"القصيدة الحجرية"- دندنة نقدية

 

 

 

 

بقلم :د. إبراهيم عوض

 

    (هذا المقال مهدى إلى المربى الفاضل  الصديق أ. هانى الطايع)

 

فى اللقاء الذى ضم د.حجر أحمد حجر البنعلى الوزير والشاعر القطرى وعددا من صحفيى الدوحة منذ عدة أسابيع فى بيته، ووزَّع فيه على الحاضرين نسخا من ديوانه الأخير: "القصيدة الحجرية"، الذى كان قد صدر لتوه، سأله أحد الصحفيين عن مدى التشابه بين هذا الديوان والديوان السابق المسمى: "لامية الخليج"، الذى صدر منذ عامين، فكان رده أنه لا توجد صلة بين العملين. وكنت حاضرا، وكان لى رأى آخر أعربت عنه بعد انصراف معظم الحاضرين، وفحواه أن هناك عدة صلات لا صلة واحدة: فمن الناحية الطباعية نلاحظ أن شكل الديوانين واحد، سواء من ناحية حجم الصفحة أو الخط أو البنط أو حتى نوع الورق. كذلك قدَّم الشاعرُ للديوان الجديد، مثلما صنع مع  الديوان السابق، بمقدمة نثرية يشرح فيها ملابسات نظمه له ويتناول بعض القضايا المتعلقة به فنًّا ومضمونًا، كما أن هذا الديوان تمتلئ هوامشه، مثلما هو الحال مع سلفه، بالتعليقات اللغوية والتاريخية والأمثال والأقوال الشائعة وما إلى ذلك مما من شأنه أن يضىء القصيدة ويعمّق من فهم القارئ لها واقترابه منها ومن صاحبها. ومن الناحية الفنية الشعرية فكلا الديوانين، أو بالأحرى: كلتا القصيدتين تجرى على وزن واحد وقافية واحدة من أولها إلى آخرها، ثم إنهما قد نُظِمتا على الطريقة التقليدية التى يطلَق عليها صوابا أو خطأ: "الطريقة العمودية"، علاوة على أن كلتيهما مصبوبة فى قالب بسيط فنيا، فليس فيهما غموض ولا صور ضبابية ولا تهويمات وجدانية، مع أن الروح التى تسيطر عليهما، رغم تقليديتهما من الناحية الشكلية، هى روح عصرية (عصرية  خليجية على وجه التحديد) لا تخطئها العين ولا الأذن. وفوق هذا فالضرائر الشعرية التى يلجأ الشاعر إليها هنا وهناك واحدة بوجه عام. ولا ننس أيضا أن فى كلتا القصيدتين ميلا إلى بعض المحسنات البديعية يظهر بين الحين والحين على نحو مقبول بل سائغ، إذ ليس فيه ذلك التكلف الثقيل الذى كان ينتهجه بعض الشعراء فى عصور ضعف الشعر العربى. كذلك توجد فى كلتا القصيدتين بعض الألفاظ الخليجية، وإن كان عددها فى الأولى أكبر كثيرا منه فى الثانية، كما كان استعمالها هناك مقصودا قصدا منذ البداية. وقد أشار الشاعر فى مقدمة الديوان فى الصفحة السابعة عشرة إلى ما دار بينه وبين صديقه أ. زهدى أبو خليل حول ما كان قد ضمَّنه قصيدته من ألفاظ خليجية اعترض عليها الصديق المذكور و"رضخ" له الشاعر على ما يقول واستبدل بها ألفاظا فُصْحَوِيّة صريحة، ما عدا كلمة "بَقَى"، التى أراد الأستاذ أبو خليل أن تشملها أيضا عملية الاستبدال، إلا أن شاعرنا عَزَّ عليه حذفها ودافع عنها بأن ابن مالك صاحب الألفية الشهيرة  أجازها بكسر "القاف" وفتحها على السواء، فقبلها صديقه على مضض حسبما ذكر. وقد كنتُ أشرتُ فى دراستى عن "لامية الخليج"، التى أرجو أن تظهر قريبا، إلى استعمال الشاعر فى "اللامية" لهذا الفعل بفتح العين، وقلت إننى وجدت المتنبى يستخدمه أيضا بهذه الصيغة. وبالمناسبة فلستُ أظن القارئ إلا قد لاحظ استعمال شاعرنا، أثناء حِجَاجه عن الفعل " بَقَى"، لكلمة "رضخ" بمعنى "استجاب أو خضع لفلان أو نزل على رأيه"، وهو استعمال ينكره من يتوخَّوْن التدقيق فى اللغة ولا يريدون الخروج على ما ورد عن القدماء، الذين لم يكونوا يستعملون هذا الفعل فى غير معنى "الكسر أو الشدخ أو العطاء القليل"كما فى قولهم :"رضخ رأسَ فلان، أو رضخ له من ماله شيئا"، وإن كانت بعض المعاجم العصرية قد أوردته بمعنى "الخضوع والإذعان": أحيانا بالنص على أنه استعمال مولَّد كما فى "محيط المحيط" لبطرس البستانى، وأحيانا من غير نصّ على ذلك كما فى "الرائد" لجبران مسعود، أما "المعجم الوسيط" فلم يذكر لهذا الفعل إلا المعانى التى ساقتها المعاجم القديمة. هذا، وليس كلامى عن وجود صلة بين العملين تكذيبا للشاعر أو تعالما بملاحظةِ ما لم يلحظه هو، بل لإحساسى أنه ربما أجاب مسرعا على سؤال لم يتوقعه، أو لعله أراد أن يقول شيئا غير الذى لاحظته أنا. وعلى كل حال فالمعروف أن الإنسان كثيرا ما تفوته ملاحظة بعض الأشياء فيما يتعلق به هو شخصيا، فى الوقت الذى يسهل على غيره أن يلاحظ هذا الذى فاته، إذ الواحد منا لا يستطيع رؤية نفسه بالوضوح ولا بالاكتمال اللذين يراه بهما غيره ممن يكونون بعيدين عن المنظر فيستطيعون من ثم أن يُلِمّوا بتفاصيل تغيب عن القريب منها، فما بالك بمن ينغمس فيها ويلابسها ويصعب عليه من ثم أن ينخلع من نفسه ليستطيع النظر إلى ذاته من الخارج بعين الغريب؟

