صلاة الجمعة بالكنائس الأمريكية في ميزان الأصول الشرعية

 

 

 

بقلم :د يحيى هاشم   فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

كان بعض الرفقاء والناصحين في أيام الصبا يحذر بعضهم بعضا  من لص الشوارع الذي يمارس مهنته !!على " الطريقة الأمريكية " !! ، ولم أكن أدرك تفاصيل هذه الطريقة  أكثر من أن اللص يتقدم ضحيته ثم يلقي في طريقة بمحفظة نقود فارغة ، فيتناولها الضحية طمعا أو طلعة ، ثم يكر اللص على الضحية ليسلب منه – ظاهرا – ما أخذ وفي أثناء الجدل أو المناوشة بينهما يكون اللص قد تمكن من نشل محفظة الضحية الأصلية

وفي الكبر في الأيام القليلة الماضية – مع الأسف - وجدنا تطبيقا واضحا لقصة هذا اللص في حدث قيام المدعوة آمنة ودود  الأمريكية بإمامة بعض المسلمين المقيمين بالولايات المتحدة الأمريكية في صلاة الجمعة يوم 18\3\2005 في كاتدرائية "سانت جون ذا ديفايد" الإنجيلية، في مانهاتن بنيويورك: صلاة اختلطت صفوفها بين النساء والرجال ، بغير ستر لعورات من اشتركن من النساء  .

وقامت طلائع اللص الأمريكي بالدَّور التمهيدي إذ ألقت أولا في طريق المسلمين دعوة المساواة بين النساء والرجال ، وهي في صيغتها المبدئية دعوة حلال لأصحابها في الشرق أو في الغرب ، ولا نزاع عليها بين الفرقاء ، ولكن اللص  عندما طرح المسألة في طريق  المسلمين ليشغلهم أسرعت إمام الكنيسة آمنة ودود فانتزعت  بخفة يد أصولا ثلاثة  في عبادات الإسلام ، هي حرم خالص للمسلمين لا يملك أحدهم تنازلا عن واحد منها أو اختراقا من أحد لها : أولا منع إمامة المرأة للرجال ، ثانيا : منع الاختلاط بين الرجال والنساء في صفوف الصلاة مع تأخير صف النساء ، ثالثا : منع كشف العورة في الصلاة ، ثم أضافت " الإمام "  الجديد مغنما جديدا : الصلاة بالمسلمين في الكنيسة

وفي مفارقة غريبة مع  التاريخ حق لنا أن نتذكر سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يمتنع من الصلاة في كنيسة القيامة عند فتح المسلمين للقدس ، حرصا منه ألا يدعي المسلمون استيلاءهم عليها من بعده ، لكن الصلاة في الكنيسة بإمامة آمنة ودود وبتيسير مباشر وسريع من المسئولين عن الكنيسة كانت كما يبدو من أجل تمكينها من الاستيلاء من بعد على صلاة المسلمين . وليظهر المسلمون  - في مسرحية هزلية حية - مجرد فرقة مسيحية مهرطقة - كما أشاعت الكنيسة من قبل–   هذا من ناحية ، لكنها فرقة خاضعة للإرشاد والنصح في زعم بعضهم كما خضعت وفاء قسطنطين المصرية أمام الكنيسة الأرثوذكسية ، من ناحية أخرى ، وإلا فكيف نصدق تصور بعضهم أن عصابة إمام الكنيسة آمنة ودود - بعد أن رفضت المساجد المبنية على التقوى دخولها إليها- لم تجد ولو مسجدا ضرارا يفتح لها أبوابه 0 - كما لم تجد ساحة مفتوحة في ناد ، أو صالة متاحة في مدرسة ، أو قاعة فارغة في مرقص ؟

وعودة إلى إمام الكنيسة آمنة ودود في صلاتها للجمعة إماما للرجال بهدف تحقيق المساواة :

وكما هو متوقع تمت صلاة إمام الكنيسة آمنة ودود وسط استنكار واستياء إسلامي واسع النطاق - طبقا لإسلام أون لاين - ، وأقيمت وسط حراسة أمنية مشددة وحضور إعلامي كثيف في  في كاتدرائية "سانت جون ذا ديفايد" الإنجيلية، في مانهاتن بنيويورك بعد أن رفض مسئولو 3 مساجد السماح لها بإمامة الصلاة. وأدى الصلاة نحو 150 مصليا 60 منهم من النساء والباقي من الرجال والأطفال، حيث اصطفوا في ترتيب بحيث يحتوي كل صف عددا من النساء وعددا من الرجال لكنهم ليسوا ممتزجين، فكان نصف الصف الأيمن للنساء والنصف الأيسر للرجال.

وقد أثارت الصلاة احتجاجات خارج بوابة القاعة مما دفع قوات الشرطة للتواجد بأعداد كبيرة.. ورفع المحتجون لافتات خارج مبنى الكنيسة التي أقيمت فيها صلاة الجمعة كتب على إحداها: "الصلاة المختلطة اليوم تعني نار جهنم غدا".

 

 

أما استراق إمام الكنيسة آمنة ودود وعصابتها للأصول الثلاثة التي أشرنا إليها في بداية المقال في قصة اللص الأمريكي فهي أنها قد استهدفت  أصول الإسلام الثلاثة القرآن والسنة والإجماع ، إذ كانت هذه الإمامة الكنسية مخالفة للقرآن والسنة والإجماع ، وأئمة الفقه – بطبيعة الحال - جميعا

 

أما القرآن الكريم فمن المعلوم منه بالضرورة  وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أبلغنا به عن ربه في العقيدة والعبادة والمعاملات جميعا ، وفي جوهر ذلك كله تأتي الصلاة بجميع فروضها وسننها ومندوباتها وكيفياتها ومحظوراتها : بدلالة  قوله تعالى { مَنْ يُطِعِ الرَّسولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفيظاً } 80 النساء

{فَلا وَرَبِّكَ لا يؤْمِنونَ حَتّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّموا تَسْليماً } [65] النساء

" ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب } (7) الحشر

{ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر ذلك خير وأحسن تأويلا } (59) النساء

{ وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ، إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يوحى } 3 – 4 النجم

{ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين }(92) المائدة

{ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون }(56) النور

{ يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم }(33) محمد

{ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين } (12) التغابن

ومعنى هذا أن تكون عباداتنا خصوصا وصلاتنا بالأخص وفقا لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تزيد ولا تنقص ولا تستحدث

 

ووجوب ستر المرأة عورتها بشروطها التفصيلية واردة في قوله تعالى { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبآئهن أو آبآء بعولتهن أو أبنآئهن أو أبنآء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسآئهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النسآء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون }النور(31)

 

أما السنة بصفة عامة فليس ليس لنا أن نحدث فيها  أمرا أو نستبعد أمرا وفقا لما رواه  البخاري في صحيحه بسنده عن  القاسم بنِ محمدٍ عن  عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالت: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: وفي سنن أبي داود  بسنده عنِ المِقْدَامِ بنِ مَعْدِ يكَرِبَ عنْ  رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ: «ألاَ إنّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ألاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرّمُوهُ. …».

 

يقول الإمام الشعراني : ( سمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول : لولا أن السنة بينت لنا ما أجمل في القرآن ما قدر أحد أن يستخرج أحكام المياه والطهارة ، ولا عرف كيف يكون الصبح ركعتين والظهر والعصر والعشاء أربعا ، ولا كون المغرب ثلاثا ، ولا كان أحد يعرف ما يقال في دعاء التوجه والافتتاح ، ولا عرف صفة التكبير ، ولا أذكار الركوع والسجود ، والاعتدالين ، ولا ما يقال في جلوس التشهدين ولا كان يعرف كيفية صلاة العيدين والكسوفين ، ولا غيرهما من الصلوات كصلاة الجنازة ، والاستسقاء ، ولا كان يعرف الزكاة ولا أركان الصيام والحج ، والبيع والنكاح والجراح والأقضية وسائر أبواب الفقه . )

وبخصوص العبادة : فإنه لا يجوز فيها تجديد أو تطوير أو تحديث ، أو إحداث ما لم يكن في سنته ،  أو اختراع طريقة فيها في مقابلة السنة قولا أو فعلا أو تقريرا

فقد أخرج الحاكم في مستدركه على الصحيحين بسنده عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ومن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة » وأخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة والدارمي وابن حبان .

