ديمقراطية المحاصصة الى اين؟

 

 

 

بقلم : نواف ابو الهيجاء

 

قد يجد المتتبع المحايد ما يحيره في مسألة عدم اعلان حكومة (عراقية) بعد مرور شهرين على الانتخابات التي جرت في ظل الاحتلال وقيل وقتها ان المشاركة كانت بنسبة اقتربت من الستين بالمائة. لكن المتابع لما يجري قبل وبعد تلك الانتخابات، وحمى التكالب على المكاسب والمناصب والكراسي لن يجد اية صعوبة في فهم مجريات الاحداث واتجاهات هذه الاحداث مستقبلا.

وبعيدا عن المسميات الاثنية والعرقية والطائفية التي كانت تلفظ انفاسها قبل الاحتلال فان الواضح في وقائع الاحداث والمباحثات والتجاذبات وطرح (المطالب) واعلان الاشتراطات ان (الديمقراطية) التي صنعتها الولايات المتحدة في العراق هي تأجيج الشعارات والمزايدات مع فتح شهية كل الاطماع والعواصف ووضع العراق في المهب، بعد ان كان غير ذلك تماما.

ان لعبة (المحاصصة) هي الحكم في كل ما يجري خلف الكواليس وتحتها وفوقها في آن معا، فالذين كانوا يحلمون بتقسيم العراق من بعض قادة اكراد العراق وجدوها سانحة تاريخية ان كان ذلك عبر التمسك (بالبشمركة) ام كان ذلك بمسألة (كركوك) والاصرار على ضمها الى (اقليم كردستان) لان من شأن ضم كركوك فتح بوابة جهنم الاحتمالات امام عملية تقسيم العراق حيث يمكن للطوائف الاخرى والاعراق الاخرى ان تطالب بما حصل عليه الاكراد. واذا قيل ان المسألة مجرد تقسيم اقاليمي لا مركزي، فان الرد الجاهز هو اذا كان ثمة الايمان بعراق واحد موحد فلماذا هذا التركيز على كركوك؟. التصرف المنطقي هو ان ينطلق الجميع من كون المحافظات والمدن والقرى العراقية هي للعراق كله فقط.. لكن الطمع ظاهرة تخفي الكثير من نوازع الشر والانانية ليست هي مقياس الوطنية الا في حالة وحيدة هي التضحية بالمكاسب الانية الزائلة في سبيل الوطن.. كله.. وهذا ما لا يلمسه احد في مجمل سلوكيات المتصارعين على المكاسب.

ولعل القمع الذي جوبهت به عدة تظاهرات مطلبية بسيطة في البصرة وفي بغداد يؤكد ان مسألة (الديمقراطية) بعد الانتخابات نسبية جدا، وان مواجهة المظاهرات بالرصاص نقيض فعلي وعملي لمزاعم نشر الحريات والديمقراطية في العراق.

كما ان الاعتماد الذي يستند اليه المتصارعون المتنازعون على المناصب والكراسي ليس امرا ثابتا، فمن المؤكد ان نسبة عالية جدا من العراقيين الذين اختاروا الذهاب الى مراكز الاقتراع كانوا يتوقعون ان تكون العملية الانتخابية بداية نهاية للاحتلال ولكل الصعوبات التي يواجهونها في حياتهم اليومية، ان كان ذلك على المستوى المعيشي ام على المستوى الامني. ومرور هذا الوقت من دون ظهور اية بادرة توحي بان ايا من امال هؤلاء العراقيين في طريقه الى ان يكون حقيقة واقعة سوف يحولهم جميعا الى كتلة مضادة لكل ما يجري وعلى الاقل ستكون اللامبالاة مع اليأس مزيج رد الفعل العام لدى هؤلاء الحالمون بالامن والاستقرار وسيادة العراق ووحدته واستقلاله. ليس من شك ان مثل هذه الهواجس تأخذ حيزا في تفكير المتنافسين على الحصص لكن هذا الحيز ليس اكبر من طموحاتهم واطماعهم وميولهم واتجاهاتهم بمعنى انها اصغر من حجم القلق على مصير الورق وعلى مستقبله.

ان ايا منهم لم يطرح حتى اللحظة تصوره بكيفية خروج الاحتلال من العراق، ولذا يتم تجاهل المشكلة الاساسية التي يرضخ تحتها العراقيون وينوء بثقلها العراق والعرب كلهم في آن معا شاءوا ذلك ام ابوا.

ومن المؤكد ان الجمع الذي ساند (الناجحين) في الانتخابات سوف يبدأ بالتناقص والارفضاض وذلك ان كانت له ايجابية وحيدة فهي ان جرف المهادنة مع الاحتلال سوف يتآكل وان القوة الرافضة للاحتلال سوف يشتد عزمها، وان من راهن على ان (يكوّش) على كثير من (العراق) في ظل هذه الظروف الطارئة سيجد نفسه قد راهن على جياد خاسرة خائرة، فالحتمية ان يغادر المحتلون، والحتمية ان تنتصر ارادة الشعوب، اما انفاق (المحاصصة) فلن يكون لها منفذ، وحتى طريق العودة ستكون محفوفة بالمخاطر.