 

وقد نظم الشاعر قصيدته/ الديوان للدفاع عن اسمه "حجر"، الذى داعبه به بعض أصدقائه بل تندروا عليه ورمَوْه بالخشونة والقسوة حسبما جاء فى كلمة الإهداء. وقبل أن ندخل فى هذا الموضوع وغيره من الموضوعات التى تتعلق بالقصيدة التى بين أيدينا نشير إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان ينصح المسلمين بأن يحسنوا اختيار أسماء أطفالهم، بل كان يغيّر فى بعض الأحيان أسماء الأشخاص والأماكن إذا وجد فيها ما يسىء أو ما ينكره الذوق الرهيف: فمن ذلك أنه غيّر اسم زوجة عمر بن الخطاب من "عاصية" إلى "جميلة"، واسم "العاص بن عمرو بن العاص" إلى "عبد الله"، كما غيّر اسم "يثرب" إلى المدينة"... وهكذا. لكنْ فى نفس الوقت كانت هناك أسماء أخرى مثل: "عثمان، وعكاشة، وجندب"، ومعناها على الترتيب: "فرخ الثعبان، والعنكبوت، وصرصور الحقل"، ولم نسمع أنه اقترح على أصحابها تغييرها بأسماء أخرى، أو أنه فكر فى تغيير اسم "حجر" لأحد. وعلى أية حال فهذا الاسم ليس بالاسم الذى يبعث على الاستغراب فى البيئة الخليجية، التى كانت تعرف أسماء مثل: "حنش، وحرباش، ونومان، وعفصان، وجنيدب، وخنيفس"، ثم اتجهت الآن مثل بقية البلاد العربية الأخرى فى تسمية أبنائها اتجاها آخر يبتعد تماما عن كل ما يمكن أن يثير الحساسية لهؤلاء الأبناء. وفى التسميات العربية بوجه عام أمثلة كثيرة فى القديم والحديث يمكن أن تكون محلا للأخذ والرد والانتقاد لمن يرغب فى ذلك كـ"الحيوان، وجاموس، وكلب، والقط، والفار، والديك، والبغل، والجحش، والجمل، والحصان، والعُجيل، والناقة، وأنف الناقة، وبطة، وغراب، وسمك، وفسيخ، وأبو الرُّوس، وجبل، وصخر، وورقة، وجرير، والحِبْر، وشرارة، ومعاوية، وثعلب، وابن خروف، والضبع، والفيل، والجربوع، والجاحظ، والأخطل، والأطرش، والأصمخ، والأقرع، والأعرج، والعريان، والفرزدق، وعجّورة، وعجوة، وعدس، وشعير، وملوخية، وقُوطة، وقتّاية...إلخ"، ولا أظن أن فى اسم "حجر" ما فى بعض هذه الأسماء على الأقل من شُنْع. على أن العرب ليسوا بدعا فى هذا، فكل الشعوب تعرف ألوانا من التسمية تدفع إلى الاستغراب بل إلى النفور كما فى الأسماء الأوربية التالية: "Ardon, Barnet, Barrel, Boots, Buck, Bullock, Byron, Claude, Edan, Fisk, Helem, Rimon, Roscoe, Talia, Tiger, Todd, wolff, "، ومعناها: "برونز، ودُبّ، وبرميل، وحذاء (برقبة)، وتيس، وعِجْل ، وكوخ، وأعرج، ولهب، وسمكة، وشاكوش، ورُمّانة، وحصان، وطَلْى، ونمر، وثعلب، وذئب" على التوالى، بل إن عندهم أيضا اسم "حجر: Stone".