وأخرج مسلم بسنده  عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وخير الحديث كتاب الله عزّ وجلّ وخير الهدي هدي محمّد ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة » ورواه والبيهقي وعنده وعند النسائي « كل ضلالة في النار ».

وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من أحدث في أمرنا ما ليس منها فهو رد »

وما رواه  مسلم في صحيحه بسنده  عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ».

وما رواه أبو داود  في سننه بسنده : قالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَنَعَ أمْراً عَلَى غَيْرِ أمْرِنَا فَهُوَ رَدّ».

قال ابن حجر رحمه الله :  كل بدعة ضلالة: " وهذه الجملة قاعدة شرعية فكل بدعة ضلالة فلا تكون من الشرع لأن الشرع كله هدى ، وأما حديث عائشة رضي الله عنها « من أحدث في أمرنا ما ليس منها فهو رد » فمن جوامع الكلم وهو ميزان للأعمال الظاهرة، والمبتدع عمله مردود ولأهل العلم فيه قولان: الأول: أن عمله مردود عليه، والثاني: أن المبتدع ردّ أمر الله لأنه نصب نفسه مضاهياً لأحكم الحاكمين فشرع في الدين ما لم يأذن به الله".

 

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم" :رواه الطبراني والدارمي بإسناد صحيح.

وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: "كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة" أخرجه الدارمي بإسناد صحيح .

و أنكر ابن مسعود رضي الله عنه على قوم جاسوا في المسجد ومع كل واحد منهم حصاً وبينهم رجل يقول كبروا مائة فيكبرون، فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة، سبحوا مائة فيسبحون مائة، فقال لهم : والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة أهدى من ملة محمّد صلى الله عليه وسلم أو مفتتحو باب ضلالة، قالوا: ما أردنا إلا الخير فقال: وكم من مريد للخير لن يصيبه : أخرجه الدارمي وأبو نعيم بإسناد صحيح

وقد قال إمام دار الهجرة مالك رحمه الله: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة لأن الله يقول: { اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيتُ لكُمُ الإسلامَ ديناً } فما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم ديناً.

وقال الإمام الشافعي رحمه الله: "من استحسن فقد شرع"

وقال الإمام أحمد رحمه الله: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهم وترك البدعة وكل بدعة ضلالة".

 

وبخصوص الصلاة أبلغنا الرسول صلى الله عليه وسلم كيفيتها  بطريق مراقبته والتقليد العملي لواقع قيامه بها  ، فما قام به في صلاته فهو منها ، وما لم يقم به - كإمامة المرأة للرجال - فهو رد

وصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم  عبادة بحتة ونحن مأمورون باتباعه فيها في أصولها وفروعها وجميع أحوالها وأوقاتها وحركاتها وهيئاتها وكلياتها وجزئياتها  وقراءاتها وصمتها وتسبيحها وتكبيرها واصطفافها وطهارتها ووضوئها وقيامها وركوعها وسجودها وقعودها وافتتاحها وختامها وإطراقها ولفتاتها وجهرها وسرها وفرضها وواجبها ونفلها ومستحبها : حيث أمرنا فيها بصريح العبارة بقوله في حديث البخاري بسنده عن أبي قِلابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صلوا كما رأيتموني أصلي " و لم يكن فيها إمامة المرأة للرجال

ومن ذلك ما جاء بطريقة عملية سلوكية عن أوقات الصلاة في صحيح مسلم بسنده  عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم، أَنّ رَجُلاً سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصّلاَةِ؟ فَقَالَ لَهُ: «صَلّ مَعَنَا هَذَيْنِ» (يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ) فَلَمّا زَالَتِ الشّمْسُ أَمَرَ بِلاَلاً فَأَذّنَ. ثُمّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظّهْرَ. ثُمّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيّةٌ. ثُمّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشّمْسُ. ثُمّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشّفَقُ. ثُمّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ. فَلَمّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثّانِي أَمَرَهُ فَأَبْرَدَ بِالظّهْرِ. فَأَبْرَدَ بِهَا، فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا. وَصَلّى الْعَصْرَ وَالشّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، أَخّرَهَا فَوْقَ الّذِي كَانَ. وَصَلّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشّفَقُ. وَصَلّى الْعِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللّيْلِ. وَصَلّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا. ثُمّ قَالَ: «أَيْنَ السّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصّلاَةِ؟» فَقَالَ الرّجُلُ: أَنَا. يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ: «وَقْتُ صَلاَتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ».

وعن مكان صلاة المرأة بين المسجد والبيت جاء في مسند الإمام أحمد   بسنده عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي، أنها جاءت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك؟ قال: «قد عَلمتُ إنّكِ تُحِبّينَ الصّلاةَ مَعي، وَصلاتُكِ في بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ من صَلاتِكِ في حُجْرَتِكِ، وَصلاتُكِ في حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صلاتِكِ في دارِكِ، وَصلاتُكِ في دارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاتِكِ في مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلاتُكِ في مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لكِ مِنْ صَلاتِكِ في مَسْجِدِي» قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصىَ شيء من بيتها وأظلمه، فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل.

و لم يكن في شيء من ذلك  إمامة المرأة للرجال

 

أما إمامة المرأة للنساء وحدهن، ففيها أكثر من حديث، من ذلك:

 

حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، فقد روي عبد الرزاق (5086)، والدارقطني (1/404)، والبيهقي (3/131) من حديث أبي حازم ميسرة بن حبيب، عن رائطة الحنفية، عن عائشة أنهما أمتهن، فكانت بينهن في صلاة مكتوبة.

وروي ابن أبي شيبة (2/89) من طريق ابن أبي ليلي، والحاكم (1/203 - 204) من طريق ليث بن أبي سليم كلاهما عن عطاء، عن عائشة: أنها كانت تؤم النساء، فتقوم معهن في الصف. لفظ ابن أبي شيبة. ولفظ الحاكم عن عائشة: أنها كانت تؤذن وتقيم، وتؤم النساء، وتقوم وسطهن.

وروي الشافعي (315) وابن أبي شيبة (2/88) وعبد الرزاق (5082) من طريقين، عن عمار الدهني عن امرأة من قومه يقال لها حجيرة، عن أم سلمة: أنها أمتهن، فقامت وسطا. ولفظ عبد الرزاق: أمتنا أم سلمة في صلاة العصر، فقامت بيننا.

وقال الحافظ ابن حجر في الدراية (1/169): وأخرج محمد بن الحصين من رواية ابراهيم النخعي عن عائشة: أنها كانت تؤم النساء في شهر رمضان، فتقوم وسطا.

روي عبد الرزاق (5083) عن ابراهيم بن محمد، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: تؤم المرأة النساء تقوم في وسطهن.

و لم يكن في ذلك  شيء من إمامة المرأة للرجال بطبيعة الحال

 

*****

أما الإجماع الذي أطاحت به بدعة إمام الكنيسة آمنة ودود في إمامتها للرجال فقد استدل العلماء على حجيته بالقرآن والحديث والمعقول :

في القرآن الكريم بقوله تعالى ، وقوله تعالى : ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ) النساء 115 ، ومعناه أن من اتبع سبيل غير المؤمنين يستحق الوعيد ، واتباعه حرام وسبيله باطل ، وسبيل المؤمنين هو الحق.

