الاقليات العربية وتحديات "ربيع
الديمقراطية الامريكي" !!
اعتاد الرئيس بوش في احاديثه شبه اليومية
خلال الشهور الاخيرة التباهي بما يعتبره انجازا تاريخيا باجراء الانتخابات في كل
من افغانستان والعراق وفلسطين . كما اعتاد تأكيد التزام إدارته بتعميم الديمقراطية
في ربوع "الشرق الاوسط الكبير" ، الذي استصدر براءة تشكيله من قمة الدول
الصناعية قبل نحو عام . وفي الاسبوع الماضي بشرتنا وزيرة خارجيته بان الديمقراطية
ستعم المنطقة خلال أربع سنوات . ولقد تبارت أجهزة الاعلام الامريكية والمتأمركة
بالحديث عن "ربيع العرب الديمقراطي " . وكل من الرئيس واركان ادارته
يعتبرون الانتخابات العراقية المثال الذي يراد تعميمه في البلاد العربية
والاسلامية . والسؤال المحوري : هل
المنطقة حقا امام "ربيع ديمقراطي " أم انها تواجه عملية تفكيك واعادة
بناء امريكية حصادها مر ؟
والجواب في تقديري يكمن في قراءة موضوعية
للانتخابات العراقية وتداعياتها على
المجتمع العراقي ، حيث يتضح ان ما يؤخذ عليها ليس فقط انها جرت في ظل الاحتلال ،
وان قطاعا اساسيا من شعب العراق قاطعها ، وانما ايضا كونها اجريت وفق الاجندة
الامريكية المستهدفة تفكيك بنى المجتمعات العربية والاسلامية واعادة تركيبها بما
يتوافق مع ادخالها في النظام الشرق اوسطي بالمواصفات الامريكية . وعلى ذلك تضمنت استمارة المشاركة في
الانتخابات العراقية الموافقة على "قانون ادارة الدولة المؤقت" ، الذي
صيغ باشراف الجنرال بريمر ، المندوب السامي الامريكي الاول في العراق . ولأن
"القانون" صيغ بحيث يكرس الفيدرالية والمحاصصة الفئوية رفضه العديد من
مفكري العراق وساسته ومراجعه الدينية ، وفي مقدمتهم آية الله السستاني في بيان
وجهه لمجلس الأمن طالبا عدم تضمينه في القرار 1511 . إلا أن الطموحات والمصالح
الطائفية جعلت السستاني يصدر فتواه باعتبار التصويت واجبا شرعيا .
ولما كانت أهم شروط الممارسة الديمقراطية
تعزيز حرية الوطن وسيادته ووحدة ترابه ، وعدم المساس بالنسيج المجتمعي والانتماء
الوطني . في حين ان الفيدرالية الموصى بها في "قانون" بريمر ، والمراد
تقنينها في الدستور الدائم ، إنما هي فيدرالية تقسيميه ، الأخذ بها يؤدي الى تقسيم
العراق سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا ، وإن أبقى علي الاطار الوحدوي الدستوري
. الأمر الذي سيؤدي الى تأصيل التجزئة القائمة ووضع معوقات دستورية للاندماج
الوطني ، الذي هو القاعدة الصلبة للوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي والتقدم على
مختلف الصعد في الدولة الحديثة .
وفضلا عن الفيدرالية التقسيمية المعتمدة لا
يخفي من هم وراء "الربيع الديمقراطي" في العراق المحتل ، واللاعبون
الاعلى صوتا على ساحته ، عداءهم لانتماء العراق القومي ، والتحفظ على تفاعلاته
الايجابية مع عمقه الاستراتيجي العربي . وبالتالي استعدائهم للقطاع الواسع من شعبه
عميق الشعور بانتمائه القومي العربي . وبالتبعية الدفع باتجاه تحويل التناقضات
الثانوية بين التكوينات الاجتماعية العراقية الى تناقضات عدائية تؤسس لصدامات
متوالية . ومن مفارقات المرحلة انه في الوقت الذي تتكثف فيه الضغوط الامريكية
والاورويية ، وبعض الرسمية العربية ، لتوسيع دائرة "التطبيع" مع
الصهاينة ، يصار الى الدفع باتجاه تدمير العلاقات الطبيعية الممتدة فيما بين عرب
العراق واكراده وتركمانه واثورييه ، كما بين مسلميه ومسيحييه ، وبين سنته وشيعته .