 

وقد قام الشاعر، فى مقدمة الديوان على مدى إحدى عشرة صفحة من القطع الكبير، برحلة فى الزمان والمكان متتبعا كلمة "حجر" فى التراث العربى، وأسماء المشاهير الذين أُطْلِقت عليهم، والآيات الكريمة والأمثال الشائعة التى تتضمنها، وما كُتِب عن الأحجار وأنواعها وخواص كل نوع منها...إلخ، بيد أنه نسى، ولا أدرى لماذا، أن يتحدث عن "ابن حجر العسقلانى" المحدِّث والمؤرخ المشهور الذى كان يعيش فى القرن الحادى عشر الميلادى والذى ربما لم يكن بعيدا عن ذهن أبيه وهو يختار له اسمه عند ولادته رغم أن الشاعر قد أكد لى أن الوالد، رحمه الله، إنما اختار له اسم "حجر" لأنه اسم عدد من جدوده. ويرجع عدم استبعادى لذلك أن الأب أيضا كان عالما من علماء الدين يقصده الناس استفادةً  مما عنده من العلم واستفتاءً فيما يعنّ لهم من أمور الحياة كى يعرفوا رأى الدين فيها حسبما ذكر الشاعر فى ديوانه: "لامية الخليج"، الذى وجدت نفسى، لظروف لم تكن فى حسبانى لأنها وليدة المصادفة المحضة، أكتب عنه كتابا أرجو أن يظهر للقراء قريبا بمشيئة الله. بل لقد كان والد الشاعر يُعْرَف أيضا بين الناس بـ"ابن حجر" حسبما نقرأ فى التعليق على البيت رقم 231 من قصيدتنا هذه. وعلى أية حال فنحن مدينون بهذا الديوان العجيب إلى ذلك الاسم وما أثاره من أخذٍ وردٍّ بين الشاعر وبعض أصدقائه، إذ لولا هذا ما كان للشاعر أن يفكر مجرد تفكير فى نظم هذه القصيدة التى لا أعرف لها نظيرا فيما قرأت من شعر: فالقصيدة من أولها إلى آخر بيت فيها، وهو البيت الحادى والستون بعد المائة، لا تعرف فى القافية إلا كلمة واحدة ليس إلا، هى كلمة "حجر"، وهو أمر لم أره من قبل. يقول الشاعر فى البيت الثامن بعد المائتين:

 

    نظمتُ شعرا بسيط الوزن منسكبا     *     لم تَخْلُ قافيةُ الأبيات من حجرِ

 

 ولا شك أن هذا من شأنه أن يصعِّب النظم على الشاعر، وبخاصة أنه لم يستخدم الكلمة إلا بمعناها المعروف أو للإشارة إلى نفسه، وهو مما يُحْسَب له بكل تأكيد. وقد شمّر شاعرنا عن ساق الجِدّ محاولا الدفاع، فى ثنايا القصيدة، عن الاسم الذى سماه به أبوه، فطار وغاص وشرّق وغرّب ليعود لنا فى كل مرة وفى يده طرفة أو تحفة يريد أن يمتعنا بها. وقد وُفِّق فى كثير من هذه الجولات، وكانت طُرَفه ممتعة حقا: فعلى سبيل المثال يقول إنه إذا كان وجود الإنسان مقصورا على كوكب الأرض فإن الأحجار منتشرة فى كل مكان فى الدنيا، أى أن للأحجار التفوق فى الوجود والانتشار فى أرجاء الكون على الجنس البشرى، وإن كانت هذه الحجة تدين الشاعر فى ذات الوقت لأنه من جنس البشر أيضا:

 

لو قد خلا كوكبٌ فى الكون من بَشَرٍ * فما خلا كوكب حتما من الحجرِ

 

فالنجم والبدر أحجار تنوِّرها        * شمس السماء إذا شَعَّت على الحجرِ

 

إلا أننا، وإن وافقناه فى أصل الفكرة مع التحرز الذى ذكرناه، لا نستطيع أن نمضى معه فيما قاله على طول الخط، إذ النجوم، حسبما نعرف مما حصلناه من شذرات فى علم الفزياء، ليست أحجارا بل نيرانا! أما فى النص التالى فقد أشرف توفيقه على الغاية:

 

اِتْبَعْ هُدَى الله من نُصْحٍ ومن أثرٍ     *    أَطِعْ نبيَّك لو أوصاك بالحجرِ

 

أَغْلَى الجواهر أحجارٌ مكرَّمةٌ        *  واللثم فى الأثر المشهور للحجرِ

 

.................

 

وارم الجُمَيْراتِ إتْباعًا لسنته         *  إبليس يُرْمَى بجمرات من الحجرِ

 

والناس فيما مضى قد عظَّموا حجرًا*  وقدَّموا المال والقربان للحجرِ

 

................

