لعبة الدمقرطة في مصر (4)
تعليق علي حديث هيكل
أكذوبة أسمها حتمية فوز مبارك
هشام
الناصر
جاء حديث هيكل(1)، لفضائية الجزيرة، في سياق
واتساق لما تم تناوله في سلسلة (لعبة الدمقرطة في مصر)، علما بأن هناك بترا فاضحا
ومونتاجا واضحا قد تم للحديث !!، خاصة فيما يتعلق بموضوع الإصلاح في مصر، ومن
المؤكد أيضا أن ذلك قد تم بموافقة هيكل، فالرجل حيّي دبلوماسي ويهرب كثيرا في مقالاته
وكتاباته خلف صور بلاغية واستعارات مكنية، لكنه تورط (!!) هذه المرة في الحديث عن
مصر وحالها وعواقب سوء مآلها، والذي لم تجدي معه أي صورة من صور التجميل والتغيير
لأنه ببساطة (أقبح) من كل إمكانيات وأدوات هيكل في التعبير، فكان المونتاج بالقطع
والبتر لأن الله أمرنا بالستر (!!).
**************
قلة الأدب الديموقراطي (!)
قلما يحدث اتفاق بين رجل مثل هيكل، كقومي عربي، وأخر مثل
الأستاذ عاكف (مرشد الأخوان) كزعيم لأكبر تجمع سني يعتنق بالقطع الخيار الإسلامي –
رغم أن هناك العديد من المفكرين المصريين (أمثال د. عصمت سيف الدولة في كتابه عن
العروبة والإسلام) قد أثبتوا عدم وجود تناقض فيما يسمي بالانتماء المتعدد بين
القومية العربية والإسلامية، فهما ليسا منفصلين غير مترابطين (Discrete)،
بل متداخلين مكملين – مع ملاحظة ضرورة التحري بدقة عما يعنيه القائل بمصطلح (قومي
عربي) والذي يُحرف أحيانا بإضفاء لمحة علمانية دخيلة تخرجه من مضمونه وتشوه أصله
كحركة وطنية عربية نشأت في الشام والعراق في نهايات القرن التاسع عشر وأوائل
العشرين، لمقاومة دعوة ونزعة (التتريك العلماني) التي قادها الجنرال القوي أتاتورك،
بطل حروب الأرمن، في أخريات أيام الخلافة العثمانية.
عموما هذا موضوع يطول فيه الحديث، لكن خلاصته وما نريد أن
نقوله هو أن الدائرة المشتركة بين التيارين (إن جاز التعبير) تحوي أكثر من 80% من
أبناء الشعب المصري بالخصوص والشعب العربي بالعموم، وهي الخلاص والملاذ من شبح
هيمنة الليبرالية الغربية في ثوبها الأمريكي.
ونعود لاتفاق الرجلين في أن كليهما قدم النصح بضرورة تناول
موضوع الإصلاح السياسي في مصر (بأدب) يتفق ومقام السلطة الرمز لمصر. فقد قال هيكل:
<< وفي مصر محاولة لكن لابد أن تناقش بأدب.. لأن مقام الرئاسة في
مصر رمز لشيء معين..>>، أما الأستاذ عاكف فقال(2) في نفس
المعني: << لم أتحدث عن طاعة ولى الأمر؟ بل قلت يجب احترام ولى الأمر، فلا يصح أن اشتم رئيس الدولة
باعتباره رمزا ورفضت من قاموا بسب الرئيس مبارك أمام نقابة الصحفيين لأنه لا يليق
بأي حال من الأحوال توجيه شتائم للرئيس لأنه تقليل من قدره، فرئيس الجمهورية رمز
للأمة علينا احترامه، أما طاعة ولى الأمر فلا تجوز إلا لمن يحكم بكتاب الله>>.
