تغيير الطلاء ليس حلاً
بقلم :فهمى
هويدي
إذا كان غاية ما
بلغناه أننا قمنا بطلاء العمارة.
وإذا كان ذلك الإنجاز
على تواضعه ينسب إلى جهود وضغوط الرئيس بوش، بوصفه وكيل عموم الديمقراطية
المعاصرة، فلماذا إذن الطنطنة والتهليل، والتمسح فى تحولات التاريخ؟
1
ثمة فرقعة إعلامية
تتحدث هذه الأيام عن ربيع العرب وانطلاق قطار الديمقراطية ونهاية الاستثناء العربى
ويقظة الشعوب النائمة، تحاول أن تزف إلينا بشارات انبلاج فجر الديمقراطية فى بلاد
العرب، التى طال ليلها بأكثر مما ينبغي. وهى فرقعة يشارك فيها خليط من الهواة والمحترفين،
والمجتهدين والمنافقين من الأمريكيين والمتأمركين، المارينز منهم والمتمرنزون!
تعددت على نحو تخطئه
عين الكتابات التى صدرت فى إطار تلك الحملة. وقد لاحظت أنها تركز على أمرين، الأول
أن التحول الديمقراطى لاحت بوادره فى العالم العربي، وتجلى فى أقطار عدة. وأن
التشاؤم الذى عبّر عنه البعض فى مستهل العام الحالى ثبت أنه لم يكن صحيحاً، حيث
تلاحقت منذ بداية العام على نحو مفاجئ بشائر الانفراج فى فلسطين والعراق والسودان
ولبنان مثلاً د. عبد المنعم سعيد الشرق الأوسط 9/3.
الأمر الثانى الذى
يروج له فى سياق الفرقعة الإعلامية هو أن الأيام أثبتت صحة آراء العالم السياسى
المرموق! جورج دبليو بوش. فمن نيويورك ولوس أنجلوس وشيكاغو وربما أوروبا وآسيا
أيضاً يسأل الناس أنفسهم بعصبية: هل كان على صواب؟ والجواب الموجز هو: نعم. وسواء
كان بوش يستحق الفضل أو لا يستحقه، فى كل ما يحدث فى الشرق الأوسط، فقد كان على
صواب، أساساً فى بعض الأشياء الكبيرة.. لقد مال نحو التحليل القائل بأن المنطقة
تربى الإرهاب لأنها أظهرت عوامل عجز عريقة سببتها عقود من القمع والافتقار إلى
التحديث.. وإذ تبنى هذه الرؤية، فإن بوش ضغط على حكام المنطقة الماكرين، محاولاً
بناء جهد دولى أعرض، وجاءت النتائج مدهشة فريد زكريا نيوزويك 1/3.
حاول رد الحملة وفضح
الادعاء فيها بعض الكتاب المحترمين، فقد كتب الدكتور محمد السيد سعيد قائلاً إن: ما
يحتفلون به اليوم فى منابر الإعلام الأمريكية هو إنجاز وهمى إلى حد بعيد. والقول
بأن عجلة الديمقراطية بدأت تدور فى المنطقة، لا يزيد على أن يكون خداعاً للذات، أو
فى أفضل الأحوال قراءة خاطئة إلى حد بعيد لما جرى فى الساحة العربية.. وإذا شاء
الأمريكيون أن ينسبوا لأنفسهم أن ما حدث فى العالم العربى ناتج عن التدخل الأمريكى
المباشر فى سياسات المنطقة، فذلك يعنى أن تلك الظواهر هى انتصار للإمبريالية، وليس
بالضرورة انتصارا للديمقراطية باعتبارها منتجاً محلياً الأهرام 14/3.
فى نقده للفرقعة أو
الصرعة كتب الدكتور عزمى بشارة يقول: لا يعقل فى مرحلة التأسيس التعامل مع
الديمقراطية بمصطلحات جاهزة من خطابات جورج بوش وكتبتها الأصوليين، وأن تستهلك كما
يستهلك الهامبورجر أو الكوكاكولا، وأن يسمى ديمقراطياً المستهلك المجتهد فى جمع
الكوبونات والمقارنة بين محل ماكدونالدز وآخر، وبين مول وآخر فتح حديثاً.. هنالك
عطب بنيوى يجعل الديمقراطية تبدو كأنها مستوردة كنوع من الفاست فود لأبناء
البرجوازية الوسطي.. وهم الذين: استطاعوا سابقاً التعايش مع أى ديكتاتورية ترضى
عنهم وعن مسار أعمالهم، وترضى عنها أمريكا حالياً. ولاحقاً يستطيعون التعايش مع
ديكور وإكسسوار إصلاحي، ويستطيعون التعايش مع أى ظلم اجتماعى ومع تعددية طائفية
وتوازنات طائفية، ومن دون مواطنة حقيقية.. إن الديمقراطى الحقيقى والمؤسس، يقف عند
الحقوق ويتمسك بها، وينتفض ضد الظلم، ويرفض فرض القوة بدل إحقاق الحق، ويرى أصلاً
تناقضاً أخلاقياً بين الحق والقوة. الحياة اللندنية 10/3.
