رأي في قضية قومية

" جوربا العرب وقرار أل 76 "…(3)

 

 

 

بقلم : محمود زاهر

        رئيس حزب الوفاق القومي المنتخب

 

مددت يدي لتستقر مرة أخرى بقبضة الذكرى وخاطري… وكأني ارجوه بيان الأصل وقص الحكاية…!!! وحينذاك راح يقص من خلال حوارا معي… فسأل وقال … هل تذكر توصيف وتصنيف أسلحة المعركة المشتركة …؟ قلت نعم اذكر … فهناك أسلحة رئيسية وأخرى معاونة …!! أتذكر لمن كانت تجوز القيادة العامة لمعركة الأسلحة المشتركة ولمن كانت تنتسب القيادة الفرعية …؟ نعم … فالقيادة العامة ومنها قيادة الجيوش وموقع وزير الدفاع والحربية ما كانت تجوز إلا للقادة من الأسلحة الرئيسية … والقيادة الفرعية كان منتهاها هو رأس السلاح التخصصي المعاون فقط …!! أتذكر لمن كان ينتسب اقل حيز من القيادة ؟ نعم اذكر … فصاحبه هو الضابط الطيار … وتحديدا الطيار المقاتل … فقيادته محصورة في طائرته أو سرب طائراته الذي لا يزيد عن تسعة طائرات ولا يقل عن ثلاثة …!!!

وحين وجدته ينظر لي وتبتسم بمكر واضح .. بل بخبث شديد … فطنت إلي مرماه من اصل الحكاية وبت علي حرج متشوقا السماع الحكاية … فاظنها ستجيب لي علي أسئلة حائرة كثيرة … وستفك طلاسم أمورا أكثر حيرة … ولم يشاء خاطر الذكرى أن يزيد من عذاب انتظاري … فراح يقص ويقول … الطيار المقاتل ورائد الفضاء وضابط المخابرات والعلماء عملات نادرة … ولا يضاهي تكلفة صناعة الفرد منهم إلا تكلفة الصورايخ عابرة القارات … وربما تكون الصورايخ أيسر … ولكن الحديث عن نسب كل منهم للقيادة وخاصة العامة منها فهو شيئا أخر … فالنسب واكتماله ثابت لضابط المخابرات فذاك بستان نشأته وحقل نبتته ومجال زرعته … أما الطيار فعن فن وممارسة القيادة لزمنا طويلا يظل معزولا … وحين يعقله عقال الأرض والرجال وتفارقه الهوائية بالتقدم في العمر يأتيه النسب للقيادة بحدودا ومحدودية …!!

فتنشئة وصناعة الطيار المقاتل تنحصر وتتركز في إنماء قدراته الذاتية بهدف أساس واحد هو الهيمنة علي إمكانيات الطائرة التكنولوجية وكيفية توظيفها قتاليا … وهنا تسكن القيادة فيه ومنه … " قيادة الاله والمعدة "… وهذا شيئا عظيم الأثر والتأثير في مجريات حرب الأسلحة المشتركة … ولكنه قليل النسب إلي ما نحن بصدد تناول معناه من فن وأهمية " القيادة العامة " … فن اتخاذ القرار العام الذي يحتسب بعلم ودقة وحكمة حسبة قرارات القيادات الفرعية وحكمه توظيف قدراتها التوظيفية لتحقيق أهداف تكتيكية مرحلية وصولا لغاية استراتيجية … للثوابت العامة الدينية والقومية الوطنية وتحمل عمومية المسئولية …!!!

فالطيار المقاتل ليس له رعية تعود السهر علي سد احتياجاتها المادية والمعنوية والتمرس علي إنماء قدراتها الحياتية والقتالية والارتباط برجالها وربطهم بالتراث الديني والوطني ومعاني القوامة والقومية … بل هو رعية غيره … هو من تعود أن يسهر علي سد احتياجاته المادية والمعنوية غيره … تعود الارتباط والاهتمام فقط بكل ما يضمن سلامة وراحة ذاتيته … يرتبط بالطائرة الأكثر أمانا وأعظم تقنية … ارتبط بنوعية وكمية وكيفية الأكل والشراب والمسكن الذي يؤمن ذاته … ومن الرجال ارتبط بخادمه وسائق سيارته وحارس غرفة نومه وتلك رعيته من الرجال المرهونة بأمان وخدمة ذاته …!! ذاته التي تمحورت عليها حياته … ودون ذلك فهو استثناءا …!!؟

