صحافتنا وأجهزة الدولة
بقلم :محمد كريشان
اللقاء الذي جمع
الاثنين (27 جوان، التحرير) مدير المخابرات العامة في الأردن اللواء سميح عصفورة
بنقيب وأعضاء مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين وصفه البعض، في حد ذاته، بــ سابقة هي الأولي من نوعها في البلاد ... فيما رأي آخرون
أن ما تعهد به عصفورة من دعم وتعزيز الحريات الصحافية
في البلاد، ووقف أي حالة من حالات الرقابة المسبقة علي العمل الصحافي هو ما يمكن
وصفه فعلا بــ النادر وغير المسبوق .
التقديران صحيحان بلا
شك، فإذا ما أخذنا بالأول فإن التجربة في بلادنا العربية أعطت أن مدير المخابرات
أو مدير جهاز أمن الدولة كما يسمي في بعض الدول شخص لا علاقة له لا بالإعلام ولا
بالإعلاميين، بل ومنهم من يكن بغضاء شديدة لكليهما سواء بمنطق أن ما ينفره من
هؤلاء تنافسه معهم علي المعلومة وإن كانت لغايات وتوظيفات
مختلفة أو لقناعة منه بأن الصحافيين عموما جماعة نزقة يفضل عدم الاقتراب منها
اللهم إذا كان من بينها من شاء هو الاقتراب من الجهاز.. أما إذا أخذنا بالثاني فإن
التجربة أعطت مرة أخري أنه حتي لو تغني جميع الوزراء
بالحريات الصحافية، صدقا أو بهتانا، فإن الأكيد أن مسؤول
جهاز المخابرات لن يكون علي الأرجح من بينهم إما لأنه غير معني بالمرة بالموضوع أو
لأنه يري في كل ما هو حرية، وحرية الصحافة بالخصوص، تهديدا لقلعة الظلام ومنطق
الأقبية الذي يعشش في أدمغة رجال الأمن التقليديين وأغلب ما عندنا هم من هذا الصنف
للأسف.
إن هذا اللقاء في
الأردن، وبغض النظر عن سياقاته المحلية، تطور جدير بالاهتمام والمتابعة فمسؤولو الأمن عندنا لا يلتقون عموما بممثلي الصحف وإن فعلوها
فالمناسبة لن تكون في الغالب خوضا في أهمية حرية الصحافة بالنسبة إلي أمن البلاد
واستقراره ودورها في تقويم أي وجه من اعوجاج مسيرته وإنما للتحذير وربما التهديد
بعد التذمر من أن أهل القلم لا يقيمون وزنا لمصلحة البلاد بل ويعملون علي تشويه
صورتها عبر نشر قصص سيستغلها الحاسدون والمتربصون إلي آخر المعزوفة التي حفظها
جميعا عن ظهر قلب.
إن هذا اللقاء يطرح
في الحقيقة أهمية وجود اتصالات، ولو من حين إلي آخر، بين أصحاب القرار في مختلف
أجهزة الدولة وبين الصحافيين لوضعهم في صورة ما يجري ولو كخلفيات ليست للنشر حتي وإن عبرت فقط عن رؤية حكومية لا يشاطرها بالضرورة الجميع.
هذا ما نراه سائدا في عدد كبير من الدول الغربية حتي
أنه يطلق علي بعض الصحافيين والمعلقين بأن هذا مقرب من وزارة الخارجية وذاك علي
صلة واسعة بوزارة الدفاع أو حتي برئاسة الوزارة ورئاسة
الدولة دون أن يعني ذلك آليا أنهم عملاء لديها فهم، في معظمهم، عين الصحافة داخل
الأجهزة وليس عين الأجهزة داخل الصحافة وعلي الصحافيين.
لقاء عمان ربما يكون
بداية طريق طويل يستلزم تغير العقليات العربية الرسمية قبل كل شيء، طريق لكسر
ثنائية مقيتة في بلادنا العربية مفادها أن الصحافي إما أن يكون زلمة السلطة أو ملاحقا من قبلها، يروج للحكومة باستمرار
ويتبني مواقفها آليا بـــل ويكتب التقارير عن مؤسسته وزملائه أو يكون منبوذا
ملاحقا يتعقبه رجال الأمن فيحاربونه في لقمة عيشه وينكدون حياته وحياة أسرته فيهجر
المهنة أو الوطن أو كليهما.