2
لدى هنا ملاحظتان حول
الموضوع هما:
- إن الذى أقلقنى
وحرك عندى مشاعر الشك والارتياب ليس فقط أن المعزوفة انطلقت فى بعض الصحف العربية
والأمريكية فى وقت واحد، ولكن أيضاً أن الجوقة التى تهلل لحكاية انبلاج فجر
الديمقراطية هى ذاتها التى قادت حملة تسويق عملية السلام. الأشخاص هم هم، بل
والشعارات والعناوين لم تتغير. كل الذى حدث أن كلمة السلام رفعت، ووضعت محلها كلمة
الديمقراطية أو الإصلاح. أليسوا هم الذين صدعوا رؤوسنا بالكلام عن ربيع السلام
وقطار السلام ونهاية سنوات الدم، ثم ماذا كانت النتيجة: الاحتلال ظل كما هو،
والاستيطان تضاعف، والاغتيال وتدمير البيوت وتجريف الأراضى استمر، والسور الإجرامى
انطلق كوحش يلتهم كل يوم أرضاً جديدة للفلسطينيين. حتى تبين فى نهاية المطاف أن
عملية السلام كانت فى جوهرها فرصة لتمكين الإسرائيليين من تثبيت خرائطهم وإقامة
حقائق جديدة على الأرض وتمييع القضية بإدخالها فى دهاليز لا توصل إلى حسم أى بند
فى ملفاتها الأساسية. وإذا تصور أحد أن الانسحاب المفترض من غزة من ثمار عملية
السلام، فهو مخطئ لا ريب، لأن ذلك الانسحاب هو من ثمار جهد المقاومة، التى جعلت
بقاء الاحتلال فى القطاع مكلفاً بصورة لا تحتمل، وأن قادة إسرائيل اعتبروا غزة
دائماً شوكة فى خاصرتها، حتى تمنى رابين أن يصحو ذات يوم ليجد أنها غرقت فى البحر
واختفت من وجه البسيطة!
- الملاحظة الثانية
أن أحداً لا يستطيع أن ينكر أن ثمة تطورات سياسية لافتة للانتباه شهدها العالم
العربى هذا العام، أغلبها يدخل فى إطار التحسينيات الموحية بالانتساب للديمقراطية،
والبعض الآخر لا علاقة له بالديمقراطية أصلاً. والذى حدث أن التزامن فى التوقيت
بين تلك التطورات أحدث التباسا فى الأذهان، بحيث أن التداخل فى التوقيت فهم على
إنه انتشار للظاهرة وتداخل فى الوظيفة. أعنى أنه إذا تصادف ووقعت تلك التطورات فى
عدة أقطار فى عام واحد، فذلك لا يعنى بالضرورة أنها تصنف موضوعياً تحت عنوان واحد،
لأن طبيعة الحدث ومقاصده تختلف من بلد إلى آخر.
مصطلح التحسينيات
الذى استخدمته أردت به معناه الأصولي، الذى يصنف الأحكام على ثلاث مراتب، فأعلاها
مرتبة هو الضرورى الذى بغيره يختل نظام حياة الناس، تتلوها فى الترتيبات الأحكام
الحاجية، التى إذا غيبت يقع الناس فى الحرج، وبعدها تأتى الأحكام التحسينية، التى
هى مما تقتضيه المروءة وسير الأمور على أقوم منهاج. وهذه الأخيرة قد تضيف إذا
توفرت، ولا تضر كثيراً إذا غابت، حيث لا يختل من جراء ذلك نظام ولا يقع أحد فى حرج.
وربما كان دقيقاً وصف الدكتور عزمى بشارة لمثل تلك التطورات بأنها ضمن إكسسوارات
الإصلاح.
