أزمة أمريكية - صهيونية بسبب صفقة أسلحة إلى الصين

 

 

 

 

بقلم :توفيق المديني

 

تشهد العلاقات الأمريكية – الصهيونية توترا ملحوظا على خلفية إبرام الكيان الصهيوني صفقة جديدة  لبيع  أسلحة إلى الصين :طائرات "هاربي كيلر" التي تعمل بدون طيار والمخصصة لشن هجمات على محطات رادار ،فضلا عن بيع عدد من الطائرات الهجومية من طراز "فالكون" المتطورة، والتي سبق أن باع الكيان الصهيوني خمس طائرات منها إلى الصين في منتصف التسعينيات.هذه الطائرات قادرة على تدمير محطات الرادار والمدفعية المضادة للطائرات. وتخشى الولايات المتحدة من تأثير هذا التعاون العسكري على التوازن الاستراتيجي الدقيق بين الصين وتايوان إضافة إلى المصالح الأمريكية في منطقة آسيا والمحيط الهادي.

 

  وقد ضغطت الولايات المتحدة الأمريكية على الحكومة الصهيونيةلإلغاء صفقة لتحديث مجموعة من تلك الطائرات خشية استخدام بكين لتكنولوجيا الدفاع الاميركية المتطورة ضد تايوان. وأثارت الصفقة غضب مسؤولي الدفاع الاميركيين لأن واشنطن تنظر الى الصين على أنها المنافس المستقبلي لوضعها كالقوة العظمى الوحيدة في العالم. و أوضحت صحيفة  "هآرتس"بتا ريخ 12 يونيو الجاري أن واشنطن طالبت حليفتها المقربة بتقديم تفاصيل حول أكثر من 60 صفقة أمنية تم إبرامها أخيرا مع الصين وكذلك حول صادراتها من الأسلحة بشكل عام.

 

وفي انتظار ذلك جمد الأميركيون التعاون في مجال تصنيع مقاتلات "جي اس اف" الحديثة وفي مجال إقامة انظمة مراقبة الكترونية لمصلحة القوات العسكرية البرية، وأوقفوا أيضا تسليم أجهزة مراقبة ليلية. وقالت الصحيفة إن العلاقات توترت كذلك بين المسؤولين الكبار في وزارة الدفاع الاميركية ونظيرتها الصهيونية حيث يمتنع مسؤولو الدفاع الاميركيون عن الرد على مكالمات نظرائهم الصهاينة. واعترفت وزارة الدفاع الأميركية بوجود قلق حقيقي من الصادرات العسكرية الصهيونية ، غير أن معلقين صهاينة قالوا ان الأمر مجرد منافسة مالية.

 

وما يعكس جدية الأزمة بين واشنطن و تل أبيب شعور الكيان الصهيوني بشلل العلاقات الأمنية مع أميركا ،وجدية إدارة بوش في رفض التعامل مع المدير العام لوزارة الدفاع عاموس يارون، ومع مسؤول الأمن في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يحيئيل حوريف ورئيس بعثة المشتريات العسكرية الإسرائيلية في نيويورك كوتي .. وبحسب صحيفة "معاريف"، الصهيونية ، فإن الولايات المتحدة أبلغت الكيان الصهيوني أنها فقدت الثقة بهؤلاء المسؤولين الأمنيين وأنها لن تعمل معهم. وكانت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش طلبت إقالة أربعة مسؤولين صهاينة كبار بينهم يارون وحوريف ومور.

 

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية فرضت عقوبات على الدول التي تبيع السلاح للصين وروسيا، إلا أن القلق الأكبر جاء من صديق واشنطن الرئيس وحامي مصالحها "المدلل" في الشرق الأوسط وهو الكيان الصهيوني ، الذي رأى في مصالحه مع دولة بحجم الصين ما يكفي لأن يضرب بقرار واشنطن عرض الحائط. وكشفت التقارير الأمريكية الصادرة عن الكونجرس الأمريكي أن الكيان الصهيوني هو ثاني أكبر مُصدر للسلاح للصين بعد روسيا. وأعلنت التقارير عن خشيتها من نقل تل أبيب إلى بكين تكنولوجية أمريكية عسكرية متطورة تمكنها من تشكيل خطر محدق على مصالحها في الشرق الأقصى.كما أن لعلاقات الصين الوطيدة بإيران وكوريا الشمالية -اللتان تضعهما واشنطن ضمن ما يُسمى بمحور الشر- ما يدعو الولايات المتحدة إلى الخوف من التعاون الصهيوني - الصيني في تصدير السلاح، الذي سيصل بدوره إلى طهران وبيونج يانج.