وأجد نفسي متحرجا، أمام رمزين كبيرين أحترمهما وأوقرهما،
الأول لقيمته الفكرية العلمية والثاني لزعامته الدينية، في تصوير النعت المناسب
للسلطة، رأسها وجسدها وأذنابها، بعدما فعلت ما سنسطره في إيجاز لاحقا. ولم أجد
(مصطلحا تعبيريا) مناسبا خير مما كان يستخدمه زميل عمر لي رغم اختلافنا المهني
وافتراقنا الدنيوي، فهو الآن عند ربه ينعم بأجر الشهداء، وكان (رحمه الله عليه) من
الأدب ودماثة الخلق ما كان يجعله يتحرج في توبيخ الرتب والدرجات الأصغر في حال
الخطأ إلا بقوله <<أنت قليل الأدب العسكري>>.
أي أن (قلة الأدب) بمطلقها هي للأدب المفهوم بالعموم – و(قلة
الأدب العسكري) هي تحديد لمجال أو قطاع معين بالخصوص. لذا وأخذا بالقياس ففقد
وجدنا من المناسب استخدام مصطلح (قلة الأدب الديموقراطي) لننأى بنفسنا عن عدم احترام
نصائح الرجلين الكبيرين.
وكنماذج لما فعلته السلطة المصرية في الفترة الأخيرة من امتهان
للعقل وللكرامة المصرية ولأبسط قواعد حقوق الحيوان قبل الإنسان، ومن استخدام
أساليب (حرب العصابات) ضد طوائف الشعب لمنعها من أن تعبر عن ألآمها وبعض من آمالها،
ومن استخفافها بالإدراك الشعبي في تناول قضاياه ومشاكله، ... الخ، نوجز بعضه في
الآتي:
1 – الهجوم البوليسي لزوار الفجر علي قيادات الأخوان وكوادرهم
التنظيمية في الساعات الأولي من يوم الأحد 27 مارس، واعتقال حوالي الخمسين منهم،
بدون تهم قانونية اللهم حيازة كتابات مناهضة للسلطة (!!؟؟)، باستخدام سلطة قانون
الطوارئ التي تتيح لوزير الداخلية تخطي القوانين لمجرد الاشتباه. والغرض معروف
ومكشوف وهو ضربة إجهاضية إستباقية لإفشال التظاهرة السلمية للإخوان للتعبير عن
رفضهم لما تسرب إليهم (عمدا) من أخبار (!!) بوجود نوايا واتفاق علي تغيير المادة
الثانية من الدستور التي تنص علي أن الإسلام هو دين الدولة، واللغة العربية لغتها
الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع (بألف ولام).
2 – قدم لهم الرجل الورود علي الحاجز الأمني فاعتقلوه (!!). هذا
بالضبط ما حدث مع عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان (النقابي د. عبد المنعم أبو الفتوح)
وبصحبته عشرة أفراد من الجماعة أعلى كوبرى قصر النيل بقلب القاهرة العاصمة. وكانت
المحصلة في نهاية يوم الأحد، طبقا للتقارير الإخبارية، هي اعتقال أكثر من مئة من
كوادر الجماعة بتهمة تكدير الأمن العام والتسبب في إيقاف حركة المواصلات (!!!). مع
ملاحظة أنه قد تم الإفراج عن بعضهم في اليوم التالي بعد تحقيق المراد.
3 – قيام الجهات الأمنية بانتهاكات لحقوق الإنسان واستخدام
العنف ضد المظاهرات السلمية التي حدثت في ميدان (الرفاعى) بالعريش، واستخدام أسلوب
الاعتقالات العشوائية التي قدرتها مصادر عديدة مصرية ودولية بما يتراوح بين 2400 –
2700 معتقلا، وهو رقم متواضع بالنسبة للأرقام الحقيقية، والذين يتعرضون لأبشع
أساليب التعذيب اللا أدامية جعلت الكثير ينعتون المقار الأمنية بالمسالخ البشرية
!! وجعل المواطنين بسيناء يترحمون علي أيام الاحتلال الإسرائيلي (!!؟؟).
4 – طوفان إنتقادات بعض قيادات الحزب الوطني والسيد وزير
الداخلية للمتظاهرين، ووصفهم بالقلة الخارجة!! والتهديد بملاحقة المتظاهرين (قانونيا
!!!) في مؤشر خطير يهدد الهامش أو قل المتنفس الديمقراطي الذي طفا علي السطح وبات يضيق
بسبب انتهاكات الأجهزة الأمنية.