خذ مثلاً موضوع تعديل
المادة 76 من الدستور المصرى التى نالت قسطاً مبالغاً فيه من الاهتمام العام. فالمهللون
قالوا إنها غاية المراد من رب العباد، والعقلاء قالوا إنها مجرد خطوة على طريق
الإصلاح، لن تحدث تأثيراً يذكر فى الانتخابات التى تجرى فى خريف العام الحالى
بعضهم دعا إلى انتخاب الرئيس مبارك بالتزكية لأن ثمة استحالة فى منافسته خلال
الفترة القصيرة المتبقية على الانتخابات، ولكن تلك الفرصة ستكون أفضل فى انتخابات
عام 2011، إذا جرى تهيئة الحياة السياسية بشكل جاد خلال السنوات المقبلة. وفى ظل
هذا التقدير فإن وصف الخطوة التى تمت بأنها تحول تاريخى يغدو مفتقداً الموضوعية
والدقة. خذ أيضاً الانتخابات التى حدثت فى العراق وتحمس لها الشيعة والأكراد
أساساً وقاطعها أهل السنة. صحيح أنها وفرت آلية حرم منها الناس منذ أكثر من ثلاثة
عقود، إلا أن المشاركة فيها أو الإقبال عليها، أو حتى مقاطعتها، لم يكن له شأن
بالديمقراطية. وإنما كان الأمر كله تنافساً على الحظوظ والأنصبة فى الحكم، التى
تعزز الموقف الطائفى لطرف والعرقى لطرف آخر. ناهيك عن أن الجميع يعرفون أن الإصرار
الأمريكى على إجراء الانتخابات لم تكن مسألة الديمقراطية واردة فيه، وإنما أريد به
إيجاد حكومة شرعية تقنن الوجود الأمريكى وتعطيه غطاء أكثر قبولاً. بالمثل فلنا أن
نستريب فى الضغوط الأمريكية التى مورست لإصلاح السلطة الفلسطينية، وكأن المشكلة فى
فلسطين هى فساد السلطة وليس الاحتلال. لا يأس بطبيعة الحال أن تجرى الانتخابات
البلدية والتشريعية، لكن ما قيمتها إذا لم تؤد إلى زوال الاحتلال وحل المشاكل
الحقيقية التى تواجه المجتمع الفلسطيني. وستكون ضارة بامتياز إذا أتت بحكومة أو
سلطة تلبى للمحتلين ما يريدون، من نزع سلاح المقاومة إلى إسقاط حق العودة والقبول
فى النهاية ب غزة فقط. بدوره فإن توقيع اتفاق سلام فى السودان لا علاقة له
بالديمقراطية، وقد وجدنا أنه أدى إلى وقف القتال فى الجنوب حقاً، لكنه فجره فى
دارفور وشرق البلاد. ثم إنه وضع السودان عملياً تحت الوصاية الدولية، التى تسعى
إلى إضعاف انتمائه العربى والإسلامي.. وإذا صح هذا كله وذاك، فهل من الموضوعية
والأمانة أن نعتبر ما نحن بصدده بأنه ربيع الديمقراطية؟
3
تقف فى حلقى مسألة
أشار إليها تقرير نيوزويك عن مسيرة الحرية فى الشرق الأوسط. ذلك أن كاتبه فريد
زكريا أمريكى من أصل هندى أشار إلى نتائج آخر مسح لمؤسسة فريدوم هاوس بيت الحرية
التى أجرت قياساً للحريات السياسية والمدنية بالمنطقة، وضع إسرائيل فى المرتبة
الأولى باعتبارها بلداً حراً، فى حين اعتبر الأردن والكويت والمغرب والبحرين،
بلاداً حرة جزئياً، أما بقية دول المنطقة فقد اعتبرتها المؤسسة دولاً غير حرة.
استوقفتنى الشهادة
التى منحتها المؤسسة لإسرائيل، واعتبرت أن الدرجة التى أعطيت لها تثير سؤالاً
كبيراً يتعلق بقيم الديمقراطية وأخلاقياتها. ذلك أن النموذج الذى تقدمه إسرائيل
يجسد ديمقراطية منزوعة الضمير، لا مكان فيها للقيم الإنسانية أو الأخلاق. صحيح أن
الإسرائيليين يمارسون درجة معتبرة من الديمقراطية فيما بينهم، لكن العرب الذين
يعيشون فى داخل إسرائيل محرومون من حقوقهم المدنية، ويتعرضون للحرمان والإذلال
المستمرين. ثم إننا لا نعرف أية ديمقراطية هذه التى تسوغ الاحتلال والإبادة
واقتلاع الفلسطينيين من أراضيهم، وتستبيح دماءهم وأموالهم، وتبارك السور الإجرامى
الذى يلتهم أراضى الفلسطينيين ويتسبب فى تشريدهم وقطع مواردهم.