خلافا لبعض الفرق العقدية والسياسية التي إنما ظهرت بعد الاتفاق وانعقاد الإجماع  - على الأقل إجماع الصحابة - ، والذين إنما يشككون في ضروريات الدين مثل تشكيك السوفسطائيين في الضروريات العقلية – أنظر "  فواتح الرحموت " للعلامة عبد العلي محمد بن نظام الدين الأنصاري بشرح مسلم الثبوت لإمام المحققين الشيخ محب الله ابن عبد الشكور  ج 2 ص 213 -

وهو – أي الإجماع – يمكن تصوره  والاطلاع عليه في مختلف المجالات كما في إجماع الأمة الإسلامية على أن الصلوات خمس ، وأن صوم رمضان واجب ، وأن الحج عرفة ، وأن الربا حرام : وكما في إجماع أصحاب الشافعي على منع قتل المسلم بالذمي ، وبطلان النكاح بلا ولي ، وكما في إجماع   النصارى على التثليث وإجماع  المجوس على التثنية : أنظر المستصفى للغزالي ج1 ص 173 -174

 

كما دلت " السنة " على حجية الإجماع ، ووجوب اتباعه إذا انعقد ، بقوله صلى الله عليه وسلم ( لا تجتمع أمتي على ضلالة ) وقوله ( من سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ) وقوله ( من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ) وقوله (عليكم بالجماعة ) وقوله ( من فارق الجماعة مات ميتة الجاهلية ) وقوله ( عليكم بالسواد الأعظم ) وقوله (لا تجتمع أمتي على الخطأ  ) وقوله ( لم يكن الله ليجمع أمتي على الضلالة ) و ( يد الله مع الجماعة ولا يبالي الله بشذوذ من شذ ) و ( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ) و ( لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء ) ( ومن خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ) ( ومن فارق الجماعة ومات فميتته جاهلية ) وقوله ( يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار –) رواه أصحاب السنن ومثله في صحيح البخاري – وقوله  ( من سره أن يكون في بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن دعوتهم تحيط بهم من ورائهم ) . أنظر المستصفى للإمام الغزالي 175

وغير هذا كثير مما تواتر نقله عن الثقات وإذا لم يكن متواترا باللفظ فهو متواتر معنى

وهذه الأخبار – كما يقول الإمام الغزالي في المستصفى -  لم تزل ظاهرة في الصحابة والتابعين إلى زماننا هذا ، لم يدفعها أحد من أهل النقل من سلف الأمة وخلفها ، بل هي مقبولة من موافقي الأمة ومخالفيها ، ولم تزل الأمة تحتج بها في أصول الدين وفروعه … ووجه الحجة في  العلم الضروري بمجموع هذه الأخبار وإن لم تتواتر آحادها ، كالعلم الضروري بشجاعة علي ، وكرم حاتم ، وخطابة الحجاج : وإن لم تتواتر آحاد هذه الأخبار … والمحتجون بهذه الأخبار أثبتوا بها أصلا قطعيا وهو الإجماع الذي يحكم به في كتاب الله والسنة المتواترة  ، : أنظر المستصفى ج 1 ص 175- 176  و شرح مسلم الثبوت ص 216

 

وكما استدل على حجية الإجماع بالقرآن والسنة استدل عليه أيضا بالمعقول فإن العادة تحيل أن يجتمع كل المجتهدين في عصر من العصور على حكم ويجزموا به جزما قاطعا ولا يكون لهم من الكتاب والسنة مستند قاطع بنوا عليه إجماعهم ، كما تحيل أن يكونوا مخطئين في إجماعهم ولا ينتبه إلى الخطأ واحد منهم ، فما اتفقوا عليه  مستندا إلى دليل من الكتاب والسنة يكون قطعيا والعمل به واجبا ، ويكون شأنه  كشأن الخبر  المتواتر في الاستدلال على قطعيته بكونه قد نقلته جماعة يؤمن تواطؤهم على الكذب في جميع مراتب النقل .

 

ولا نكران لكون الجدل دار حاميا – وما يزال يدور - بين كبار الفقهاء والأصوليين حول "الإجماع " من نواح كثيرة : ناحية تعريفه، وتصور وقوعه ، وإمكان الاطلاع عليه لو وقع  ، ومراتبه ، ومستنده أهو الاجتهاد أو النقل ، واشتراط انقضاء عصر المجتهدين أو عدم اشتراطه ، وتحديد المجمعين بالشيخين ، أو الخلفاء الأربعة ، أو الصحابة ، أو أهل المدينة ، أو آل البيت وحدهم ،  أو عدم تحديدهم بذلك ، وقبول الإجماع السكوتي أو عدم قبوله ، ومراتب الإجماع  ، وصحة الاستدلال على حجيتة  بالآيات والأحاديث والمعقول الذي أوردنا جانبا منه .

 

لكن هذا الخلاف لا يضر في الاحتجاج  بالإجماع  على ما نحن بصدده من عدم جواز إمامة المرأة للرجال ، وذلك لأن موضوعنا يستند على دعوى الإجماع في طبقة الصحابة أولا ، وفي مسألة تعبدية محضة لم يكن لهم اجتهاد فيها وإنما بالنقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم

 

ولا خلاف على حجية هذا النوع من الإجماع

 

وفي هذا النوع من الإجماع – إجماع الصحابة : يقول صاحب شرح مسلم الثبوت ( لو اتفقوا على فعل فالمختار انه كفعل الرسول  - صلى الله عليه وسلم ، لأن العصمة ثابتة لهم لإجماعهم ، لعموم الدلائل التي مرت كثبوتها له عليه وعلى آله وأصحابه الصلاة والسلام ) ج 2 ص 235.

وقد ذهب الإمام ابن حزم إلى تفسير حجية الإجماع بأنه يعني الاتفاق على نقل شيء عن الرسول صلى الله عليه وسلم لأن المشرع هو الله وحده ، والرسول مبلغ ومبين ، والعلماء ينقلون بيانه للناس في الأجيال المتعاقبة ، فاتفاقهم على نقل شيء عنه صلى الله عليه وسلم حجة في ثبوته ووجوب العمل به ( الإحكام لابن حزم ج 4 \ 182-142) وهذا النوع من الإجماع لا يخالف في وقوعه ولا في حجيته أحد من المسلمين لأنه نقل على سبيل التواتر في أعلى مراتبه – كما يقول  الأستاذ العلامة الدكتور على حسب الله في كتابه " أصول التشريع الإسلامي " 124ص

ويقول الإمام الشافعي في  حجية الإجماع ( لست أقول ولا أحد من أهل العلم " هذا مجتمع عليه" إلا لما لا تلقى عالما أبدا إلا قاله لك : كالظهر أربع ركعات ، وكتحريم الخمر ، وما أشبه) : يعني أن الإجماع لا يكون إلا في الأمور المعلومة من الدين بالضرورة وهو مالا يخالف فيه أحد من المسلمين . أنظر علي حسب الله ص 124

ويقول العلامة الأستاذ الدكتور على حسب الله : ( إجماع الأمة على حكم مسألة من المسائل الدينية المحضة أو التي لا يستقل العقل بإدراكها وأكثر ذلك من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة التي لا تلقى واحدا من المسلمين إلا وافق عليها ، ونقلها عمن قبله – كما قال الشافعي رضي الله عنه – كالإجماع على أن الجد يرث مع وجود الإخوة ، وأن الجدة يحرم التزوج بها كالأم ، وترث السدس إذا لم تكن هناك أم ، والإجماع على عدم بيع أم الولد - لابد أن ينعقد هذا النوع من الإجماع في عهد الصحابة رضوان الله عليهم عملا بما ذهب إليه الظاهرية واحمد في الرواية المشهورة عنه ، لأن من جاء بعدهم لا يعقل أن يظهر له من مثل هذه الأمور ما خفي عليهم ، وهم لا يجمعون في مثل هذا عن هوى أو مخالفة لسنة معلومة ، فلا بد من أن يكون لهم سند من قول الرسول صلى الله عليه وسلم أو فعله،  ثم ينقل الكافة عنهم ما أجمعوا عليه فيكون نقل الكافة عن الكافة على نحو ما ذهب إليه ابن حزم في تفسير الإجماع

ويجب الإيمان والعمل بما أجمعوا عليه من ذلك باعتباره منقولا عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو مقتبسا من هديه  ..

