صراعات الزعامة في العراق الجديد!!

 

 

 

بقلم : ياسر الزعاترة

 

ها نحن ندخل الشهر الثالث بعد إجراء انتخابات الجمعية الوطنية في العراق فيما لا تزال الكتل الفائزة عاجزة عن التوصل إلى صيغة توافقية لتوزيع الكعكة، ففي اجتماع أول أمس الثلاثاء عادت أسئلة العرب السنة إلى التفجر من جديد في ظل محاولة محمومة من قبل الكتلة الشيعية للبحث عن وجوه تمثل هذه الفئة لكي لا يقال إنها غائبة عن مؤسسات الحكومة، الأمر الذي يضرب شرعيتها.

من زاوية الأعراف الديمقراطية فإن الكتلة السنية لا تستحق الحصول على مقاعد وزارية، ولا حتى على رئاسة المجلس الوطني، لكن شركاء اللعبة من الشيعة والأكراد يعلمون تماماً أن الأرقام التي حصلوا عليها لم تكن إلا نتاج توزيع أموال الغائب الحاضر ممثلاً في العرب السنة.

أما الحاضرون من هذه الفئة فلا يمكن القول إنهم ممثلوها الحقيقيون، بدليل عجزهم عن إقناع الجماهير بالخروج إلى صناديق الاقتراع، أما ما يعرض عليهم، وما سيحصلون عليه فهو نتاج المعادلة التي أشرنا إليها، وإلا فهل تستحق مجموعة لا تتجاوز مقاعدها حدود الـ4% أن تحصل على وزارة سيادية وأربع وزارات أخرى مع رئاسة الجمعية الوطنية؟

لكن هذا الإصرار على حضور العرب السنة لم يفض في واقع الحال إلى حنان زائد عليهم، إذ يعلم القاصي والداني، من الشيعة ومن سواهم، أن نسبة العرب السنة هي ضعف نسبة الأكراد في العراق، الأمر الذي جاءت أرقام الانتخابات لتؤكده، لكن حصة الطرف الثاني ستكون الأكبر في المؤسسات والمناصب، ولا تسأل بعد ذلك عن الشروط الكثيرة بشأن مستقبل كركوك ومليشيا البيشمركة وتوزيع عائدات النفط، وهي شروط لا هدف لها سوى الاحتفاظ بواقع الاستقلال الكردي القائم، إلى جانب المشاركة فيما تبقى من العراق.

يبقى أن المراقب السطحي هو وحده الذي يمكن أن تصرفه هذه الجلبة عن قراءة حقائق الواقع على الأرض، والتي تقول إن السلطة الحقيقة لا تزال بيد المحتل الأمريكي، وليس بيد أحد آخر، بدليل أن عناصر الحرس الوطني والشرطة غير المدنية لا تزال محكومة لأوامر الضباط الأمريكان، وليس وزير الداخلية أو الدفاع، وهو ما ينسحب بالضرورة على وزارة النفط، وكل ماله علاقة بالمال والعائدات والإعمار، والنتيجة أن البلد لا زال محكوماً من قبل الاحتلال، وما سيأخذه المتعاونون هو ما يتقرر في دوائر ذلك الاحتلال.

من هنا فإن الأسئلة الأهم في المرحلة المقبلة هي تلك المتعلقة بطبيعة العلاقة بين المحتل والحكومة العراقية التي تعمل إلى جانبه، ولأن إزاء حكومة مدججة بالتناقضات، فإن فرصة الأمريكان في التسلل عبر شقوقها وشراء الولاءات تبدو كبيرة، الأمر الذي يعني أن أحداً باستثناء قلة لا يحسب لهم حساب لن يتورط في المطالبة برحيل القوات الأمريكية عن البلاد، بما في ذلك الإسلامي الراديكالي إبراهيم الجعفري، فضلاً عن السيد السيستاني الذي قال إنه لا يتدخل إلا عند الأزمات، فيما لا يتوقع أن تكون مسألة خروج القوات الأمريكية من الملفات المهمة التي تستحق رأياً منه، تماماً كما هو حال انتهاكات أبو غريب ومشاركة الحرس الوطني في تدمير مدينة الفلوجة!!

لذلك كله ستكون المقاومة هي اللاعب الأساسي الذي لا بد منه لكي يتواصل الضغط على أعصاب أركان الحكومة، وذلك باستمرار تذكيرهم بأنه من دون إخراج القوات الأمريكية وتحقيق الاستقلال الكامل فلن يكون لهم أدنى شرعية لحكم البلاد، أما بعض الرموز الهامشية في العرب السنة ممن يتهافتون اليوم على مائدة تقسيم الكعكة فلا يمثلون غير أنفسهم.

هكذا تكون المقاومة هي الشاهد الوحيد على حيوية العراق وإصراره على طرد الغزاة، أكان باستنزافهم، أم بدفع المتعاونين معه إلى تغيير مواقفهم لكي لا يكونوا في وعي الأمة مجرد دمى يحركها الاحتلال من وراء ستار.