علوه الهوائي … وارتباط ذاته بسحر التكنولوجي وارتفاع ثمنها عظم انفصال ذاتيته عن الأرض وزحام أهليتها بل وعظم توحده مع ذاته وعدم قدرته علي الاندماج السوي مع الناس الذي يراهم دائما صغار الحجم من فقاعته الزجاجية … ولا يحب أن يرى من الأرض سوى زينة وأمان مهبطة … ولذا … فالمهبط الأكثر أمانا وزينة هو أرضه المفضلة وتلك حيثية نفسية وارتباط شرطي في غاية الأهمية …!!! الأهمية السياسية …!!؟ تلك الصناعة الإنشائية الذاتية رفيعة المستوى جعلت من الطيار المقاتل موظف من الدرجة الأولى … موظف ذات اعتزاز شديد بوظيفته مصدر عزته … موظف ارتهنت حكمته الذاتية بإلتزامه بمن يصرف له المهام والأوامر ومقابلهما المادي الذي يحفظ له أمان ذاته ومقامه وتميزه … وذاك ارتباط شرطي نفسي أخر ذات أهمية ونظره تفكرية في معنى التبعية وعدم القدرة علي القيادة العامة … وحتى نكون منصفين فعلينا أن نؤكد أن لكل قاعدة ونظرية استثناءا …!! ولكننا نؤكد أيضا أن الذي يهمنا ونشير إليه ليس من الاستثناء …!!!؟

نظرت لخاطر الذكرى وقلت متحفظا وعلي استحياء … ألا ترى انك قد تحاملت علي الطيار المقاتل بعض الشيء … بل وربما بخسته حقه وهو العملة النادرة ذات التكلفة الباهظة كما ذكرت … بل أراك وقد غفلت أن منه من هو قريب وصديق وعزيزا نعتز به … ومنه من هو اكبر من ذلك …؟

نظر لي نظرة مليئة بمعاني كثيرة وقال … علينا أن نتخلص من نقيصة خلط الأمور …" خلط الأوراق كما يقولون " … خلط المشاعر والروابط الإنسانية في تناولاتنا الفكرية العلمية المنطقية المجردة … فذاك الخلط لا يليق بخصوبة مصر الحضارية … ولعلمك الشخصي أخبرك بأنني ما تمنيت في شبابي إلا أن أكون ضابط مخابرات أو طيار مقاتل وما كانت غاية أمنيتي إلا بلوغا المقام الاستشهاد في سبيل الله والوطن وضمان الخروج الكريم من بوتقة فساد دنيا الإنسان … وعلي فكرة … لم يماثلني في النصف الأول من أمنيتي وبعضا من سيرة ومسيرة حياتي وخاصة الرياضية سوى " فلاديمير بوتين " الذي حمل علي عاتقه تطهير روسيا من هوائية انتماء وسياسة جورباتشوف الملقب " جوربا "…!!! جوربا الذي فكك الاتحاد إلي عناصره القطرية … فاذهب ريحه وهيبته وقوته …!!! الحقيقة هي أنني لست متحاملا علي الطيار بل أنا مشفق عليه … وغيورا علي حق القيادة العامة وانسحابها لغير أهلها … ومشفق علي أي رعية إنسانية سيرعاها الطيار إن جازت له بالخطأ أو التخطيط القيادة العامة …!!! فأنا أراه كما أرى رعيته ضحية … ضحية صناعة خاصة لسلعة نادرة نفعها فقط حيث تكون في مكانها الطبيعي بالمنظومة القيادية التوظيفية التي يريدها قائد عام لمعركة الأسلحة المشتركة … فتلك الصناعة من شأنها أن تعزله بل وتفصله عن أهم العلاقات الإنسانية ودا ورحمة … بما يحيل حياته وحياة رعيته إلي جحيم لا يطاق وخاصة إن كانت نشأته الأسرية والاجتماعية والبيئية متواضعة … جحيما سيمتد لهيب صراعه حتما إلي النشئ والأجيال وربما يحرق في طريقه ثوابت وتراث وبه الخلع والهلاك …!!! الخلع من أمان الحق والهلاك بعقابه …!! بدأت أدرك أن خاطري غادر رصيف الموضوعية … وميناء ذاتية الصناعة … وراح يمخر في اثر ونتائج ألذات المصنوعة والواقع المعاصر بها … فشئت أن الفت نظره إلي أن قاربه ابتعد عن بر الأمان … وان للبحر أمواجا غادره … وفي بطنه مخلوقات شرسة لا تحب من يعكر صفو مائها وقطع أرزاقها … فقلت … لعلك نسيت أن القيادة العامة ليست مجرد فرد … وانه أحيانا يصل لرأسها من كان طيارا … بل ويشهد له البعض بالحكمة …!!!؟

وإلي لقاء إن الله شاء

 

ملاحظات هامة …

 

1.  اعتقد أن حديثي عن القيادة وفنها قد تخطت به الأيام حد الفكر فقط ... فقد صار واقعا يلمسه الأعمى ويتعذب به البصير ...!!

2.  من اجل أن تكون رأس القيادة وسط الأرض والناس عرف العالم مسمى " العاصمة " ... وعاصم امرنا ترك العصمة والعاصمة وتطرف بعصمة " الشرم " ... اصل الشرم أصبح عالمي دولي وليس قطري وطني ... وهكذا يكون الاعتصام بروح العصر ...!!!؟

3.  في الإسلام يجوز منح عصمة التطليق للمرأة دون إنقاص الرجل حقه في ذلك ... أما في سياسة العصر فلابد أن تصير العصمة كاملة وعلي الرجل الاعتصام حتى يهلك ...!!؟ فالبقاء للسيدة الفاضلة ...!!!؟