وهذا النوع من الإجماع لا يقبل النسخ لأنه لا يعقل ولا يقبل أن يجمع المتأخرون على خلافه لعدم الحاجة إلى تغيير مالا يستقل العقل بإدراكه من أمور الدين ) اهـ حسب الله ص 127

 

ويقول الإمام الشافعي في " الرسالة " بعد أن تحدث عما يرويه الصحابة عن رسول الله : أن من قبل عن رسول الله فعن الله قبل ، لأن الله افترض طاعة رسوله ، وأنه لا يحل لمسلم علم كتابا أو سنة أن يقول بخلاف واحد منهما ، وأن ما اجتمعوا عليه  وذكروا أنه حكاية عن رسول الله فهو كما قالوا ، وأما ما لم يحكوه واحتمل أن يكون حكاية عن رسول الله واحتمل غيره فكنا نقول بما قالوا به اتباعا لهم .

ويستدل على لزوم اتباع الجماعة  بما رواه بسنده عن ابن مسعود عن أبيه . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها  ووعاها وأداها فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه  ، ثلاث لا يَغُل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ونصيحة للمسلمين ، ولزوم جماعتهم ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم " قال ابن الأثير أي تحيط بهم من جميع جوانبهم " ورواه أحمد وابن ماجة والدارمي .

ويستدل الإمام الشافعي على الإجماع أيضا بما رواه بسنده عن ابن سليمان بن يسار عن أبيه أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية فقال : ( إن رسول الله قام فينا كمقامي فيكم فقال : أكرموا أصحابي ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يظهر الكذب ، حتى إن الرجل ليحلف ولا يستحلف ، ويشهد ولا يستشهد ، ألا فمن سره بحبحة الجنة فليلزم الجماعة ، فإن الشيطان مع الفذ ، وهو من الاثنين أبعد ، .. )

ثم يفسر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة بأن ليس المراد منه لزوم الأبدان ( لأنه لا يمكن ، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئا ، فلم يكن للزوم جماعته معنى إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما ، ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم ، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها ، وإنما تكون الغفلة في الفرقة ، فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافة غفلة عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس إن شاء الله )  الرسالة للإمام الشافعي ص 471 - 476 بتحقيق وشرح العلامة أحمد شاكر ط أولى مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر .

 

ولا يفهم من عصمة الأمة في إجماعها إلا عصمة من يتصور منه الإصابة لأهليته ، فلا يدخل فيهم الصبي والمجنون والعوام .

ويدخل في العوام المتكلم والنحوي والمفسر والمحدث وفي مجموع هؤلاء تدخل إمام الكنيسة آمنة في احسن الأحوال

ولا يعتد بمبتدع كفر ببدعته وإن كان يصلي إلى القبلة ويعتقد نفسه مسلما ولا يجوز أن يكون دليل تكفيره ما هو موقوف على تكفيره : بمعنى أنه لو قال  بالتجسيم مثلا وكفرناه فلا يستدل على بطلان مذهبه بإجماع مخالفيه على بطلان التجسيم

وإذا خرج هؤلاء ابتداء من أمة الإجماع فلا يعتد إلا بقول أئمة المذاهب المستقلين بالفتوى كالشافعي ومالك وأبي حنيفة وأمثالهم من الصحابة والتابعين ، وقد يعتد بخلاف الأصولي ، وخلاف الفقيه المبرز ، لأنهما ذوا آلة للاجتهاد على الجملة ، لا يقولان ما يقولان إلا عن دليل ،  أنظر المستصفى للغزالي ج1 ص 182- 183

 

وعلى كل حال فإنه لا إجماع إلا عن مستند شرعي إذ الفتوى بلا دليل شرعي حرام وفائدة إجماعهم بعد الدليل .. قطعية الحكم بعد أن كان ظنيا : 238

ولا يستدل بالإجماع  في العقليات أو الأمور الدنيوية كتدبير الجيوش وأما الغيبيات ف يستدل بإجماع إلا ما كان مستنده النقل من المعصوم : أنظر شرح مسلم الثبوت ج 2 ص 238 ،  246

 

****

 

فإذا تبينت حجية إجماع الصحابة وبخاصة في الأمور التعبدية البحتة التي لا يستقل العقل بإدراكها وجب  القطع بعدم جواز  إمامة المرأة للرجال بناء على  إجماع الصحابة والصدر الأول على عدم جوازها ،  إذ لو كانت جائزة لفعلوها مع طول المدة ولو مرة ، أو لأجازوها  ولنقل عنهم .

يقول الإمام ابن رشد (  لما كانت سنتهن – أي النساء - في الصلاة التأخير عن الرجال علم أنه ليس يجوز لهن التقدم عليهم لقوله عليه الصلاة والسلام " اخروهن حيث أخرهن الله " ولذلك أجاز بعضهم إمامة { المرأة } النساء ، إذ كن متساويات في المرتبة في الصلاة مع أنه نقل ذلك عن بعض الصدر الأول : أنظر " بداية المجتهد " ج 1 ص 145 - 146

وفي المعجم الكبير للطبراني   بسنده عن ابن مسعود قال :( "  كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعا فكانت المرأة إذا كان لها الخليل تلبس القالبين تطول بهما لخليلها ….فكان ابن مسعود يقول أخروهن حيث أخرهن الله  "    قلنا لأبي بكر ما القالبين قال رقيصتين من خشب ) . ومعنى أخروهن من حيث أخرهن الله أي أخروهن في صفوف الصلاة نزولا على أمر الله ، فوضعهن هكذا ليس إلا تنفيذا لشرع الله ، دون قفز إلى مجاهل التعميم ، وترميز المغرضين .

وفيه ايضا   بسنده عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الله قال : (   كانت المرأة من بني إسرائيل تلبس القالبين فتقوم عليهما فتواعد خليلها ….. ) وكان عبد الله يقول أخروهن حيث أخرهن الله

 

أما ارتكان بعض من يجيز إمامة المرأة للرجال إلى رأي الإمام أبي ثور  إبراهيم بن خالد البغدادي – 170 \240 ، فقد نقل عنه مغلوطا فيما استدل به بعضهم ، تزكية منهم لإمام الكنيسة آمنة ودود

يقول الأستاذ سعدي حسين على جبر في رسالته للماجستير المقدمة لجامعة الأزهر كلية الشريعة والقانون بإشراف الأستاذ الدكتور حسن الشاذلي طبع مؤسسة الرسالة بيروت لعام 1983 : ( اختلف النقل عن الإمام أبي ثور في حكم إمامة المرأة للرجال فنقل عنه ابن رشد وابن قدامة وغيرهما جواز إمامة المرأة للنساء والرجال على الإطلاق إلا أنها تقف خلف الرجال ، ووسط النساء )

فأين هذا من بدعة إمام الكنيسة آمنة ودود في إمامتها للرجال بوقوفها وغيرها من النسوة أمام الرجال

 

وفي مناقشة  أدلة أبي ثور ؛ أورد أبو الحسن على بن محمد  الماوردي  أدلته  في كتابه الحاوي الكبير وهو يستدل برواية لأبي داود بسنده عن عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة من حديث طويل وفيه : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها في بيتها وجعل لها مؤذنا يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها )

