"الأمن" و"الوحدة الوطنية" في الصراع العربي – الصهيوني

 

 

 

بقلم: عوني فرسخ

 

     لم ينته لقاء شارون ومحمود عباس في القدس المحتلة مؤخرا الى ما كانت تروجه أجهزة الاعلام ، وبالذات العربية منها . ومما تسرب من اخبار اللقاء العتيد يتضح أن شارون لم يخرج عما اعتاده من اشتراط تفكيك بنى المقاومة قبل الدخول في أي مفاوضات باعتبار ذلك قرارا مجمعا عليه أمريكيا واسرائيليا لضمان "أمن" التجمع الاستعماري العنصري الصهيوني . فيما بدا ابو مازن متحفظا تجاه ما رأه مهددا في الصميم "الوحدة الوطنية " للشعب العربي الفلسطيني في الوطن المحتل وفي الشتات . وإذا كانت اشكاليات "الأمن " ذات أهمية استراتيجية في الفكر والعمل الصهيوني منذ بداياته الاولى ، فان قضية "الوحدة الوطنية" تعتبر في الفكر والعمل القومي العربي العام ، والوطني الفلسطيني منه الخاص ، حجر الزاوية في بناء الاستجابة الفاعلة في مواجهة التحدي الاستعماري الصهيوني .

 

     وفي كل صراعات البشر منذ بداية التاريخ تقاس كفاءة إدارة الصراع بالقدرة على تعظيم نقاط القوة الذاتية ، وتحجيم الآثار السلبية لنقاط الضعف ، التي لا يخلو منها فرد أو تجمع انساني ، واستغلال نقاط ضعف الخصم وتعظيمها بدفع التناقضات الثانوية لديه لتغدو عدائية تحتم الصدام خاصة حين تكون أطرافه متباينة المصالح والطموحات ووجهات النظر . ومن هنا يتضح انه لا تكفي فقط الدراسة المعمقة للتاريخ والواقع الاجتماعي العربي لتحديد نقاط القوة الواجبة الرعاية والتطوير وتسليط الاضواء على نقاط الضعف وتحديد سبل تحجيم آثارها السلبية ، وانما أيضا دراسة تاريخ العدو الصهيوني وواقعه بكل ابعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، وصـــولا لتحديد نقاط ضعفه الممكن استغلالها ، ونقاط قوته الواجب التحوط لها .

 

     ومنذ بروز الصهاينة المؤسسون على مسرح شرق ووسط اوروبا اواسط القرن التاسع عشر ، تميزوا بعدم الوقوف عند حد تحجيم سلبيات واقع اليهود ، وابرزها الخوف من المحيط و    ضعف الشعور بالانتماء اليه ، التي رسبتها في ثقافتهم حياة الغيتو ، وانما وظفوا ذلك الخوف ومشاعر العداء في اقتلاع ذلك "الفائض " من فقراء اليهود من ارض آبائهم واجدادهم وتهجيرهم طوعا أو قسرا الى فلسطين ، ليشكلوا المادة البشرية لمشروع استعماري استيطاني عنصري .

 

     ومنذ البداية لم يفت الاباء المؤسسين ادراك محدودية قدرات التجمع الاستيطاني العنصري الذي يسعون لاقامته في  فلسطين ، في مواجهة الامة العربية المستهدف ترابها الوطني وامنها القومي وسلامها الاجتماعي . وعلى ذلك لم يتردد هرتزل في الدعوة صراحة في كتاب "دولة اليهود" للارتباط عضويا بقوى الاستعمار ، ولم يتوقف حتى ادركته الوفاة عن طرق ابواب امبراطوريات زمانه عارضا توظيف مشروعه في خدمة مصالحها وطموحاتها الكونية . ومع أن اسرائيل غدت دولة اقليمية القدرات ، عالمية الطموحات ، وتمتلك ترسانة من اسلحة الدمار الشامل تنفرد بها دون دول الاقليم ، إلا أن الاجماع الصهيوني لما يزل منعقدا على ضرورة تطوير العلاقة العضوية بقوى الاستغلال والهيمنة ، باعتبار ذلك أهم وأخطر نقاط قوة المشروع الاستيطاني  الصهيوني .

 

     وتحسبا من الاحتمالات المستقبلية الخطرة للمتغيرات والمستجدات العربية استغلت القوى الاستعمارية مشاعر الخوف الصهيونية في اتخاذ العديد من الاجراءات المعززة قدرات الصهاينة بحجة اشعارهم بالطمأنينة . ولطالما دعت الادارة الامريكية ، وأطراف ما يسمى "المجتمع الدولي" إلى التطبيع مع اسرائيل واتخاذ ما يسمى "اجراءات الثقة " . مستهدفة انتزاع اقرار عربي عام ، وفلسطيني خاص ، بمشروعية اسرائيل ووجودها "الطبيعي" في الارض العربية ، والقبول بها شريكا قائدا في مشروع "الشرق الاوسط الكبير" .