النموذج الإسرائيلى
يفتح ملف الضرورات فى المسألة الديمقراطية، ذلك أن الديمقراطية حين تقترن بالظلم
وتفرض قيم الغابة فى استخدامها للقوة والعدوان على الحق والقانون، تجهض جوهر
القيمة، بحيث تغدو آلية عمياء وصماء تهدر إنسانية الإنسان ولا تصونها.
إن الإنسانية سابقة
على الديمقراطية ومقدمة عليها، وحق الإنسان فى الحياة والأمن يحتل موقعاً متقدماً
كثيراً على حقه فى المشاركة. ذلك أن المرء ينبغى أن يستشعر إنسانيته أولاً، قبل أن
يدعى إلى التصويت والانتخاب. ودارسو القانون الدستورى يعرفون جيداً أن الديمقراطية
تتضمن نوعين من القيم، قيم أخلاقية وإنسانية، وأخرى سياسية. والأولى هى أساس
البناء والثانية هى معماره وطوابقه. وضعف الأساس أو فساده ينبئ بمستقبل مظلم
للبناء كله. بسبب من ذلك، فينبغى أن يكون واضحاً فى الأذهان أن أى تحول ديمقراطى
يهدر حقوق الإنسان ولا يطوى صفحة الظلم، فإنه يفتقد الصدقية والشرعية، ويقدم
نموذجاً كاذباً ومغشوشاً.
بل إننى أذهب إلى أن
أى نظام يرفع شعار الإصلاح والتحول الديمقراطي، مطالب ليس فقط بأن يتوقف عن
الممارسات التى تنتهك حقوق الإنسان، من اعتقال عشوائى وتعذيب ومحاكمات استثنائية. وإنما
عليه أيضاً أن يتطهر من الانتهاكات التى تلوث يديه. وذلك التطهر هو دليل الصدق
والأمانة فى التحول. وهذا ما فعلته جنوب إفريقيا حين شكلت لجان المصارحة والحقيقة،
وهو ما فعلته المغرب حين تعاملت مع ملفات الغائبين والمفقودين. إذ فى الحالتين
فتحت الجراح كلها، وجرى تطهيرها من مكامن التقيح والعفن المتراكم، فحوسب من حوسب،
واعتذر آخرون مما صدر عنهم وطلبوا الغفران من الضحايا ومن المجتمع ككل. وجرى تعويض
الذين تعرضوا للتعذيب، وكذلك الذين فقدوا ذويهم بعدما خطفوا واختفوا فى ظروف غامضة
تبين بعد ذلك أنها لم تكن غامضة، أو الذين ماتوا بسبب التعذيب، وقبل هذا وكله وذاك.
أطلق سراح سجناء الرأى وألغيت قوانين الطوارئ الاستثنائية التى ألقت بهم فى غياهب
السجون.
هذه المهمة ينبغى أن
تنجز قبل أى كلام عن المشاركة السياسية، أو قل إنها ألف باء الديمقراطية، التى
بغيرها لا تقوم لبنائها قائمة.
4
من أسف أن الممارسات
التحسينية التى يشهدها العالم العربى الآن تقف فى الإصلاح عند حدود إعادة طلاء
العمارة بلون مختلف يتماشى مع أحدث الصيحات فى عالم السياسة، وهو ما يعنى الإبقاء
على المبنى كما هو، بأركانه ودعائمه، وأحياناً بالعوج فى معماره وبالشروخ التى
تعتريه. إن شئت فقل إنه الإصلاح الذى يبقى على استمرار الوضع القائم، ولكن بإخراج
مختلف وواجهة أكثر جاذبية. حتى أصبحنا بإزاء نماذج وقيادات تنقلت بين الاشتراكية
والديكتاتورية والديمقراطية، وأخرى أعلنت عن عدائها للغرب تارة وتمسكها بعدم
الانحياز تارة أخري، ثم ارتمت فى أحضان الغرب بعد ذلك. ودلتنا خبرات عديدة على أن
أياً من هذه اللافتات والتحولات لم يكن صادقاً ولا أصيلاً، وإنما الاستمرارية تحت
أى شعار وبأى ثمن ظلت الثابت الوحيد، وكل ما عداها عارض ومتحول.
قلت قبل قليل إن
الخطوات التحسينية قد تضيف إذا توفرت، ولا تضر كثيراً إذا غابت، ويخطر لى أن أراجع
هذا المنطوق فى دنيا السياسة، على ضوء الدروس التى مررنا بها. ذلك أن تلك الدروس
علمتنا أن التحسينيات قد تضر بالعملية الديمقراطية، لأنها ربما أشاعت وهماً كاذباً
بالإنجاز، الذى تتفنن وسائل الإعلام فى تسويقه من خلال أساليب التعبئة وغسيل المخ
التى نعرفها. وهذا الشعور الكاذب يسهم فى تزوير الديمقراطية وتغييب مضمونها
الحقيقي، الأمر الذى يغدو الضرر فى ظله جسيماً وفادحاً بسبب من ذلك فإننى أدعو إلى
التعامل بحذر بالغ مع أية تحسينيات تستهدف تغيير الطلاء والاكتفاء بتجميل
الواجهات، الأمر الذى يجعل الناس يشمون رائحة الديمقراطية، ثم لا يرون لها أثراً
فى حياتهم العملية.