وفي المستدرك على الصحيحين   مثله بسنده عن ليلى بنت مالك وعبد الرحمن بن خالد الأنصاري عن أم ورقة الأنصارية (  أن رسول الله   صلى الله عليه وسلم   كان يقول انطلقوا بنا إلى الشهيدة فنزورها ، وأمر أن يؤذن لها وتقام وتؤم أهل دارها في الفرائض ،  وقد روينا عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها   أنها كانت تؤذن وتقيم وتؤم النساء )

وسميت الشهيدة لما روي  عنها انها قالت (  أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا غَزَا بَدْرًا قَالَتْ قُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِى فِى الْغَزْوِ مَعَكَ أُمَرِّضُ مَرْضَاكُمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِى شَهَادَةً. قَالَ (قِرِّى فِى بَيْتِكِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْزُقُكِ الشَّهَادَةَ). قَالَ فَكَانَتْ تُسَمَّى الشَّهِيدَةَ. )

قال عبد الرحمن بن خلاد راوي الحديث : ( فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيرا ) وتوهم بعضهم من الحديث أنها كانت تؤم مؤذنها ، فدل هذا عندهم على جواز إمامتها للرجال

هذا والحديث ضعيف ،  قال عنه الباجي في المنتقى شرح الموطأ: "هذا الحديث مما لا ينبغي أن يعول عليه". وقال ابن حجر في التلخيص الحبير 2/56: "في إسناده عبد الرحمن بن خلاد، وفيه جهالة".

ويقول الشيخ طارق يوسف صالح إمام مسجد أولي الألباب بروكلين نيويورك ( استندت الدكتورة قائدة ثورة إمامة المرأة لصلاة الجمعة … إلي حديث رواه أبو داود وأحمد والحاكم وغيرهم عن الوليد بن عبد الله بن جميع الله عليه وسلم قال: حدثتني جدتي وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري عن أم ورقة بنت نوفل: 'أن النبي صلي الله عليه وسلم لما غزا بدرا قالت: قلت له: يا رسول الله ائذن لي في الغزو معك أمرض مرضاكم لعل الله أن يرزقني شهادة، قال: قري في بيتك، فإن الله عزوجل يرزقك الشهادة'. وفي رواية: استأذنت رسول الله في الغزو معه يوم بدر قال: فكانت تسمي الشهيدة. قال: قد قرأت القرآن وفي رواية جمعت القرآن، وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم يزورها في بيتها وفي رواية كل جمعة، وجعل لها مؤذنا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها'، وفي رواية للدارقطني 'تؤم نساءها' وفي رواية الحاكم 'أن تؤم أهل دارها في الفرائض'.قال عبد الرحمن بن خلاد: فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيرا..

ومما تستند إليه إمام الكنيسة آمنة ودود  في أن إمامة المرأة للرجال جائزة أنه قد أجازها الطبري شيخ المؤرخين والمفسرين وأبو ثور وأحمد بن حنبل في المشهور عنه كما نقل عنه ابن تيمية في الفتاوي الكبري حيث نقل عنه أنه يجوز للمرأة إمامة الرجل لحاجة، والبعض قال الطبري أجازها في النوافل دون الفرائض

والدليل في أقوال هؤلاء العلماء حديث أم ورقة المذكور أعلاه ،  وصحة أقوالهم تتوقف على صحة هذا الحديث

والحديث المذكور ضعيف بل موضوع للأسباب التالية:

أولا : سندا : لم ينقل هذا الحديث إلا الوليد بن عبد الله بن جميع، ليس لهذا الحديث طريق غيره مع جهالة حاله واضطراب حديثه ، ينقل الوليد بن عبد الله بن جميع عن جدته عن أم ورقة مرة، ومرة ينقل عن جدته عن أبيها عن أم ورقة، ومرة يقول عن جده عن أم ورقة، ومرة يقول عن أمها وأم ورقة، ومرة عن عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة، ومرة عن عبد الرحمن بن خلاد عن أبيه عن أم ورقة، مما يعني اضطرايا واضحا في سند الحديث .

ثانيا :: أن الوليد بن عبد الله بن جميع وإن روي له مسلم في صحيحه ووثقه بعض العلماء وذكره ابن حبان في الثقات، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: وذكره ابن حبان أيضا في الضعفاء وقال: ينفرد عن الأثبات بما لا يشبه حديث الثقات، فلما فحش ذلك منه بطل الاحتجاج به، وقال العقيلي: في حديثه اضطراب. وقال الحاكم: لو لم يخرج له مسلم لكان أولي. وقال المنذري: فيه مقال. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله.

ثالثا : عبد الرحمن بن خلاد راوي الحديث عن أم ورقة قال عنه أبو الحسن بن القطان: إن حاله مجهول. يراجع في ذلك تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني.

رابعا : في متن الحديث أن أم ورقة جاءت لرسول الله لتستأذنه أن تغزو معه يوم بدر، والمعروف أن النبي وأصحابه ما خرجوا للقتال يوم بدر بل لم تكن هناك نية أصلا للقتال، وإنما خرجوا لاسترداد بعض حقوقهم من قافلة أبي سفيان القادمة من الشام عن طريق المدينة .. ولما علمت قريش أن رسول الله وأصحابه يريدون مصادرة القافلة، قررت الحضور لعقاب  محمد وأصحابه حتى لا يفعلوها مرة أخري حتى بعد أن علموا بنجاة القافلة، وقد كره المسلمون أن يتحولوا إلي القتال فجأة، وهم قد خرجوا غير مستعدين للقتال والنفير بل من أجل العير وقافلة أبي سفيان، …فكيف علمت أم ورقة بالقتال وبمعركة بدر في المدينة قبل خروج النبي؟!! … فهذه علة تسقط الحديث.

خامسا: في متن الرواية أن النبي كان يزور أم ورقة مع بعض أصحابه ..وقيل كل جمعة. وواضح أن المعلومات المتوفرة عن هذه السيدة في كتب السيرة والتاريخ والحديث تتصل فقط بهذا الحديث لا غير، ولم ترو أم ورقة حديثا واحدا عن النبي الذي كان يزورها … ، ولم تنقل عن رسول الله حديثا غير ذلك الحديث المطعون فيه سندا ومتنا! كيف وهي كما قيل كانت ذات ذاكرة قوية حيث إنها حفظت القرآن كله، وهو كان السبب الذي علي أساسه أمرها النبي كما قيل أن تؤم أهل دارها أو نساءها.. هل هذا يقبله منطق أو عقل؟!!

سادسا : هذا الحديث معارض بأحاديث كثيرة صحيحة تقول إن النبي كان يضع النساء في آخر الصف بعد الرجال والصبيان منها حديث أنس في البخاري قال: صلي النبي صلي الله عليه وسلم في بيت أم سليم، فقمت ويتيم خلفه، وأم سليم خلفنا. فجعل النبي أم أنس ليس بجوار ابنها أنس بل خلفه وهو صبي، فكيف إذا كانت لا يجوز أن تقف بجوار صبي ولو كان ابنها فكيف تؤمه أو تؤم الرجال فتكون أمامهم؟!! والنبي وضع أم سليم خلف ابنها أنس.

وحديث أبي مالك الأشعري في مسند أحمد أنه قال يوما: 'يا معشر الأشعريين! اجتمعوا، واجمعوا نساءكم، وأبناءكم، حتي أريكم صلاة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فاجتمعوا، وجمعوا أبناءهم ونساءهم، ثم توضأ، وأراهم كيف يتوضأ، ثم تقدم، فصف الرجال في أدني الصف، وصف الولدان خلفهم، وصف النساء خلف الصبيان'

وقد روي الشافعي وابن أبي شيبة والبخاري تعليقا عن عائشة أنها كانت تأتم بغلامها،

وحديث جابر بن عبدالله الذي رواه ابن ماجة وإن كان ضعيفا سندا ولكن يسانده الواقع والممارسة يقول فيه رسول الله: 'ألا، لا تؤمنٌ امرأة رجلا، ولا يؤم أعرابي مهاجرا، ولا يؤم فاجر مؤمنا، إلا أن يقهره بسلطان، يخاف سيفه وسوطه'.