5 – ما حدث مع السيدة (نفيسة المراكبى) التي توفيت في ظروف
غامضة (!!) – يروي وقائعها أهالي قرية (سراندو) لجريدة العربي: << نفيسة
كانت منقبة.. شدوا النقاب من على وجهها وضربوها والضابط (محمد عمار) قال لها:
الله..أنت سودا ؟!..كنت فاكرك بيضا.. وقعد يمسك في صدرها وجسمها.. وبعدين خدوها
وهم بيضربوها جامد وبعدين الضابط (محمد عمار) رجع وقال لنا: نفيسة ماتت وهنسيب
جثتها تتعفن والطفل اللي ماتولدش في بلدكم حنخلى شعره يشيب وهنعذبكم عذاب الكفار...>>. وما حدث في تقرير النيابة
العامة بنصه: << نؤكد لكم أن المواطنة نفيسة المراكبى من سراندو محافظة
البحيرة توفيت وفاة طبيعية تماما والسبب.. صدمة جرثومية (!!!!!!!) >>.
فعلا .. أنها صدمة جرثومية (!!).
6 – في لقاء السيد الرئيس مع (المثقفين) المصريين فوجئ سيادته
بصوت (حر واعي) يحدثه صراحة علي غير ما ألفه فخامة الرئيس، هو صوت (د. محمد السيد
سعيد) يقول (والحديث نقلا عن الأخ السناوي بالعربي الناصري): << يا ريس أنت
مسئول بحكم الدستور عن حفظ كرامة المصريين، ولا أظنك تقبل اعتقال نحو خمسة آلاف مصري
في سيناء وتعذيب بعضهم بالكهرباء وإطفاء سجائر مشتعلة في أجسادهم العارية،
المصريون - يا ريس - مثل الأحجار الكريمة تحتاج إلى المعاملة بكرامة. الدستور يا
ريس مبنى على الحكم المطلق ورئيس الدولة هو مركز هذا النظام. كل شيء يبدأ وينتهي
عنده، ونحن نطمئن لك، ولكن ألا تقلق أنت شخصيا ممن سوف يأتي بعدك ولديه كل هذه
السلطات والصلاحيات، وربما يفتقر إلى الحكمة أو بنصف عقل ويجر البلد إلى كارثة، ألا
تشعر مثلنا بالقلق من هذا الحكم المطلق، نريد دستورا جديدا يا ريس يوزع السلطة
ويوازن بينها ويقرب السلطة إلى الناس. >>. وصمت الرئيس ولم يعقب، وبعد الحوار أقترح د. سعيد
أن يكتب ورقة بوجهة نظره كاملة يضعها تحت تصرف الرئيس – فقال له فخامته: أنت
متطرف، اكتبها وخليها في .. جيبك (!!).
7 – حديث لأحد الموظفين بالحزب الوطني، من المعينين علي درجة
سياسي ومسئول عن (التثقيف السياسي) في قناة الحرة (الأمريكية)، بأن حركة (كفاية)
هي حركة بين مجموعة من الأصدقاء ..!!!، ومن ثم فهي تحمل فناءها في تركيبها، وبأنه
لا مانع من قبول الأخوان المسلمين كحزب سياسي شريطة رفضه للخيار الإسلامي
(!!!!!!!!!!!!!!!!).
حركة
كفاية التي تضم بضع الآف من خيرة النخبة المصرية بدء بطارق البشري (فوق السبعين)
هي مجموعة أصدقاء تريد أن تتسلي بالسياسة ؟؟ - وحركة الأخوان المسلمين مطلوب منها
نزع الرداء الإسلامي ؟؟ ولا نعرف ماذا يريدون لها أن تكون أخوان ماذا ؟؟؟. وماذا عن
المادة الثانية من الدستور التي تؤكد أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي
للتشريع ومن ثم لا يعيب أي تكتل سياسي في الأخذ بها.