لا أرى بديلاً عن
التوافق على أن المعيار الحقيقى للديمقراطية أو الإصلاح السياسى ينبغى أن ينطلق من
قياس مدى استجابة الخطوات التى تتخذ للضرورات وليس التحسينيات، تلك التى تمس
الأعمدة والأركان وليس الواجهات أو الألوان. فى مقدمة تلك الضرورات ضمانات الحريات
العامة. ووقف الظلم والتعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان، وسيادة القانون، ونزاهة
الانتخابات التى توفر للمجتمعات حقها فى المشاركة والمساءلة وتداول السلطة. أما
رفع راية الديمقراطية أو الحديث عن الإصلاح السياسي، فى ظل قوانين الطوارئ
والمحاكمات الاستثنائية التى تقنن الظلم وتحميه، وفى ظل استمرار احتكار السلطة،
أعنى حين يستمر كل شيء كما هو ولا يتغير سوى اللافتة ولون الواجهة، فإن ذلك يعد
نوعاً من التدليس والغش السياسي.
أوافق تماماً مع
القائلين بأن تلك الضرورات لا تتحقق بين يوم وليلة، وأنها بمثابة أهداف نهائية لا
يمكن بلوغها إلا عبر خطوات مرحلية عدة تستغرق وقتاً. لكن هذه الموافقة مشروطة بأمر
واحد، هو أن تكون تلك الخطى فى إطار تلبية الضرورات وليس التحسينيات. وإذا جاز لى
أن أحدد مدخلاً لما أدعو إليه، فإننى أكرر ما سبق أن قلته ودعا إليه آخرون، من أن
خطى التدرج ينبغى أن تبدأ بإطلاق الحريات العامة، التى هى الحد الفاصل فى المسألة
بين الجد والهزل وبين الصدق والكذب.
5
ثمة إشارات موحية بأن
الولايات المتحدة الأمريكية التى ينسب إليها البعض الفضل فى إطلاق رياح الإصلاح فى
المنطقة. أكثر ميلاً نحو الحفاوة بالتحسينيات دون الضرورات، لأن مصلحتها الحقيقية
فى الأولى دون الثانية. لا تنس أن الإدارة الأمريكية راعية الإصلاح السياسى هى
ذاتها التى أرسلت بعض المشتبهين لتعذيبهم فى أربع دول عربية، حددتها الواشنطن بوست
بالاسم، بهدف انتزاع الاعترافات منهم. ذلك أن عمليات التحسين الجارية تعطى انطباعا
بالإنجاز، يبيض وجه الإدارة أمام الكونجرس، ويمكن تسويقه وخداع الأمريكيين به. فى
حين أن الإصلاح الحقيقى الذى يركز على الضرورات، قد يؤدى إلى نتائج تتعارض مع
المصالح الأمريكية وقد تهددها، خصوصاً فى ظل استمرار الشعور المعادى للسياسة
الأمريكية فى المنطقة، الأمر الذى يوفر جواً مواتياً لانتخاب قوى معبرة عن ذلك
الشعور، إذا ما كانت الانتخابات حرة ونزيهة.
بعض الكتاب
الأمريكيين نبهوا إلى ذلك، أحدثهم تونى كارون أحد كتاب مجلة تايم الذى نشرت له
صحيفة هاآرتس عدد 18/3 مقالة حذر فيها من التفاؤل بإمكانية حلول الديمقراطية فى
العالم العربي، فيما وصفه بالسقوط الثانى لحائط برلين. وذكر بأن 53% من مقاعد
المجلس الوطنى العراقى ذهبت للشيعة الموالين لإيران، الأمر الذى ينبغى ألا يكون
مصدر سعادة للولايات المتحدة وحلفائها. وخلص إلى أن العالم العربى بغير ديمقراطية
حقيقية هو أفضل كثيراً للولايات المتحدة والعالم الغربى بعامة.
ألا تشم من الكلام أن
الإصلاح السياسى الذى تدعو إليه واشنطن له سقف ينبغى عدم تجاوزه، وأن ذلك السقف
إلى عمليات التحسين والتجمل أقرب؟!