 

أَسْقَى إلهُك موسى الماءَ معجزةً     *   لمّا هوى بالعصا ضربًا على الحجرِ

 

قال المسيح: إذا لم ترتكب خطأً     * طَوالَ عمرك فارم الإثم بالحجرِ

 

بيد أن التحوير الذى اجترحه فى الشطر الثانى من البيت التالى (حين قال: "من مستصغر الحجر" بدلا من "مستصغر الشرر") هو مما يبعث على الابتسام والضحك، وكذلك على التأمل أيضا لما فيه من صدق:

 

لا تحقرنَّ حُجَيْرًا إن مررتَ به      *   فمعظم النار من مستصغر الحجرِ

 

كما أنه قد وُفِّق فى تصغير كلمة "حجر" فى الشطر الأول على ما فى تصغير هذه الكلمة من غرابة، وبخاصة أنى لا أذكر أنها قد مرَّت علىّ مصغَّرةً فيما قرأت من نصوص من قبل، مما يذكرنى بشىء من جرأة المتنبى فى افتراع الاستعمالات الجديدة الغريبة التى يبدو لى أنها لو وقعت من غيره ما كان لها ذلك التألق العجيب: كاستعماله اسم المرّة: "رَأْيَة" عوضا عن "رؤية"، وجمعه "بوق" على "بوقات" بدلا من "أبواق"، وقوله: "التَّوْراب" فى موضع "التراب"...إلخ. إلا أن قول شاعرنا بعد قليل: "من مستصغر الحجر" قد أزال الغرابة عن كلمة "حُجَيْر"، وكساها حلة من القبول بل من الجاذبية، إذ جعل لها انعكاسا متوهجا وصدًى رنانا بعد أن كانت تقف وحدها مستوحشةً وموحشة!

 

ويستمر الشاعر فى الدفاع عن الحجر بل فى الفخر به، فيدخل فى ميدان السلاح قائلا إنه قد غبر على البشرية أزمان كانت أسلحتها بل أدواتها كلها من الحجر:

 

وفى العصور عصور لستُ أذكرها   *   سوى الغرائب فى عصرٍ من الحجرِ

 

فكل آلاتهم نحتٌ من الحجر           *     حتى الأوانى ورمح الصيد من حجرِ

 

..................

 

تسلَّح المرء بالأحجار من قِدَمٍ        *    وهاجم السبعَ والأعداءَ بالحجرِ

 

حتى جيش أبرهة، حين هاجم بيت الله الحرام وأرسل الله عليه الطير الأبابيل، كانت هذه الطير تحمل فى مناقيرها أحجارا أخذت تلقيها على الجنود حتى صاروا كعَصْفٍ مأكول، أى أن السلاح هنا أيضا سلاح  من الحجر:

 

لما غزا الفيلُ بيتَ الله فاجأهم      *    طيرٌ أبابيلُ ترمى الفيلَ بالحجرِ

 

بل إن الطفل الفلسطينى، عندما نظر حوله فلم يجد أحدا من العرب ممن عندهم السلاح مكدَّسا فى المخازن حتى الصدإ يمدّ له يد العون، مدّ هو يده والتقط الحجر وأخذ يقذف مغتصبى أرضه وهادمى بيوته وقاتلى آبائه وإخوانه وأعداء دينه وقوميته، مستنصرا الله عليهم. وقد أخذ الشاعر يتلاعب بكلمة "حجر" ويقلّبها على جوانبها المختلفة على نحو بارع من التورية :

 

واسأل صغار فلسطين أما قبضوا  *  فى غمرة الخطب بالكفين بالحجرِ

 

ذودوا عن الدار يا أطفال أمتنا    *   قد يُكْسَب الحق يا أطفال بالحجرِ

 

حتى السلام لكم فى صرحه حجرٌ*   قد يُفْرَض السلم يا أطفال بالحجرِ

 

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل الحجرَ جوهرا كريما، وكُحْلا فى عين الحسناء فاتنا يسبى العقول:

 

قرطٌ من الدُّرّ أو عِقْد من الدُّرَرِ  *   يشعّ حسنا على الحسناء من حجرِ

 

تلألأتْ فى يد الحسناء لؤلؤةٌ       * فقالت الناس: ما أغلاك من حجرِ!

 

.................

 

والكحل فى العين زاد العينَ فتنتها *  وإثمد الكحل مسحوق من الحجرِ

 

كما أن الأحجار كانت تستخدم فى يوم من الأيام أداة للحساب:

 

قبل العلوم حساب الناس بالحجر *  كم قسَّموا أسهم البحّار بالحجرِ

 

قالوا: سنحصى لك الأشياء إذ حسبوا

 

                                     عَدّوا الحصى، والحصى يا صاح من حجرِ

 

      ...وهكذا...وهكذا.