أي سطحية في التفكير وأي استخفاف بالعقول أكثر من هذا ؟؟ -
أليس هذا نوعا من الجهالة أو قل نوعا من قلة الأدب الديموقراطي ؟؟
عموما، السؤال الآن للأستاذين هيكل وعاكف .. كيف يتم
التعامل بأدب مع سلطة قليلة الأدب .. الديموقراطي
(!!؟؟).
********************
أكذوبة أسمها حتمية فوز مبارك (!)
يتحدث الكثير من الكتاب والمفكرين، ومن بينهم أستاذنا هيكل، ومن
رجالات الأحزاب المصرية عن (حتمية) انتخاب السيد رئيس الجمهورية الحالي وفوزه بالضربة
القاضية الفنية علي أي منافس كان في نزال معركة الرئاسة القادمة، لأسباب عديدة
منها تسخير إمكانيات الدولة لصالحه، ومنها عدم وجود وجوه معروفة للناخب المصري،
ومنها سابقة أعمال حسني مبارك، ومنها ضعف إمكانيات الآخر المنافس، ومنها القيود
المحتملة التي ستفرضها أجهزة السلطة الحالية، ومنها (حسب تعبير د. مصطفي الفقي)
ثقافة المواطن المصري التي تندرج تحت (اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش).
وكتعليق علي هذه الأقوال، أعرض مبدئيا واقعة حقيقية (وليست
روائية خيالية) حدثت يوم 6 أكتوبر 1981، وكنت شخصيا أحد أطرافها، وهذه الواقعة تم ذكرها
بمقال سابق نعيد جزء منه بما يخدم سياق المقال:
<< حيث إنه وفي ذات اليوم، رغم حظر التجوال، اجتمعنا بأحد المقاهي بالمساء، نحن
"شلة" من الأصدقاء، متعلمين مثقفين، منا دكاترة ومهندسين وأساتذة جامعة
ومدرسين، ونحن كجيل محافظ قديم نشأنا وترعرعنا تحت شعار "كلنا سيد في ظل
الجمهورية" حيث تكافؤ الفرص وتشجيع المواهب وانتشار المكتبات العامة في كل
جانب وتوافر المعاهد التقنية و تميز الكليات الأكاديمية، لكن في ظل هذا العهد السعيد
(!!) أنقلب الهرم الاجتماعي فأصبح المتعلم والمثقف في القاع والقمة مرتقي لكل أفاق
بغيض، وتحققت مقولة "ألكواكبي" حينما قال: أنة في زمن الذل والهوان
يتبوأ أمر القوم كل خسيس وجبان..!!. وكان محور الحديث هو: من القادم ؟؟ - ففي
ظل السياسة القمعية، تذبح وتوأد الديوك ولا يتبقى في الحظيرة إلا الفراريج، تصوصو
وتبيض!! ولا يحوي القطيع إلا كبشا وحيدا والباقي نعاجا و خرافا بليدة، وطويل اللسان في المنفي شريدا أو في معتقل أو
حتى مذبوحا شهيدا. !!. البعض يرشح
"مصطفي خليل" والبعض يقول "أبو طالب"، والبعض يقول لا .. ده
لازم يكون ضابط محارب. وكان من بين الحاضرين، احد العمال العاديين، مواطن في حاله
كملايين المواطنين، يدعي الأوسطي برواز، شغال في (كار) القزاز، جالسا يتأملنا (نحن
المثقفين)، ونحن قاعدين نخمن شمال ويمين، فانتصب واقفا زنهار، قاطعا علينا الحوار،
قائلا بصوت أجش تخين، يا سادة يا مثقفين، يا متنورين ومتعلمين، مع احترامي لرأيكم،
وسلامة فكركم، فكل من ذكرتموهم أو عددتموهم قد كانوا في السلطة، والسُلطة سَلطة،
سوء عملهم حاضر وخيرهم نادر، بتقولوا مصطفي خليل أو أبو طالب، قسما ثلاثة بالله
العظيم لو جابوا "سهير زكي" فلن أعارض !!!!!>>.
