

 

فيما تصاعدت أصوات عربية تطلب الصفح عن الدولة العبرية وجنرالاتها من مجرمي الحرب، تصاعدت أصوات أخرى بلغات غير "الأبجدية" تطالب بمقاطعة تل أبيب، وإدانتها وتجريمها بسبب ما تقترفه ضد الشعب الفلسطيني.

فما كادت عبارات رئيس بلدية لندن تتلاشى في الهواء البارد، حتى أعلن برلمانيون بريطانيون شجبهم الصريح لسياسة الاستيطان، واستراتيجية الإبادة التي تمارسها سلطات الاحتلال.

ولم يكن حارس المرمى في منتخب فرنسا المسيو فابيان بارتيز آخر الأصوات التي تحتج بقوة على تل أبيب، وإن كان هذا الحارس لمرمى ملعب رياضي قد تحول بوازع أخلاقي وإنساني إلى حارس لمرمى آخر، هو من صلب اللعب السياسي وإن كانت كرته من دم تخثر أو عظام مطحونة.

ماذا لو ترجم ما يقوله بعض العرب إلى الفرنسية أو الإنجليزية، مقابل ترجمة ما قاله حارس مرمى فرنسي إلى العربية؟ أو ما سبق لرئيس بلدية لندن أن أعلنه غير عابئ بـ"فزاعات" الصهيونية والاتهام الجاهز لأمثاله باللاسامية؟

إن الغرب ليس كله روماً وراء الروم، فثمة من يقفون على يسار بعض العرب ممن تطوعوا بالمجان لتبرئة الصهيونية من جرائمها، والمسألة ليست في مقارنة النسب المئوية لمن يقولون "نعم" أو يقولون "لا" للجرافة وتوأمها الدبابة وهما تسطوان على الأرض واللحم، فالجرافة الصهيونية سحقت والتهمت بأنيابها الفولاذية قبل أعوام قليلة صبية أمريكية جاءت إلى رام الله لتقول (لا).. وتسامحت إمبراطوريتها مع هذا الإرهاب لأنه صادر عن رجل سلام اسمه شارون، كما سبق للإمبراطور أن قال على مسمع من الملأ.. ومن هذا الملأ بالطبع ذوو تلك الصبية التي امتزج دمها ولحمها بتراب فلسطين ومنحتها الأرض تلك الجنسية، فأصبحت فلسطينية إلى يوم القيامة!

ما الذي يدفع حارس مرمى في لعبة رياضية إلى أن يعبر عن اشمئزازه من الدولة العبرية ويمتنع عن السفر إليها للمشاركة في لعبة يسهل على سواه أن يقول إنها عديمة الصلة بالسياسة؟

وما الذي يدفع برلمانيين بريطانيين إلى الجهر بمواقف مضادة لعاصمة بلفور وإيدن وبلير؟

هؤلاء، يستجيبون أولاً وأخيراً لهواجس العدالة التي لم تفلح الدوائر الصهيونية والميديا السامة في استئصالها من ضمائرهم، فهم يدافعون عن شعوبهم التي تعرضت لغواية وتضليل وترهيب تحت مختلف العناوين والذرائع.

إنه تزامن مثير، ودراماتيكي بين أصوات تعلن بعربية فُصحى لكنها مشوبة بالرطانة عن التسامح المجاني والعفو بلا مقدرة عن المحتل، وبين أصوات تحتاج إلى من يترجمها إلى لغتنا تسبح ضد التيار، وتشب عن الطوق الإعلامي الذي كان حتى وقت قريب محكماً حول الأعناق والأرزاق.

ومن سعوا إلى نزع عروبة فلسطين وأسلمتها يفاجأون الآن بعولمتها، لكن وفق مقياس آخر ومضاد للعولمة التي ترادف التدجين، والقطعنة والأَمْركة.

هل هو فائض العدالة في قضايا العرب وبالتحديد قضية القضايا كلها فلسطين، أم هو فائض الوعي لدى هؤلاء؟

سؤال لا بد منه ونحن نرصد هذا التضاد بين عرب يرطنون بالأبجدية، وإنجليز وفرنسيين يعلنون مواقفهم بعربية فُصحى حتى لو بقيت عباراتهم بلا ترجمة!

فمن يدري؟ لعلّ الخوف والاحتراز وفلسفة استرضاء الأعداء البائسة، قد تحول دون المجازفة حتى في ترجمة ما يقول هؤلاء.. ما دام هناك شارونيون أكثر من شارون، وبوشيون أكثر من بوش.

حارس المرمى الفرنسي المسيو "فابيان" يعرف أن رفضه السفر إلى فلسطين المحتلة احتجاجاً على احتلالها لن يكافأ من العرب، ولن ينجو من اليهود سواء كانوا في فلسطين ذاتها أو ضمن اللوبي الإرهابي في فرنسا، وهو اللوبي الذي طارد فريسون والأب بيير وجارودي، ولم يسلم منه ساسة ومثقفون فرنسيون!

لكن من قرروا الانسجام مع أنفسهم وتلبية النداء الداخلي لا يحصون الأرباح والخسائر بواسطة حاسوب، فالخسارة قد تكون ظفراً باسلاً بمقياس آخر غير الذي يحتكم إليه البراغماتي أو شبيه الحرباء الذي يتخلى عن ملامحه ولونه كي ينجو.

 

تماماً كما أن ما يبدو مكسباً سياسياً أو إعلامياً هو في حقيقته انتصار كوميدي يقل حتى عن انتصارات دون كيشوت الوهمية.

 

ما الذي سيقوله القادمون من المستقبل عن حارس مرمى فرنسي ينوب عن حراس مرمى عرب في المباراة السياسية، أو تلك التي تدور بالذخيرة الحية من طرف واحد، هو طرف المحتل؟

 

لا أظن أن هؤلاء وأمثالهم ينتظرون الشكر من أحد، لأنهم لو فكروا بالربح والخسارة لاختاروا بلا تردد الطرف الأقوى والمهيمن ومانح الجوائز، وشهادات حسن السلوك، إنهم قد يتعرضون لمطاردات ومضايقات كالتي تعرض لها فنان مثل مارلون براندو.. وقد يرسم الصليب المعقوف على أنوفهم في بوسترات تعلق على الجدران.. يكفيهم شكر الشهداء الساهرين على الأحياء الموتى.