 

وقد بدأ الشاعر مقدمته النثرية التى قدم بها ديوانه هذا العجيب بداية فكهة، إذ قال إنه بعد أن نظم قصيدة فى مداعبة أحد أصدقائه خطر له أن يفصل عنها الثلاثة الأبيات التى ينتهى كل منها بكلمة "حجر" فى قصيدة مستقلة، وأن يواصل النظم على أساس أن ينتهى كل بيت فى القصيدة الجديدة بهذه الكلمة ذاتها. وهذا نص كلامه الفكه الذى اعتمد فيه على التورية كما فى كثير من نصوص الأدب العربى القديم: " فأتتنى فكرةُ أن أفصل الأبيات التى كانت قافيتها "حجر" وأجعلها قصيدة منفصلة، ففعلت ووجدت تحديا كبيرا فى أن ألتزم بتلك القافية المتحجرة . كانت تلك الأبيات هى حجر الأساس لتلك القصيدة الطويلة الحاليّة... ولما وصلت بالقصيدة...إلى عشرين بيتا...تحولت الفكرة من قصيدة للدعابة والطرافة إلى قصيدة جِدّيّة، فصرت أكتب تارة عن الحجر الشاعر، وتارة عن الحجر والأحجار فى الطبيعة وأهميتها للإنسان، فأصبت عدة عصافير بحجر واحد". وهذه الروح الفكاهية المُوَرِّية تظهر بكل وضوح فى القصيدة هنا وهناك حتى على غير قصد من الشاعر كما فى البيت التالى الذى يصف فيه حبيبة قلبه بأنها "لصة"، وإن كانت لصوصيتها فى ميدان الغرام، إلا أنها "لصة" على كل حال:

 

يا لصة القلب، قلبى النارُ تحرقه    *     إليكِ نارى، وخلِّى القلب للحجرِ

 

أو فى البيت الذى يسم فيه حبه لها بـ"الهوى الحجرى":

 

تلك السهام كشهب الليل ساقطة    *   ترمى الشياطين فى شعر الهوى الحجرى

 

أو فى هذا البيت الذى يُجْرِيه على لسان أحد المتندرين على اسمه:

 

  فى الشعر رقة إحساس وقافيةٍ    *    فكيف يأتى رقيقُ الشعر من حجرِ؟

 

أو فى ذلك البيت الآخر الذى يقول فيه مدافعا عن ذلك الاسم، والقصيدة كلها تقريبا هى فى الحقيقة دفاع عن ذلك الاسم، صريحا مباشرا أحيانا، وضمنيا يسلك دروبا ملتوية إلى تلك الغاية أحيانا أخرى:

 

إنى سلكت طريق العلم من صغرى  *  كيلا يقال بأن العقل من حجرِ

 

وكما يرى القارئ فالشاعر هنا يتبرأ، دون أن يتنبه، من الحجر الذى أدار قصيدته كلها على الدفاع عنه، وهو نفس ما فعله فى البيت التالى الذى يقول فيه:

 

 غرفتُ من بحر شعرى أنجمَ الدُّرَرِ  *  وما نحتُّ لكم شعرى من الحجرِ

 

وهو ما يدل على أن الإنسان، مهما احتاط واحترز، لا بد واقع فيما عمل بكل سبيل على تجنبه ولو بإرادته، وهذه إحدى مفارقات الحياة والنفس البشرية، إذ الحياة تقوم فى جانب منها على التناقض، ما من ذاك مناص!

 

وما دام الشاعر يحب المداعبة والفكاهة فما علينا إذن من بأس إذا نحن بادلناه مداعبة بمثلها: فقد قال مثلا فى معرض الدفاع عن تسمية أهله إياه باسم "حجر":

 

      فالعُرْب تُرْعِب أعداءً بتسميةٍ  *  كالسيف والليث أو كالصخر والحجرِ

 

لكن من الممكن الرد بأن هذا النهج فى تسمية البنين إنما كان فى تلك العصور التى كان الصراع فيها هو سمة الحياة بجزيرة العرب أيام الجاهلية، فضلا عن أن العرب لم يكونوا يلتزمون جميعا بتلك الخطة كما هو معروف. أما الآن فأىَّ أعداءٍ يقصد الشاعر؟ اللهم إلا أن يقول: إنهم النقاد الذين يظل الواحد منهم يدور ويلف باحثا عن شىء يطنطن به على الشاعر ويريه أنه مهما بذل من جهد وقاسى من عناء فى نظم قصيدته فإن عينه النقّادة النقّارة لا بد واقعة على ما يؤاخذه عليه. لكن أترى الشاعر يظن حقا أن اسمه كفيل بإرعاب هؤلاء الخصوم الذين لا أحسب أهله حين أطلقوا عليه اسم "حجر" كانوا يضعونهم فى حسابهم، وبخاصة أن من يقترب منه يعرف أنه ليس بالرجل الذى يلقى الرعب فى القلوب، إذ هو، كما خَبَرْتُه أنا على الأقل، إنسان مهذب متواضع، وليست فيه خشونة الحجر؟ وجريا على عادة النقاد، أو قل: جريا على طبيعتهم، أحب أن ألاحظ أن البيت الذى يقول فيه:

 

إن كان بيتك من جنس الزجاج فلا  *  تَرْمِ على الناس من مثواك بالحجرِ

 