والمقصود أن الطبيعة البشرية تتواءم مع مقولة (إن لم يكن
في استطاعتك أن تحصل علي ما تريد، فعلي الأقل أرفض مالا تريد)، وخاصة أنه لا
ماء ولا هواء أو طعام وغذاء، وهو الأمر الذي تعييه السلطة الحاكمة حاليا، وتعلم
أيضا بحقيقة وجود الوجه القبيح للسلطة والواضح للجميع في ممارساتها الأمنية
الوحشية وإهدارها لأبسط حقوق المواطنين الآدمية (وهو ما ظهر في اعتقالات سيناء
الأخيرة وأحداث قرية سراندو والتعامل بعنف ووحشية مع المظاهرات السلمية)، وفي
نتائج تخبطها فيما يسمي بالإصلاح الاقتصادي الذي تقول أنها بدأته منذ عقدين وتظهر
نتائجه المبهرة (!!) في الغلاء الفاحش وفي تقرير الأمم المتحدة شديد اللهجة عن
(حالة الفقر المدقع في مصر الذي ينذر بعواقب وخيمة) وأخيرا وليس أخرا عن البطالة
التي يقدرها البعض من ثمانية إلي عشرة ملايين، وفي هيمنة طبقة طفيلية حاكمة (من
رجالات المال والعمال) علي مقاليد السلطة وتهميش السواد الأعظم من الشعب الذي عبر
عنه هيكل بقوله << هناك في مصر طبقة
متوسطة نشأ منها النظام تقدري تشوفيها في حركة المرور في القاهرة ليلا.. هذه عملية
نمو طبقي ولابد أن تعبر عن نفسها سياسيا>>.
والمقصود
أيضا أن أي وجه حتى لو كان متوسط القبول يستمده من علاقته بميراث وطني قديم (د.
خالد عبد الناصر كمثال) أو انتماءه لإطار عقائدي ديني (د. عبد المنعم أبو
الفتوح كمثال) أو بأعمال وطنية تجسد إرادة التحدي وعدم الانهزام ذات
صدي عند رجل الشارع البسيط (عمرو موسي كمثال) – أي وجه علي شاكلة هؤلاء سيكون
له الغلبة علي الرئيس الحالي إذ ما تمت الانتخابات في حيادية أو نصف حيادية (!!) -
وهو الأمر الذي يفرض ضرورة الإشراف الدولي علي الانتخابات وإسقاط حجة (السيادة
والكرامة الوطنية) التي تتشدق بها السلطة كمقولة حق يراد بها باطل. وفي السياق
نثمن أراء (د. يحي الجمل، فقيه القانون الدستوري) علي أحاديثه التي تستخف بتشنجات
السلطة في موضوع الإشراف الدولي علي الانتخابات الرئاسية المصرية.
ونقول
أيضا أن السلطة الحالية تعي ذلك جيدا (!!) – فبعمل مراجعة سريعة لكافة (الشروط)
المقترحة من جانبها بدعوى ضمان جدية الترشيح لمنصب الرئاسة تؤكد (تخوفها) من
النماذج الثلاث السابق ذكرها وتؤكد إصرارها علي تفصيل تلك الشروط لتلائم (نموذج
الدمية) الذي يحقق أغراضها.
والتحدي
الأكبر الآن هو ضرورة التمييز بين اتجاهات ثلاثة:
1 – الاتجاه الأول هو السلطة
الحاكمة التي تريد الاستئثار بسدة الحكم، ووجوهها المرشحة تدور بين الرئيس الحالي
ونجل الرئيس الحالي (ودعوكم من الإنكار المتكرر للتوريث !!، فقد تعودنا علي عدم
مصداقية السلطة) والثالث هو أحد المقربين وهو (بوتن) المصري الشهير بالسيد (عمر
سليمان) – مع ملاحظة وجود علاقة خاصة بين عمر سليمان (مواليد 1935 – أي 70 سنة)
وبين أسرة الرئيس الحالي إلي الدرجة (كما يقال) أن السيد حفيد السيد الرئيس الأخير
أُطلق عليه أسم (عمر) –عرفانا وتقديرا لدوره في عملية إثيوبيا.