 

     ولما كان الشعب العربي قد خرج من ظلامات قرون الاستبداد والاستغلال العثمانية وقد افتقرت مقومات وجوده القومي ، وتخدر وعي نخبه وجماهيره ، كان طبيعيا أن يستغل التحالف الاستعماري الصهيوني نقاط الضعف في الواقع العربي الفلسطيني ، وبالذات تراكمات نزاعات زعامات المدن على المراكز والنفوذ التي اعتاد إذكاء نارها  الولاة العثمانيون ليتواصل تسلطهم واستغلالهم  . ومما يسر الأمر على التحالف المضاد أن الفكر والعمل العربي القومي العام ، والفلسطيني منه الخاص ، لم يتوصل لصياغة الاستراتيجية العامة والشاملة والمستمرة لادارة الصراع مع الصهاينة ورعاتهم الاستعماريين .

 

     ولقد توالت منذ عشرينات القرن الماضي الدعوات العربية للجم التشرذم السياسي والنزاعات اللامجدية فيما بين زعامات المدن ووجهاء الريف ، وكثر المطالبون بالحوارات الموضوعية لاقامة "الوحدة الوطنية" المؤسسة على الثوابت القومية . وبعد أن تواصل مسلسل التنازلات في أعقاب توقيع اتفاق اوسلو سنة 1993 ، تزايدت أهمية "الوحدة الوطنية" والالتزام الصادق بالثوابت القومية . وكنتيجة للصدامات المتوالية مع قوى الاحتلال الصهيوني نما الوعي على ما يتهدد الحقوق الوطنية المشروعة ، وتعددت مؤشرات صيرورة قوى المقاومة الرقم الصعب غير المستطاع تجاوزه . وفي ضوء هذه الحقيقة تبدو صحة مقولة الوزير الصهيوني العمالي السابق شلومو بن عامي ، من أنه ليس هناك حكومة اسرائيلية ممكن ان تعطي الفلسطينيين ما يرضيهم ، كما أنه ليس هناك سلطة فلسطينية تستطيع ان تفرض على الفلسطينيين ما لا يرضيهم .

 

     وفي مواجهة وضوح استحالة تمرير مشروع التسوية بالشروط الأمريكية - الصهيونية ، تكثفت الضغوط على السلطة الفلسطينية لدفعها لاتخاذ اجراءات مضادة بحق فصائل المقاومة لتفجير الصراعات اللامجدية بين شركاء المسيرة والمصير . وذلك ما امتنع عن الاقدام عنه الرئيس عرفات ، وسعى لتفادي الانجرار اليه الرئيس محمود عباس بتوصله لعقد اتفاق التهدئة مع فصائل المقاومة . ولقد التزمت الفصائل بالتهدئة حرصا منها على تجنيب الساحة الفلسطينية الصراعات الدامية التي يدفع اليها التحالف المضاد ، لانقاذ اسرائيل مما تعانيه بسبب الانتفاضة ، وبخاصة تأثيرها النفسي في تجمع استيطاني مسكون حتى النخاع بالخوف ، على الرغم مما يحوزه من كل أسباب القوة .

 

     وحين يؤخذ في الحسبان أن المقاومة الباسلة التي قادها حزب الله هي التي حملت باراك على الانسحاب بليل من جنوبي لبنان ، وان الاداء المقاوم وتطويره في قطاع غزة ما اضطر شارون – بلدوزر الاستيطان – الى طرح مبادرة "الانسحاب" من قطاع غزة وتفكيك المستوطنات وتهجير مستوطنيها ، يغدو واضحا ان الضغط على نقطة ضعف العدو الاستراتيجية ، ألا وهي خوفه التقليدي وشعوره بحاجته الدائمة للامن  ، السبيل الوحيد لحمله على التسليم بالحد الادنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة .

 

     غير أن الوصول لهذه الغاية المتواضعة مستحيل في ظل التغول الامريكي ، والعربدة الصهيونية ، وتواطؤ ما يسمى "المجتمع الدولي" ، ما لم تتضافر الجهود على محاور : تطوير العمل المقاوم ، وتوفير متطلبات الصمود ماديا ومعنويا ، وتكثيف الحوارات الموضوعية لاقامة الجبهة الوطنية المؤسسة على الثوابت القومية ، ومقاومة التطبيع بكل اشكاله وصوره ، والتفاعل مع القوى العالمية الصاعدة الرافضة الليبرالية المتوحشة واستغلال الشركات متعددة الجنسيات . وهذا هو التحدي الذي تواجهه نخب فلسطين والامة العربية ، ودون ذلك مراهنات عبثية على السلام المستحيل .