كان يمكن أن تكون موسيقاه أصفى وأحلى لو أحدث فيه بعض التغيير الطفيف فقال بدلا من ذلك:

 

إن كان بيتك من جنس الزجاج فلا * تَرْمِ الخلائق من مثواك بالحجرِ

 

وبهذا يتجنب معمعة الصراع بين قواعد اللغة وعنصر الموسيقى فى الشعر، هذا الصراع الذى يلجئ الشعراء أحيانا إلى ما يسمَّى بـ"الضرورات الشعرية"، وإن لم تكن هذه الضرورات معيبة فى كل الأحوال، إذ لا يمكن الشاعر مهما كان عبقريا متنطِّسا أن يفلت منها تمام الإفلات فى مسيرته الشعرية، فالقيود التى تكبّل حركة الشاعر من الكثرة والصعوبة بحيث لا بد أن تضطره إلى مقارفة هذه الضرورات من حين لآخر. وهذا هو الذى دفع النقاد إلى القول بأنه يُتَسامح مع الشاعر فيما لا يُتَسامح فيه مع غيره، وهو أمر طبيعى تماما، فليس من يمشى على الأرض كمن يمشى على حبل معلق فى الهواء! وعلى هذا فلست أجد من بأس لو كان الشاعر قد نوَّن "فلسطين" فوضع تحت "نونــها" كسرتين فى البيت التالى على هذا النحو:

 

واسأل صغار فلسطينٍ أما قبضوا     *    فى غمرة الخَطْب بالكفَّيْن بالحجرِ

 

بدلا من منعها من الصرف والاكتفاء من ثَمّ بفتحة واحدة على آخرها كما هى فى الديوان، وذلك كى تكون موسيقى البيت كاملة لا نقصان فيها مهما أجاز العروضيون البيت على وضعه الحالى. قد يقال إننا، بتنويننا الكلمة، نرتكب خطأ نحويا، إذ نصرف ما حقه ألا ينصرف. بيد أنه لا ينبغى أن يفوتنا أن الضرورات الشعرية إنما جُعِلت لتفادى أمثال هذه الخدوش الموسيقية، على أساس أن أهم ما يميز  الشعر عن النثر الفنى هو العنصر الموسيقى. فإذا أضفنا إلى هذا أن صرف الممنوع من الصرف هو أشيع الضرورات الشعرية وقوعا تبين لنا أن الأمر لا يشكل عدوانا يُذْكَر على قواعد اللغة بقدر ما يساعد على استكمال موسيقى البيت. ثم ما بالنا إذا عرفنا أن من العرب القدماء من كانوا لا يمنعون أى اسم من التنوين مهما كانت الأسباب؟ أما مدّ كسرة "الباء" فى كلمة "يارب" من قوله فى البيت قبل الأخير:

 

فهو الغفور الذى إن شاء يغفر لى     *    أدعوك للعفو يا ربِّ عن الحجرِ

 

فهو لا يدخل فى باب "الضرورات الشعرية"، إذ هو صيغة أخرى من الصيغ المتعددة لمناداة العبد لربه، بل الصيغة الأشيع. ولست أستطيع أن أجد سببا لتنكُّب الشاعر هذه الصيغة التى كان من شأنها أن توفى بالموسيقى فى البيت على الكمال العروضى.

 

وعلى الناحية الأخرى فإننا لا نحب أن نحدث ضجة حول قضية التغزل بذكر بعض محاسن النساء، تلك القضية التى من الواضح أنها شغلت الشاعر كثيرا، إذ جعلها محور حديثه أكثر من مرة فى هذه القصيدة التى لم يستطع بوصفه شاعرا أن يتجنب فيها خوض بحر الغزل، المعنوى منه والحِسِّىّ جميعا، فى بعض الأحيان. وعلى هذا فلسنا نرى فى هذا الغزل ما يبعث على كل ذلك التحرج الذى شعر به الشاعر جَرّاءَ ما يبدو أنه سمعه من بعض قراء شعره من الأصدقاء، بل نحن على مذهب الوالد رحمه الله الذى يقول الشاعر إنه لم يجد فيما كان ينظمه من شعرٍ غزلى ما يمكن أن يؤخَذ عليه:

 

   أجاز لى الشعرَ حتى ما به غَزَلٌ   *   وقوَّم الوزن والألفاظ للحجرِ

 

        يا عاذلا جائرا فيما تعاذلنى  *  أَمْسِكْ لسانك، لا تُكْثِر على الحجرِ

 

    ماذا جنيتُ إذا أطريتُ مبسمها * أو قلت إن لها نهدين من حجرِ؟

 