2 – الاتجاه الثاني هو رجالات
الإدارة الأمريكية، فمن الحقائق والبديهيات أن موضوع الرئاسة المصرية يحظى باهتمام
فائق للإدارة الأمريكية لتأثيره علي مصالحها ومخططاتها بالمنطقة (النزاع العربي
الإسرائيلي ومنطقة الخليج)، ومن الظواهر المعلنة والمستقرأة أن الإدارة الأمريكية
تعتبر السلطة الحالية (منتهية الصلاحية)، ولذا فقد ناورت بدفع بعض رجالاتها
و(حرقهم) في مناورة مكشوفة لتحويل الأنظار عن شخصية خفية يُعد لها في روية
وسرية ليوم المعمعة الرئاسية.
ولا يمكن الادعاء
بالمعرفة الأكيدة للشخصيات المرشحة وإن كانت هناك علامات وإشارات تحوم حول العديد،
منهم شخصية معينة تدين بدرجتها العلمية لمنحة الجامعات الأمريكية وتعمل في قطاع
المال والأعمال وأيضا في المنظمات الحكومية القريبة من العائلة الرئاسية وتحمل أسما
فخيما وإن كان (في اعتقادنا) علي غير مسمي !!!؟؟
3 – أما الاتجاه الثالث وهو
المعبر عن زخم الشارع المصري، الطبقة المتوسطة بالخصوص والطبقات الفقيرة بالعموم، فما
زالت ملامحه في طور التشكيل (!!)، وللأسف فهو في علاقة إعتمادية علي ما ستسفر
عنه نتائج عملية وضع (الشروط الحاكمة) لانتخابات الرئاسة (!!).
ويلاحظ
أننا قد أغفلنا اتجاه (عديم القيمة) وهو الذي تصر السلطة الحاكمة علي تخليقه ودفعة
إلي مسرح الأحداث (كمحلل أو كومبارس أو سنيد للبطل) – والذي يتمثل في الموظفين
المعينين علي درجة (قادة أحزاب معارضة) ...
!!
******************
مصر .. البلد (القائد) في تجربة الإصلاح والديموقراطية
في حديث سابق لهيكل (ديسمبر
2004)، نعت العام الجديد 2005 بأنه (عام الفزع)، وبأنه العام الذي ستحصد فيه
الولايات المتحدة (وبالتبعية إسرائيل أيضا) ثمار فعالياتها وتخاذلنا في المنطقة.
وفي حديثه الأخير، منذ أسبوع، أستخدم هيكل عبارة (نحن خرجنا من التاريخ)، ولكنه
عاد وأستدرك بأننا مازلنا علي الأعتاب (!!) لتخفيف النظرة التشاؤمية السوداوية، في
مقولته: << نحن
خرجنا من التاريخ لكن بسبب الموقع والتاريخ والموارد نحن علي عتبة الباب ممكن ندخل
وممكن نخرج تاني.. الطريق هو الإصلاح في الداخل>>،
وعمن هو البلد القادر علي تولي مسيرة الإصلاح في العالم العربي (ككل) قال هيكل:
<< وهناك بلد واحد هو مصر يتحمل هذا الإصلاح>>. وعن زخم الشارع
ونمو طبقة متوسطة ضخمة قوية تريد متنفسا في التعبير عن مطالبها وضروراتها، قال
هيكل: << هناك في مصر طبقة متوسطة نشأ منها النظام تقدري تشوفيها في حركة
المرور في القاهرة ليلا.. هذه عملية نمو طبقي ولابد أن تعبر عن نفسها سياسيا. طريقنا إن الطبقات
التي ظهرت ونمت في المجتمع تجد وسائل للتعبير السياسي عن نفسها وإنها تطلع ويكون
هناك دستور>>.
أما عن تبريره لدور مصر
القيادي في عملية التغيير (وهو ما سنعلق عليه) قال هيكل: <<العالم العربي
دائما في حاجة إلي نموذج وإلي تجربة وكانت مصر دائما تعمل الدور ده ومصر تقدر
تتحمل ده.. فكرة التقدم نحو المشاركة ونحو الحرية والأساس هو الحرية والديمقراطية
هي تنظيم ممارسة الحرية.. والبلد القائد في ذلك لأنه الأكثر عددا والأسبق في
التفكير هو مصر ويستطيع أن يصنع نموذج ملهم وهذا هو تحدي القرن>>.