ومن المعروف أن السيدة عائشة كانت من أعلم نساء المسلمين ومع ذلك فقد جعلت عبدها يؤمها ولا تؤمه. ولم يسمع أن طالبت بأن تلقي خطبة الجمعة أو تؤم الرجال، بالرغم من تعليمها الرجال أحيانا كثيرة، ولم تكن السيدة عائشة نكرة، بل كانت تتدخل في السياسة، … ومع ذلك ما أمت الرجال في صلاة ولا خطبت جمعة وما سألت ولا تكلمت به، بالرغم من أنها كانت تقود الرجال في حرب الجمل، … وبالرغم من وجود نساء أخريات عالمات شهيرات مبرزات في تاريخ الإسلام كالسيدة سكينة بنت الحسين بن علي وكانت تدرس للرجال ومع ذلك ما أمتهم في صلاة ولم تخطب بهم جمعة. ولم تفكر فيه السيدة زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب وبنت فاطمة بنت رسول الله صلي الله عليه وسلم وهي من هي شرفا وعلما ومكانة حازتها، بعد مقتل اخيها الإمام الحسين بن علي في كربلاء

وقد أخرج مسلم وابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وابن ماجة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: 'خير صفوف الرجال أولها، وشر صفوف الرجال آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشر صفوف النساء أولها'.

وفي مسند أحمد عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: 'خير صفوف الرجال المقدم وشرها المؤخر وشر صفوف النساء المقدم وخيرها المؤخر، ثم قال: يا معشر النساء إذا سجد الرجال فاغضضن أبصاركن '. فكيف نسألهم رجالا ونساء غض أبصارهم وأبصارهن الذي أمر الله به في سورة النور : النساء والرجال علي حد سواء والكتف في الكتف والقدم في القدم والإمامة الخطيبة أمامهم تسجد، وتتجسد .. أمام أعين الرجال أثناء السجود؟!

لا يقال: لا فتنة في ذلك لأن النساء تتجاور مع الرجال في بيت الله الحرام وهذا قياس فاسد لأن …للكعبة حالة خاصة، ولتعذر الفصل للزحام أثناء الطواف ، بل والتقابل بين المأمومين لبعضهم بعضا والإمام ، فضلا عن القداسة الخاصة بالمكان . )

 

وجاء في الأدلة التي أوردها الماوردي لأبي ثور:

عموم قوله عليه السلام " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله " ويرد عليه بأن الحديث عام يرد عليه التخصيص قطعا ، فقد يكون الأقرأ جنبا ، أو حائضا ، أو غائبا ، وقد يكون وقد يكون ، فلا محل للأخذ به بإطلاقه بطبيعة الحال . ووقع تخصيصه بحديثه صلى الله عليه وسلم  " ألا لا تؤمن امرأة رجلا " مصدره السنن الكبرى وابن ماجة ، وبقوله صلى الله عليه وسلم " خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها " رواه مسلم .  فعلم من ذلك أنه لا يجوز لهن التقدم عليهم

 

واستدل له أي لأبي ثور : بأن من يصح له أن يأتم بالرجال صح له أن يكون إماما لهم !! وهو قياس غير معقول ، وبطلانه واضح ،  وصحته تنحصر في عكسه .

كما استدل له بالقياس على العبد : بمعنى أنه حيث أجزنا للعبد  أن يكون إماما للرجال فمن باب أولى أن نجوز للمرأة إمامة الرجال لأن نقص الرق أشد من نقص الأنوثة بدلالة أن العبد يقتل بالمرأة الحرة – على خلاف في ذلك – ولا تقتل المرأة بالعبد ) اهـ من كتاب سعدي ص 224-      227  ومن الواضح أن القياس على إمامة العبد هنا :  خطأ نشأ من انحراف في النظر إلى  دعوى تفضيل أحدهما على الآخر في الإنسانية فتكون للمرأة أولوية على العبد – جدلا - في صحة إمامة الرجال ، وإنما النظر هو إلى  تأمين الصلاة من الفتنة ومن هنا جاءت أولوية العبد عليها

 

وفضلا عن أنه ليس في حديث أم ورقة ما يدل على إمامتها للرجال ، ولا للشيخ الذي عينه الرسول مؤذنا لها ، فهو يدل على منع الرسول لها أن تذهب للصلاة بالمسجد لتؤم الرجال بدلالة سياق الحديث …إذ لو كان ذهابها للصلاة بالمسجد إماما للرجال جائزا لدلها على ذلك ، بدلا من قصرها على إمامة أهلها في منزلها . والسكوت في معرض البيان بيان كما يقول علماء الأصول

 

ولو صحت إمامة المرأة للرجال لكانت عائشة رضي الله عنها أولى بالإمامة من مولاها الذي أعتقته ليصلي إماما لها في التروايح ، فقد ذكر الشوكاني في نيل الأوطار ( عن ابن أبي مليكة أنهم كانوا يأتون عائشة بأعلى الوادي هو وعبيد بن عمير والمسور بن مخرمة ، وناس كثير فيؤمهم أبو عمرو مولى عائشة وابو عمرو غلامها حينئذ لم يعتق ) رواه الشافعي في مسنده . وذكر الحافظ في التلخيص رواية ابن أبي مليكة ونسبها إلى الشافعي كما نسبها الشوكاني  ، وذكر في الفتح أنه رواها أيضا عبد الرزاق قال : وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن وكيع عن هشام عن أبي بكر بن أبي مليكة أن عائشة أعتقت غلاما لها عن دبر ، فكان يؤمها في رمضان في المصحف وعلقه البخاري ) اهـ  نيل الأوطار للشوكاني ج3 184

 

وبالنسبة للإمام الطبري

يورد الأستاذ سعدي مخالفة الإمام أبي ثور والطبري فيما ذهبا إليه في هذه المسألة لجمهور العلماء من السلف والخلف والأئمة الأربعة حيث ذهبوا إلى عدم جواز إمامة المرأة بالرجال في الفرائض

ويقول الدكتور هاني السباعي نقلا عن موقعه على الإنترنيت : ( أما ابن جرير الطبري فإن هناك أقوالاً شاذة مبثوثة في بعض كتب الفقه منسوبة إليه كقوله بجواز إمامة المرأة للرجال في الصلاة وقوله بجواز توليتها للقضاء والإمامة الكبرى. ولعل بعض من يعتمد على قول الطبري يأخذه على طريقة (فويل للمصلين)!! فالطبري كما يقول الصنعاني: " أجاز الطبري إمامتها في التراويح إذا لم يحضر من يحفظ القرآن وحجتهم حديث أم ورقة" إذن الطبري يجيز إمامة المرأة لصلاة التراويح وليس الفريضة ويشترط ألا يوجد من يحفظ القرآن غيرها. ويستند إلى حديث أم ورقة الأنصارية والحديث حجة عليهم لا لهم لأنها كانت تؤم أهل دارها ومحارمها على افتراض وجود الشيخ الكبير فإنه قد يكون من محارمها ..