أقول: إننى لا أجد فى هذا الغزل ما يبعث على ذلك التحرج، اللهم إلا وصفه النهدين بأنهما من حجر، إذ مهما كان حرص المولعين بالجمال على أن يكون نهد المرأة متماسكا، فلا أحسب أنهم يصلون فى حرصهم ذاك إلى أن يكون نهدها من حجر! وعلى أية حال فهناك فرق بين شاعر يضع نصب عينيه إثارة الشهوات وإشاعة الفاحشة بين قرائه وبين شاعر لا يستطيع، بحكم بشريته، إلا أن ينصت بين الحين والحين إلى أشواق القلب الإنسانى التى لا يمكنه سد المسامع عن ندائها إلى آخر العمر مهما بلغت تقواه وتحرجه، ويترجم عنها فى ومضات لا منجى منها أبدا! ولعل القارئ قد لاحظ أن اعتراضنا على الشاعر فى البيت السابق إنما هو اعتراض جمالى لا أخلاقى، فلست أظن أن قواعد صرح الأخلاق ستتزلزل من جراء مثل هذا البيت، وإلا لاعترض سيد الأنبياء على كعب بن زهير حين جاءه يعتذر عما سلف منه فى حربه الكلامية على الإسلام فأنشده رائعته اللامية التى بدأها بالتغزل فى سعاد، وأفاض القول فيما صنعته بقلبه عيناها، وما أشعله فى نفسه من الوجد ريقُها الذى خصص له عددا من الأبيات شبَّهه فيها بالخمر، وأىّ خمر؟ خمرٌ أخذ يتفنن فى وصفها كأنه عاصرٌ أو ساقٍ خبيرٌ محترف، فلم ينكر عليه الصلاة والسلام من أمره شيئا بل خلع عليه بُرْدَته الشريفة التى خلعت هى بدورها على القصيدة اسمها، إذ شُهِرَتْ فى تاريخ الشعر العربى باسم "البُرْدَة"! وهو ما اتخذه شاعرنا حجة على أن ما أتاه من غزل فى القصيدة ليس بالأمر النُّكْر:

 

         كعبٌ تغزّل بالأشعار منحنيا  *   عند الرسول فلم يقذفه بالحجرِ

 

         ألقى عليه ببُرْدٍ كان يلبسه   *    فخفِّفوا قَرْعكم يا ناسُ بالحجرِ

 

 إن شطَّ بى الشعر فالمولى يسامحنى  *  من زلّة الشعر أو من زلّة الحجرِ

 

   تمتمتُ شعرا ولم أكسب به وَطَرًا  *  بل إنه كأنين الحب من حجرِ

 

وإنى لأذكر أن بعضا من طلابى فى كلية الآداب بجامعة عين شمس، حين كنت أحلل معهم فى منتصف الثمانينات من القرن المنصرم قصيدة "بانت سعاد"، قد أبدَوُا استغرابهم أن يحتوى شعرٌ يُتْلَى على مسامع النبى عليه السلام، وفى مديحه أيضا، على تلك الأبيات الغزلية التى تتحدث عن عينى الحبيبة وتصف ريقها وتشبِّهه بالخمر، ورجَّح عدد منهم، من شدة تحرجهم، أن تكون الأبيات منحولة. وفى كتابى: "فى الشعر الإسلامى والأموى- تحليل وتذوق"، الذى حلّلت فيه القصيدة يجد القارئ أننى لم أستبعد أن يكون فى الكلام عن سعاد رمز إلى الجاهلية، التى كان الشاعر يتمسك بها قبلا ويعلّق عليها فى عداوة الإسلام الأمانى، لكنها عندما جدّ الجِدّ لم تغن عنه شيئا وانهزمت مولية الأدبار أمام نور الإسلام الساطع وإنسانيته وتحضّره.

 

هذا، وقد ذكر الشاعر فى تقديمه للقصيدة أنه نهج فى نظمها منهج القدماء، إذ افتتحها بالبكاء على الأطلال وعلى أيام الصبا. لكن لا بد أن نضيف إلى ذلك أن نَفَسه فى هذا الافتتاح، بل فى القصيدة كلها، نَفَس عصرى، وإن لم يكن ضاربا فى العصرية، إذ إن شعره، كما قلتُ وكرّرتُ، هو شعر بسيط ليس فيه غموض ولا تعمق، بل تعبير مباشر عما يحسه أو يدور فى خاطره:

 

رفقًا بهذا الفتى المعروف بالحجرِ   *    من معدن الناس لا من معدن الحجرِ

 

رفقًا به، فدموع العين تغرقه         *  رغم الصعود لكى يأوى إلى حجرِ

 

قد شارع الهمَّ طول الليل فى سهرٍ  *   كأنما الهمّ مكتوب على الحجرِ

 

هو المتيم، لَسْع الحبّ أنحله         *   والحبّ شَيْنٌ، فقد يقضى على الحجرِ

 

................

 

يقول: أبكى على أمسى، فوا أسفى*  لمّا بكيتُ بدمعٍ سال من حجرِ

 

يسلو فؤادى بأشعارٍ أرددها        *  فالسحر فى الشعر ينفى وحشة الحجرِ

 

ردَّدْتُ شعرىَ كى أسلو فأرّقنى    *  لم تطرد الهمَّ أشعارى عن الحجرِ

 

...............