ومن
المعروف تاريخيا أن (مصر) لم تكن أبدا بالدولة القطرية المنغلقة علي نفسها، وكانت
(ونرجو أن يكون ومازال) تتبوأ مكانا متميزا في ثلاث دوائر متقاطعة (وليست متداخلة)
وهم الدوائر العربية والإفريقية والإسلامية – وهو ما عبرت عنه الناصرية في خطابها.
ولقد ظهرت دائرة رابعة كمحصلة للمتغيرات الحادة بأخريات القرن العشرين وهي دائرة
الشرق الأوسط، تجد مصر نفسها بإرادتها أو رغما عنها لاعبا أساسيا بها أو وقودا
بسعيرها.
ولقد
مرت مصر بفترة انحسار وانحدار منذ السبعينات، مازلنا نعاني منه حتى الآن بدرجة أو
بأخرى في نطاق الدوائر الثلاث، نتيجة عاملين أساسيين هما النمو المطرد للمنافسين في
تلك الدوائر ولأعمال التشويه العنيفة التي حدثت للهوية المصرية.
ففي
الدائرة الإفريقية، تراجع دور مصر القيادي أمام (جنوب أفريقيا) خاصة بعد نبذها
لساستها العنصرية، وأمام (نيجيريا) رغم مشاكل الفساد المالي لديها، وأمام (الشمال
الأفريقي) الذي اندفع لاحتلال الفراغ الناجم من الانسحاب المصري.
وفي
الدائرة العربية، كانت هناك منافسات أشبة بالمناوشات مع (السعودية) بإمكانياتها
المادية وثرواتها البترولية وقربها من مركز صنع القرار العالمي، ومع (العراق)،
وخاصة أبان صدام، بعدما تبوء زعامة المقاومة ضد الهيمنة الغربية وإسرائيل وقيامة
بالنهضة الصناعية والتعليمية والتسليحية، ومع (سوريا) رغم مشاكلها ومحدودية
إمكانياتها، وبشرعية استمرارها النضالي ضد إسرائيل، وهناك الشمال الإفريقي الذي
يريد زعامة دائرة جديدة مُخلقة تسمي الدائرة (الأوروعربية) أو (الأفروعربية) !!!!.
وفي
الدائرة الإسلامية، كان الأزهر هو الداعم والسند الأكبر لمصر، إضافة إلي منح
التعليم الإسلامية التي نراها زاخرة عامرة بمدينة البحوث الإسلامية، وكان
المتنافسون يتمحورون في (السعودية) وبصفتها (صاحبة العهدة) للحرمين الشريفين
ولإنفاقها البذخ المحمود في دعم الإسلام بأنحاء العالم اجمع ولكونها لاعبا أساسيا
في المنظومات الإسلامية والتي تستضيف إحداها بمدينة جدة، وهناك (إيران) الإسلامية
والتي لا يعيبها إلا مذهبها الطائفي الذي تتجنبه الأغلبية السنية في العالم ولغتها
الفارسية التي تأتي بعد العربية بكثير في المنظومة الإسلامية، وهناك باكستان كقوة
نووية إسلامية لكن يعوقها مشاكل فقرها وجوارها للعدو الهندي التقليدي وتورطها في
المستنقع الأفغاني، وهناك اندونيسيا بكثافتها البشرية ونموها الاقتصادي بالتبعية
الآسيوية ولكن يعيبها (ضعف) العلم والمرجعية الإسلامية وضعف الموارد والكوارث
الطبيعة المتلاحقة وأخيرا ألاعيب استراليا المتخوفة من غزو اندونيسي لأرضها، وأخيرا
هناك تركيا بثرواتها المائية الحاكمة المتحكمة وتقدمها الاقتصادي وامتلاكها لجيش
قوي متميز ولا يعيبها إلا نظامها العلماني الذي يفسد وجهها الإسلامي.