وأن تكون تلك هي معطيات الواقع العراقي بعد
الانتخابات موضوع اشادة الرئيس بوش ، واجهزة الاعلام الامريكية والمتأمركة ، ففي
ذلك نفي قاطع لان يكون شعب العراق يعيش بفضل محتلي أرضه ومصادري قراره الوطني
ربيعا ديمقراطيا . وقد يتساءل كثيرون مستنكرين : كيف والقطاع الاوسع من شيعة
العراق واكراده يعيشون فعلا ربيعهم الديمقراطي ، وإن في العراق ، وأكثر من قطر
عربي ، من يرون في الظروف الاقليمية والدولية الراهنة "الفرصة الذهبية"
الواجب اغتنامها لتحقيق طموحاتهم الذاتية ومصالحهم الفئوية على نحو غير مسبوق في
تاريخهم ؟
وفي الاجابة عن التساؤل المطروح ألاحظ بداية
أن قوى الاستغلال العالمية اعتادت التعاطي مع الوطن العربي باعتماد خطط ذات بعدين
، فهي من جهة تضع مشروعا واحدا لشعوب الامة العربية ، ومن جهة ثانية تنفذه باعتبار
هذه الشعوب تمثل لوحة فسيفسائية عرقية ودينية ومذهبية بلا روابط قومية . وعلى الذين
يتصورون انهم يعيشون "ربيعهم الديمقراطي" ويحسبون أنه توفرت لهم " الفرصة
التاريخية " أن يحسنوا قراءة التوجه الامريكي المستهدف فصم عرى روابطهم
التاريخية مع محيطهم وتفكيك المنطقة الى مجموعة اقليات عرقية ودينية ومذهبية ، بأسها
شديد بينها وقلوبها شتى . وبالنتيجة اضعافها جميعها واشاعة الخوف بينها من بعضها
البعض .
وفضلا عن ذلك فان محدودية امكانيات وقدرات
كل من الاقليات الجاري إبرازها ، في مقابل تزايد تطلعات ابنائها ، سوف يضاعف من
حاجتها للراعي والداعم و"الشريك الاستراتيجي " الاجنبي ، وبحيث تنتظم
بارادتها الحرة في "الشرق الاوسط الكبير" ، لتكون اوتاد خيمته الكبرى
المشدودة بحبال من مسد لعمودها الاسرائيلي ، منتقلة بذلك من المشاركة الطبيعية في
النظام الاقليمي العربي ، الذي تجسده جامعة الدول العربية ، الى الارتباط التبعي
بالقطب الاسرائيلي للدوران تحت اشرافه وحسب توجيهاته في الفلك الامريكي .
ويذكر أن ونستون تشرتشل حين ايد وعد بلفور قال
عن الوطن القومي اليهودي إن هذا الكيان سيبقى محتاجا دوما للدعم والحماية في
مواجهة البحر العربي المحيط ، ولن يتمرد على اراداتنا يوما . وبرغم صيرورة اسرائيل
اقليمية القدرات كونية الدور ، وما لليهودية العالمية من قدرات ، لما تزل اسرائيل
دولة وظيفية في خدمة قوى الاستغلال العالمية لقاء دعمها اقتصاديا وعسكريا وسياسيا
. فكيف الحال بأي من اقليات الوطن العربي وليس بينها من له بعض ما هو متوفر
لاسرائيل ؟
ويلاحظ أن صقور الاقليات يتصرفون وفي يقينهم
ان الأمة العربية باتت أسيرة الواقع المأزوم وأن القومية العربية غدت من ذكريات
الماضي . ويقينا انه ليس اخطر على حاضر ومستقبل جماعاتهم من الظن بأن المخطط
المرسوم قدر لا راد له ، إذ في مواجهة التغول الامريكي والعربدة الصهيونية
تتنامى مقاومة عربية مرشحة للتفاعل الايجابي مع القوى العالمية الرافضة الجوانب
السلبية من العولمة ، والمتطلعة الى الديمقراطية الحقة ، المستحيلة التحقق بمعزل
عن الارتباط بالتحرر والاستقلال والعدالة الاجتماعية . وهذا غير مستحيل عربيا إن
تصرفت جميع التكوينات الاجتماعية المتواجدة في الساحة باعتبارها شريكة مسيرة ومصير
، وتنبهت الى أن تناقضاتها فيما بينها ليست عدائية بمثل تناقضها جميعا مع الساعين
الى استغلال الوطن العربي موقعا وموارد وأسواقا وقدرات بشرية .