 

هام الفؤاد بأيام الصبا شغفًا        *   قد هام بالرمل والأسياف والحجرِ

 

فالأمس مهما نَأَى يومًا أحنُّ له      * أحنُّ للدار والإنسان والحجرِ

 

قد قلت للنفس: كُفِّى الدمع واصطبرى

 

                                 لِمَ البكاءُ على الأشباح والحجرِ؟

 

فقالت النفس: لا أبكى على حجرٍ* لكنْ بكيتُ على من طاف بالحجرِ

 

..............

 

لَمْ أَنْسَ فاتنةً هام الفؤاد بها        *  أيامَ كنتُ خلِىَّ البال كالحجرِ

 

ثم أضاف أنه لم يستطع أن يمضى فى تقليد القدماء فينتقل من البكاء على الأطلال والغزل إلى وصف الدابة، بل دخل فى موضوعه الرئيسى، وهو الحجر، وأن السبب فى ذلك هو أنه لا يركب فى تنقلاته جملا ولا فرسا بل سيارة، وماذا عساه أن يقول فى السيارة؟ والطريف بل العجيب أنه، رغم هذا، قد استماح القراء عذرا فى أن يجرب النظم فى السيارة، وقد نظم فيها فعلا عشرة أبيات لطيفة، وهى أيضا على قافية الحجر، مما يدل على أن ما بسطه من عذر ليس بالعذر السديد. والأبيات موجودة فى الصفحة الحادية عشرة من الديوان لمن يريد أن يقرأها، ولست مع الشاعر فى فصلها عن بقية القصيدة. ولو أنه فاتحنا فى هذه النقطة قبل طبع الكتاب لكنّا سَوَّلْنا له أن يجعلها جزءا من "الحجرية"، فهى تشبهها نسيجا وطعما وروحا كما سيرى القارئ بعد قليل.

 

وقد سبق أن طرقتُ موضوع وصف الدابة فى الشعر القديم فى كتابى عن "النابغة الجعدى" وأبديت ضيقى من الأبيات التى كان الشاعر القديم يخصصها لناقته أو فرسه عند خروجه من وصف الأطلال إلى موضوع المديح، إذ كان يعكف فى صبر مرهقٍ ومملٍّ لنا نحن أهل العصر الحديث على أعضاء دابته عضوا عضوا، وقلت إن هذا أشبه بما لو عكف شاعر فى عصرنا بهذه الطريقة على وصف سيارته جزءا جزءا، فهو لا يمكن أن يشد أحدا، اللهم إلا الميكانيكية والكهربائية. أما شاعرنا فلم يعكف على أجزاء سيارته على منوال الأسلوب القديم، بل تكلم عنها كلامًا عامًّا مازجا إياه بشىء من روح الفكاهة جمّل هذا الوصف وجعله حلوا سائغا. وهذه بعض الأبيات المذكورة:

 

جاءت إلينا بلا أم ولا ولدٍ            *    غرّاءُ ملمومةُ الأطراف كالحجرِ

 

عذراءُ ما حملتْ إلا براكبها          * وما امتطى مقعدا فيها سوى حجرِ

 

لها ضياءٌ إذا اشتد الظلام بدا       * ينير دربىَ فوق الرمل والحجرِ

 

قامت على عجلات ما بها خَوَرٌ      *  كأنها الصخر أو قُدَّت من الحجرِ

 

.................

 

شرابها النفط لا خمرٌ ولا عسلٌ       *   ولا طعامٌ سوى ما كان للحجرِ

 

طُوبَى لسائقها إنْ ساقَ مستمعا      *   لكوكب الشرق تشدو الحب للحجرِ

 

وفى البيتين الأولين، كما هو واضح، صَدًى من قول مسلم بن الوليد فى رائيته المشهورة يصف السفينة التى امتطاها فى سفره إلى الممدوح بدل الناقة التى كان الشاعر الجاهلى والأموى يركبها لذات الغرض:

 

كشفتُ أهاويلَ الدجى عن مَهُولَةٍ   *   بجاريةٍ محمولةٍ حاملٍ بِكْرِ

 

أى أن لدينا الآن فى الشعر العربى وَصْفًا لثلاثٍ من وسائل الرحلة يخرج به الشاعر من الوقوف على الأطلال قبل أن ينطلق إلى موضوعه الرئيسى، وهى: الناقة أو الفرس، ثم السفينة، ثم السيارة. وأخيرا فقد تكرر لجوء الشاعر فى قصيدته إلى صيغة التصغير فى الكلمات التالية: "قُطَيْرات (البيت 74)، وجُمَيْرات (البيت 115)، وحُجَيْر (البيت 131)، والحُجَيْرات (البيت 169)، وجُزَيْئات (البيت 178)"، كما تكرر تحويله همزة الوصل فى "اسم" و"ابن" إلى همزة قطع (الأبيات 85، 98،231)، وهو ما فعله من قبل فى "لامية الخليج" مما يؤكد ما قلته فى أول المقال عن وجود صلة قوية بين القصيدتين.