وعلى أية حال فبعد التحقيق والتمحيص في الكتب المطبوعة للطبري لم نجد لهذه الآراء ذكر في كتبه خاصة كتابه الشهير جامع البيان عن تأويل آي القرآن المسمى بتفسير الطبري الذي يتعرض فيه للعديد من المسائل الفقهية حيث يناقش ويفند ويرجح ما يراه فلم نعثر على القول المنسوب إليه في هذا الكتاب )

وعلى كل حال فأين ما ذهب إليه  أبو ثور والطبري مما ارتكبته إمام الكنيسة آمنة ودود وبخاصة إذا علمنا أن صحيح مذهبهما كان بأن تقف خلف الرجال  وسط النساء وفقا لتحقيق الأستاذ سعدي في كتابه المذكور أعلاه عن أبي ثور ، أو أن يكون ذلك في صلاة التراويح فقط لا مطلقا ، وفقا لما نقله الإمام الشوكاني في نيل الأوطار ، وحلية العلماء لأبي بكر محمد بن احمد الشاشي القفال ت 505 هـ في صفة الأئمة ، والبحر الزخارلأحمد بن يحيى بن المرتضي ت 840  2\ 313 والمغني لابن قدامة  1\199  وهذا أليق بهما في حسن الظن بهما في عدم خرق الإجماع في عصر الصحابة ، خصوصا وأن الإمام الطبري كان يرى انعقاد الإجماع بالكثرة فكيف يجوز لنفسه أن يخرقه بعد انعقاده في هذا الموضوع ؟‍

وبناء عليه فالإجماع   –قد انعقد  في عصر الصحابة والتابعين – على أنه لا يجوز للمرأة أن تؤم الرجال في الصلاة مطلقاً، ومنها صلاة الجمعة، ومن ثم وجب اتباعهم وبطلت مخالفتهم

 

 

أما الفقهاء –عدا من شذ ممن نسب إليهم ما لا يتفق مع الإجماع ومالا يتفق مع التحقيق -  فهم على اختلاف مذاهبهم  يشترطون لصحة الإمامة بالرجال أن يكون إمامهم ذكراً، وهذا الحكم من أوضح شرائع الإسلام، وعليه أهل القرون المفضلة( الصحابة والتابعين وتابعيهم ) ومن بعدهم من الأئمة كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم من العلماء المعتبرين، حتى ليبلغ أن يكون معلوماً من الدين بالضرورة، وذلك لتتابع الأجيال من عهد النبي - صلى الله عليه وسلم- وإلى يومنا هذا على العمل بمقتضاه ، وعدم مخالفته.

وهذا التقرير مستند إلى سنة النبي - صلى الله عليه وسلم- القولية والفعلية وسنة الخلفاء الراشدين والصحابة المهديين

ومن أئمة الفقها ء يقول  ابن عابدين الحنفي في رد المحتار 1/577: "ولا يصح اقتداء رجل بامرأة، أي في الصلاة".

ويقول :  ابن أبي زيد القيرواني في رسالته المشهورة 1/205: "ولا تؤم المرأة في فريضة ولا نافلة لا رجالا ولا نساء".

وقال الحطاب المالكي في التاج والإكليل 2/412: "قال المازري: لا تصح إمامة المرأة عندنا وليعد صلاته من صلى وراءها وإن خرج الوقت".

وقال الشافعي في الأم 1/191: " وإذا صلت المرأة برجال ونساء وصبيان ذكور فصلاة النساء مجزئة، وصلاة الرجال والصبيان الذكور غير مجزئة ; لأن الله عز وجل جعل الرجال قوامين على النساء … ، ولا يجوز أن تكون امرأة إمام رجل في صلاة بحال أبدا".

وقال النووي الشافعي في المجموع 4/151: "اتفق أصحابنا على أنه لا تجوز صلاة رجل بالغ ولا صبي خلف امرأة، وسواء في منع إمامة المرأة للرجال صلاة الفرض والتراويح ، وسائر النوافل ،

هذا مذهب جماهير العلماء من السلف والخلف- رحمهم الله- وحكاه البيهقي عن الفقهاء السبعة فقهاء المدينة التابعين، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وسفيان وأحمد وداود

وقال ابن حزم في المحلى 2/167: "ولا يجوز أن تؤم المرأة الرجل ولا الرجال، وهذا ما لا خلاف فيه ، وأيضا فإن النص قد جاء بأن المرأة …تكون وراء الرجل في الصلاة ولا بد، وأن الإمام يقف أمام المأمومين ولا بد".

وحجة من جوّز إمامتها في الفريضة - غير الجمعة- حديث أم ورقة أن النبي صلى الله عليه وهو حديث  - كما ذكرنا أعلاه - ضعيف قال عنه الباجي في المنتقى شرح الموطأ: "هذا الحديث مما لا ينبغي أن يعول عليه". وقال ابن حجر في التلخيص الحبير 2/56: "في إسناده عبد الرحمن بن خلاد، وفيه جهالة".

كما  أن المقصود بأهل دارها النساء منهم دون الرجال، قال ابن قدامة في المغني 2/16: "وحديث أم ورقة إنما أذن لها أن تؤم (نساء) أهل دارها ، كذلك رواه الدارقطني.

 

وصرحت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية ( موقع إسلام أون لاين 26\3\2005 بأنه لا تصح إمامة المرأة للرجال ؛ لأن الإمامة في الصلاة من العبادات والعبادات ، مبنية على التوقيف ، والسنة العملية تدل على إمامة الرجل للرجال ، فلا يجوز للمرأة أن تؤم الرجال ؛ لأن ذلك خلاف ما علم من الشرع المطهر .أما إمامتها للنساء فلا بأس بذلك ، وقد فعلته عائشة رضي الله عنها وأم سلمة رضي الله عنها ، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر امرأة من أصحابه أن تؤم أهل دارها ، يعني من النساء .

 

ومن جانبها أفتت دار الإفتاء المصرية يوم الثلاثاء 22-3-2005 ( موقع إسلام أون لاين ) بأنه لا يجوز في الإسلام للمرأة إمامة صلاة جماعة تضم رجالا ونساء.

وقال مكتب مفتي الديار المصرية الدكتور علي جمعة في الفتوى: "أما الأذان من المرأة وتوليها خطبة الجمعة وإمامتها فلا نعلم خلافا بين أحد من المسلمين علمائهم وعوامهم على عدم جوازه وعلى بطلان الصلاة وبطلان الأذان".

وأضافت الفتوى: "أما إمامة المرأة للرجال في جماعة عارضة.. فذهب جماهير العلماء إلى حرمة ذلك وإلى أن الصلاة تقع باطلة".

 

ونقل عن شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي  قوله في تصريحات خاصة لصحيفة «الأهرام» المصرية  ( إن إمامة المرأة للرجال بصفة عامة سواء كانت في صلاة الجمعة أو في الصلاة المفروضة في توقيتاتها أو في صلاة النوافل أو في أية صلاة أخرى لا تجوز ، وإنما يجوز لها أن تكون إماما لبنات جنسها من النساء  .

وأوضح أن بدن المرأة عورة وعندما تؤم الرجال ففي هذه الحالة لا يليق بهم أن ينظروا إلى المرأة التي يظهر أمامهم بدنها فان ظهر لهم في الحياة العامة فانه لا يصح أن يوجد في العبادات التي لحمتها وأساسها الخشوع.) موقع شهود في 26\3\2005

 

واستنكر مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ( موقع إسلام أون لاين 28\3\2005) في بيانٍ أصدره قيام إمام الكنيسة آمنة ودود بإمامة المصلين في أول صلاة جمعة مختلطة تؤمها امرأة حسب ما أفادت وكالة الأنباء السعودية.

واعتبر المجمع الإسلامي الذي يعد أعلى مرجعية إسلامية تمثل المسلمين في العالم أن ما قامت به إمام الكنيسة آمنة ودود "بدعة مضلة وفتنة قائمة تمثلت في تقدم امرأة لأول مرة لإمامة جماعة من المصلين في صلاة جمعة بكاتدرائية مسيحية في مدينة مانهاتن بالولايات المتحدة الأمريكية".

وأوضح البيان أن ما حدث يعتبر "مخالفة لأحكام الشريعة من وجوهٍ: تولِي المرأة خطبة الجمعة، وإمامتها للرجال في صلاتها، ووقوف الرجال والنساء متجاورين مختلطين في كاتدرائية مسيحية".