أما
في دائرة الشرق الوسط، والتي فرضت نفسها علي باقي الدوائر الأخرى كمنطقة صراع
المصير المستقبلي وليس مجرد ترف الزعامة والرئاسة، فقد جاءت إسرائيل كلاعب أساسي
مؤهل مدعم بالقوي الغربية ومرشحة بقوة لزعامة المنطقة (!!) – أما المتنافسون
الآخرون، وهم أيضا لاعبون في الدوائر الأخرى، فينحصرون في تركيا وإيران والسعودية.
وإذا
ما نظرنا إلي (المؤهلات) المطلوبة للريادة والقيادة بالعموم نجدها تتلخص في الآتي:
1 - القوة البشرية المتعلمة المثقفة
الواعية.
2 – الكفاءة التنظيمية والخبرات الإدارية
لكيان الدولة القائد.
3 – المقدرة علي استيعابية المتغيرات
الكونية (العلمية والتقنية كمثال).
4 – الموارد الاقتصادية القوية.
5 – القوة العسكرية والمقدرة القتالية.
6 – الهوية القومية أو الإسلامية –
البعيدة عن القطرية والقبلية والعشائرية.
7 – الالتزام بالدور القيادي (السياسي /
الديني) والقدرة علي تحمل المسئولية – فالقيادة والريادة عطاء وانتماء قبل أن تكون
أخذا واستفادة.
8 – سوابق الأعمال – التاريخ القيادي.
والخلاصة
... أن مصر تتميز برصيد كبير في كافة النقاط (المؤهلات) المذكورة لتتبوأ موقعها
القيادي الطبيعي الذي تفرضه عليها حتمية تاريخها وجغرافيتها والأهم هو ما تفرضه
عليها طبيعة وخصائص بنيتها البشرية المستمدة من تجارب قاسية، خاصة في الثلاث الآف
سنة الأخيرة (!!) وبالتحديد منذ عصر الاضمحلال الأخير عام (1085 ق.م – 332ق.م)
(3) ولعل يكون في ذلك مقال.
ولعلنا
نعي الآن الدوافع الحقيقة وراء محاولات: إفقار مصر اقتصاديا، وإضعافها عسكريا وإفقادها
هويتها بدفعها وتحجيمها خلف فرعونيتها الوهمية، وتشويه بنيتها التركيبية
بتهميش الطبقة المعبرة الحقيقية، وإذكاء الاتجاه العلماني بتحييد عقيدتها الدينية.
ونعي
أو لا نعي .. فهذا هو التحدي الأكبر للبقاء، ليس لنا بل لأولادنا وأحفادنا وذريتنا
من بعدنا، وإلا فلن نكون فقط خارج التاريخ .. بل سنكون علي هامش الجغرافيا وفي
نفايات التاريخ (!!) – ذلك الهامش الذي سيجعلنا مجموعات من الرعايا أو الجاليات أو
المستعمرات أو حظائر البشر (!!) تحت قوة راعية مهيمنة مسيطرة، وتلك النفايات التي
تحوي كل من ضل وزل ولا ترحم من يتقول بكونه عزيز قوم ذل (!!).
وللحديث
بقية إن كان لنا في العمر بقية
الأربعاء 30 مارس 2005 م
__________________________________________________________________________
(1) حديث هيكل –
قناة الجزيرة الفضائية – تاريخ العرض 25 مارس 2005.
(2) حوار المرشد
العام مع العربي الناصري – تاريخ الحوار 23 مارس 2005.
(3) يتزامن هذا
التاريخ مع بدايات الاندثار لما يسمي بالفرعونية المصرية بعد مرحلة الرعامسة
وبدايات الأسرة 21 الضعيفة التي أسقطت مصر في براثن الاحتلال الذي بدأ ليبيا لمدة
220 عاما (950 – 730 ق.م) – ثم نوبيا لمدة 52 عاما (715 – 663 ق.م) – ثم فارسيا
129 عاما (525 – 404 ق.م ، 341 – 333 ق.م) – ثم إغريقيا فالبطالمة فالرومان
فبيزنطة .. حتى انعم الله علينا بالفتح الإسلامي - (موسوعة حكام مصر).