 

عندما كان الكيان الصهيوني يلعب دوره الإستراتيجي القديم المناط به لمنع التغلغل الشيوعي في المنطقة، غضت الولايات المتحدة الطرف كثيرا عن تجارة الأسلحة الصهيونية للصين، حيث اعتبرت واشنطن أن مبيعات الأسلحة الصهيونية تساهم في توطيد أركان الدول اليهودية وتزيد من مكانتها الإقليمية والدولية.ولكن مع نهاية الحرب الباردة أدركت واشنطن أن العلاقات العسكرية بين تل أبيب وبكين تشكل تهديداً لمصالحها في آسيا، حيث تساعد الصين على لعب دور عالمي متزايد على نحو يهدد النفوذ الأمريكي.

 

وقد شهدت علاقات الكيان الصهيوني العسكرية مع الصين تطورا كبيرا منذ الثمانينات، خاصة مع شعور الصين بحاجتها إلى التكنولوجيا العسكرية الصهيونية ، والتي استفادت كثيراً من التعاون الإستراتيجي مع واشنطن، فضلا عن تراجع مبيعات الأسلحة الصهيونية في تلك الفترة إلى جنوب أفريقيا وأمريكا اللاتينية.وإضافة إلى تشابك المصالح الأمنية والعسكرية بين الصين والكيان الصهيوني ، فإن الكيان الصهيوني  يسعى  من وراء توثيق علاقاته بالصين إلى تحقيق جملة من الأهداف و المصالح التي تتنوع  ما بين أهداف إقتصادية و إستراتيجية و أمنية وعسكرية و سياسية و تتمثل أهمها:إنهاء حالة العزلة السياسية التي عانى منها الكيان الصهيوني خاصة في ظل تدهور الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، ،و سعيه إلى الإستئثار بالسوق الصينية التي يبلغ قوامها أكبر من مليار وثلث من البشر، و أصبحت بالفعل مفتوحة أمام المنتجات الصهيونية ، و رغبته في تطويق كل من باكستان و إيران و مراقبة التطورات العسكرية و النووية لكل منهما، و حاجته إلى تصدير خبراته التكنولوجية و إجتذاب تمويلات خارجية لأبحاثه. وعلاوة على ذلك، فإن بيع الأسلحة إلى الصين  وغيرها من البلدان الأخرى ، يحقق بعض الأرباح للصناعة العسكرية في الكيان الصهيوني.

 

لقد خلقت مبيعات الأسلحة الصهيونية إلى الصين أزمة حقيقية  بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة،انتقلت إلى أروقة الكونغرس،  إذ تبين من خلال تفاعلات هذه الأزمة ،أن معظم أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب الأميركيين من أنصار الكيان الصهيوني أصبحوا يؤيدون فرض القيود عليه. وهذا ما جعل شارون يرضخ لمطلب الإدارة الأمريكية و يجمد صفقة الأسلحة مع بكين ويقيل صانعيها.

 

ومن الجدير بالذكر أن الكيان الصهيوني حاول إقناع الولايات المتحدة الأمريكية أن هذه الصفقات لن تؤثر على توازن القوى بين الصين و أمريكا، إذ إن الميزانية العسكرية للصين (30 مليار دولار) لا تصل إلى 7% من ميزانية الولايات المتحدة الأمريكية (450مليار دولار).إلا إن واشنطن رفضت أي تبرير للصفقة و طلبت إلغاءها تماما.وقالت إن وتيرة ارتفاع الميزانية  العسكرية للصين تشير إلى أنها تنوي مضاعفتها لتصل إلى 200 مليار دولار في العقد القادم.

 

 

 

نقلا عن الخليج الإماراتية