وأضاف "أن ما حدث يخالف ما توافق عليه جمهور علماء الإسلام وفقهائه المعتمدين، وقد يكون المقيمون لهذه الصلاة على هذا الوجه معتمدين على أقوال ضعيفة أو غير معتمدة وردت في بعض الكتب الفقهية".

 

وصرحت اللجنة الدائمة لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا ( باختصار ) بتاريخ 14/3/2005 : موقع إسلام أن لاين ( بأنه لقد انعقد إجماع الأمة في المشارق والمغارب على أنه لا مدخل للنساء في خطبة الجمعة ولا في إمامة صلاتها، وأن من شارك في ذلك فصلاته باطلة إماما كان أو مأموما ، فلم يسطر في كتاب من كتب المسلمين على مدى هذه القرون المتعاقبة من تاريخ الإسلام فيما نعلم قول فقيه واحد: سني أو شيعي، حنفي أو مالكي أو شافعي أو حنبلي يجيز للمرأة خطبة الجمعة أو إمامة صلاتها، فهو قول محدث من جميع الوجوه ، باطل في جميع المذاهب المتبوعة، السنية والبدعية على حد سواء!

وأنه لقد علم بالضرورة من دين الإسلام أن سنة النساء في الصلاة التأخير عن الرجال ، فخير صفوف الرجال أولها وخير صفوف النساء آخرها، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها" ..

ولو كان شيء من ذلك جائزا لكان أولى الناس به أمهات المؤمنين وقد كان منهن الفقيهات النابغات، وعن بعضهن نقل كثير من الدين، وحسبك بالفصيحة البليغة العالمة النابهة الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ولو كان في ذلك خير لسبقونا إليه وسنوا لنا سنة الإقتداء به)

 

وبنظرة تاريخية اجتماعية تذكر اللجنة الدائمة لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا "  أنه لم يثبت أن امرأة واحدة عبر التاريخ الإسلامي قد أقدمت على هذا الفعل أو طالبت به على مدى هذه العصور المتعاقبة من عمر الإسلام، لا في عصر النبوة ولا في عصر الخلفاء الراشدين ولا في عصر التابعين، ولا فيما تلا ذلك من العصور، وإن ذلك ليؤكد تأكيدا قاطعا على ضلال هذا المسلك وبدعية من دعا إليه أو أعان عليه.

  لقد عرف تاريخ الإسلام فقيهات نابغات ومحدثات ثقات أعلام، وقد أبلى النساء في ذلك بلاء حسنا وعرفن بالصدق والأمانة حتى قال الحافظ الذهبي: (لم يؤثر عن امرأة أنها كذبت في الحديث) ويقول رحمه الله : ( وما علمت من النساء من اتهمت ولا من تركوها ) ( ميزان الاعتدال : 4 / 604 ). وحتى كان من شيوخ الحافظ بن عساكر بضع وثمانون من النساء! ومثله الإمام أبو مسلم الفراهيدي المحدث الذي كتب عن سبعين امرأة، ومن النساء في تاريخ هذه الأمة من كن شيوخا لمثل الشافعي والبخاري وابن خلكان وابن حيان وغيرهم!! ومع ذلك لم يؤثر عن واحدة منهن أنها تطلعت إلى خطبة الجمعة أو تشوفت إلى إمامة الصلاة فيها مع ما تفوقن فيه على كثير من الرجال يومئذ من الفقه في الدين والرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم .

ولقد عرف تاريخ الإسلام المرأة عاملة على جميع الأصعدة، عرفها عالمة وفقيهة، وعرفها مشاركة في العبادات الجماعية، ومشاركة في العمليات الإغاثية، ومشاركة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنه لم يعرفها خطيبة جمعة ولا إمامة جماعة عامة من الرجال.

وبهذا يعلم بالضرورة والبداهة من دين المسلمين أن الذكورة شرط في خطبة الجمعة وإمامة صلوات الجماعة العامة.

وأعلن المجمع أنه يحذر الأمة من الافتتان بمثل هذه الدعوات الضالة المارقة من الدين، والمتبعة لغير سبيل المؤمنين، ويدعوهم إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، ويذكرهم بان ( هذا العلم دين وأن عليهم أن ينظروا عمن يأخذون دينهم )

هذا هو حكم إمامة المرأة للرجال عند الفقهاء من الأئمة والمجامع الفقهية ، ولا عبرة من ثم بما يلقيه بعض الهواة والأفراد من هنا وهناك

 

وليست المسألة خلافية كما يرجف المرجفون وما جاء على لسان أحدهم في قناة دريم بتاريخ 26\3\2005 بقوله : " المسألة خلافية ولكل أن يأخذ منها بالرأي الذي يشاء " وهو خطأ يقوم  على الجهل بالمسألة من عدة نواح :

أولا : ليس في الفقه قاعدة كالتي ذكر ، وقوله محرف من قاعدة صحيحة تنص على صحة الأخذ من المسألة الخلافية بأي من الآراء الواردة فيها لا مطلقا ولا بالهوى ، ولكن بشرط الترجيح للرأي المختار

ثانيا : أن المسألة تقررت بفعل الرسول صلى الله  عليه وسلم وهو قاطع في نفيه لكل قول مخالف ، وما روي في حديث أم ورقة لا يؤخذ به بعد ما تبين أن الحديث ضعيف في متنه  وضعيف في إسناده ، فضلا عما ورد فيه من شروط لا تتطابق مع ما فعلته إمام الكنيسة آمنة ودود

ثالثا  : أن المسألة ليست خلافية فقد وقع فيها إجماع الصحابة ، وهو إجماع منعقد لا خلاف في وقوعه  أو في حجيته ومن ثم لا يصح الخروج عليه ومن شذ لا عبرة به فقد شذ في النار

ثالثا : أن ما أسند لبعض الأئمة  كأبي ثور والطبري – كما بيناه بالتفصيل أعلاه -  لا يصح الأخذ به بعد إجماع عصر الصحابة لخروجه عليه ، فضلا عن عدم دقة ما نسب إليهم منه

رابعا : أن ما أسند إلى أبي ثور والطبري مع شذوذه خارج عن موضع السؤال فيما فعلته إمام الكنيسة  آمنة ودود والمطبلين لها إذ روي عنهما – على علاته - جواز إمامة المرأة للرجال بشرط وقوف المرأة خلفهم وسط النساء لا أمام الرجال كالذي فعلته آمنة ودود ، وبشروط أخرى لم تتوفر في فعلتها .

خامسا : وإنه لمن كوارث الساحة الفقهية أن يعلق عضو لمجمع البحوث الإسلامية ساخرا ممن ينتقدون ما فعلته إمام الكنيسة بقوله ( لماذا لم يحتج الناس على سهير زكي وهي ترقص ويحتجون على الدكتورة أمينة وهي تصلي ؟؟؟!!! )  نقلا عن مقال زينب عبداللاه بجريدة الأسبوع 28\3\2005

أهذه هي الدراسات الفقهية التي تمطر علينا مسمومة من مجتهدي دكاترة نيويورك وألمانيا وباريس  ؟ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصف حالهم : «يُقْبَضُ العِلمُ، وَيَظْهَرُ الجهلُ والفِتَنُ، ويَكثُرُ الهَرْجُ».صحيح البخاري

حسبنا الله ونعم الوكيل

وختاما فقد انتهينا إلى حكم الفقهاء بسقوط التقليعة الأمريكية إمام الكنيسة آمنة ودود في إمامة المرأة للرجال على مستوى : أصول الشريعة في القرآن والسنة والإجماع وبخاصة إجماع الصحابة والتابعين ، والفقهاء ، وتاريخ المجتمع الإسلامي في جميع العصور .

وللموضوع بقية في مقال قادم  بالشعب في النظر للموضوع من منظور ما يقال عن علاقته بالثقافة والبيئية و التطور الاجتماعي بإذن الله .

والله اعلم