الإصلاح السياسي في مصر

الدعوة إلي إتحاد فيدرالي بين قوي المعارضة الوطنية

 هشام الناصر

Alnasser_Hesham@yahoo.com

علي قدر أهل العزم تحط العزائم، وتأتي علي قدر الكرام المكارم. مقولة تحسن توصيف حالة التطلع الآمل للجماهير والنخبة العربية إلي انتفاضة الإصلاح المصرية، كمثل وقدوة وقيادة وريادة تهدف إلي تحقيق الهدف الأسمى وهو (الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية)، وهما جناحي المواطنة السوية، فالنجاح عالي الاحتمال إن نجحوا والفشل محتوم إن فشلوا، وتلك حقيقة راسخة يقينية لن نجهد أنفسنا في إثباتها وبرهانها فالكل أعلم بها من خليج الأمة إلي محيطها، بل ومن كافة المتربصين حولها.

والحمد لله رب العالمين أن قيادات العمل الوطني ورموز الفكر القومي قد أدركوا تلك الحقيقة اليقينية وما تحمله في طياتها من مسئولية (تاريخية)، أي أنها مسئولية وتكليف لا امتياز وتشريف، تأتي في لحظة حرجة فارقة في حياة الأمة العربية والإسلامية، تكاد تماثل إن لم تكن تفوق فترات أخطار الاكتساح التتاري والحملات الصليبية. والفارق هنا أن (العدو) في غابر الأزمان كان خارجيا، مغوليا تتاريا أو صليبيا أوربيا، وكانت الدول والأقاليم بزعاماتها وقيادتها وشيوخها وشعبها هم الذين يتصدون ويتصدرون للأخطار وحماية شرف الديار، أما الآن وبعد النجاح المذهل للقوي المعادية للعرب والإسلام في تطويع القيادات العربية والزعامات المتأسلمة لا الإسلامية، منذ بدايات السبعينات، لخدمة غاياتها الاستعمارية، وهو أمر لا تخفيه أو تحاول أن تداريه وإن كانت بأكاذيب منسقة تجمله وبمصطلحات منمقة تدلله ، فقد أصبحت الجماهير الشعبية بقيادتها الوطنية الآن وحدها في الميدان، مسئولة أمام ضميرها وقبل ذلك أمام ربها لحماية هويتها وعقيدتها وسلامة الأوطان، ضد عدوها الطبيعي الخارجي (Natural Enemy) وضد الطابور الخامس الداخلي.

ولقد زخرت الأيام القلية الماضية بالعشرات من التقارير والمقالات والمقولات كنتائج بحثية فردية أو نتاج ورش عمل جماعية تعرض في طياتها محاولات تصنيف الداء وتوصيف عموم الدواء، والتي نراها إن تجمعت لتكاملت وكونت (مرجعية ومنهجية وآلية تنفيذية) تزيل من بين أطياف المعارضة الوطنية اختلافها وتضادها وتحولهم من قوي متشرذمة أمام السلطة إلي ند لها.

ومن تلك الأعمال كمثال، هناك دعوة (حلف الفضول) للأخ الكريم (فهمي هويدي)، وهناك دعوة أستاذ علم الاجتماع السياسي (السيد ياسين ) إلي ضرورة صياغة (قواعد منهجية للتحول الديموقراطي) وعدم إغفال (تحديات التطبيق العملي علي أرض الواقع)، مع ملاحظة أنها تتحدث عن إصلاح السلطة الحالية لذاتها وليس عن إحلالها وتغيرها، وهناك ورقة العمل الممتازة المتميزة التي أطلقتها مجموعة مثقفة واعية من حركة (كفاية) المصرية، وهي رؤية نقدية ذاتية من داخل الحركة ومحاولة لتقديم مقترح إيجابي لبناء إطار تحالفي مع قوي المعارضة الوطنية المصرية الفاعلة وخاصة الجماعات الإسلامية وعلي رأسهم الإخوان المسلمين، وأخيرا وليس أخرا، هناك تقرير الناشط البحريني (عبد النبي العكري) عن نتاج ورشة العمل التي نظمها المركز اللبناني للدراسات بالتعاون مع مؤسسة (كونارد اديناور) بعنوان (الأحزاب السياسية في العالم العربي، التحديات الراهنة ومجالات الإصلاح).

وإتباعا لأسلوب الأخ الكريم (هويدي) في البدء بالاستنتاج والمرام من أخر الكلام، ثم البرهان والإثبات بالمعطيات والمقدمات، وهو بالمناسبة أسلوب علمي متبع في (البرهان الرياضي)، فإما أن تبدأ بالمقدمات (Premises) واستخدام القواعد المرجعية إلي الاستنتاج والنتيجة النهائية (Conclusion)، أو أن تبدأ بالخلاصة والحكم النهائي وتقوم بالتدليل عليه بالمقدمات كمعطيات وتربيطها بما يلزم من قواعد حاكمة وعلاقات (Rules)، وهما أسلوبان يسميهما أهل العلم (Top Down and Bottom up Approaches).

نقول أن الإشكالية (الموضوعية وليست الترهات الشخصية) الكبري بين قوي المعارضة الوطنية تقبع في مصطلحين أثنين هما (الديموقراطية وبنية الدولة)، وهي تختزل ما وصفه الأخ الكريم (هويدي) عن الاختلافات المتمثلة في (الفلسفة والمرجعية والمقاصد النهائية)، وأما الحل الأمثل (في رأينا) وبدلا من دعاوى التحالف الإندماجى المثالي النموذجي الذي يصعب تحقيقه، علي الأقل حاليا وتحت ضغط عامل الوقت،  يمكن أن يكون في إنشاء (تحالف فيدرالي) بين قوي المعارضة الوطنية، الأمر الذي يضمن لكل فصيل خصوصيته ويحافظ علي معتقداته ومرجعيته ويكون الاتفاق علي (تنظيم رئاسي أو قيادي جامع مشترك) يحوي نقاط الإلتقاء في (مفاهيم) العقائد والمذاهب، وما أكثرها بين الدينيين والعلمانيين أو بين الإسلاميين والمسيحيين، ويكون بمثابة الرأس المفكر والعقل المدبر المختص بوضع (منهجية العمل أو خارطة الطريق) وتحديد آليات التنفيذ ووسائل الدعم والتعزيز (الداخلية والخارجية)، وتخضع له كل الفصائل الفرعية بمختلف أنواعها لوجود زعامتها ورموزها وقياداتها المعبرة عن فكرها وأيديولوجيتها ممثلة في صلب تشكيلها.

*******************

الديموقراطية ليست رجسا من عمل الشيطان:

الديموقراطية هي كلمة لاتينية (ديموكراسيا أو ديموكراسي)، معناها الحرفي هو (صوت الشعب)، أما مقصودها السياسي ومدلولها الاجتماعي فهو أن يكون لصوت المواطنين (الجماهير) القوة والتأثير في تفويض من يرونه صالحا لإداراتهم وتحقيق ضرورياتهم، وأن تكون القواعد المنظمة لحياتهم (التشريعات والقوانين المنظمة لإدارة شئون الدولة) بقبولهم وموافقتهم، أي أن تكون لهم الحرية السياسية والمشاركة المباشرة أو الغير مباشرة في إدارة شئون الدولة التنظيمية. والديموقراطية ليست هدفا في ذاتها بل هي (وسيلة أو آلية) لممارسة الحرية السياسية، فالحرية هي الغاية والديموقراطية هي الوسيلة.

وإلي هنا والتعريف يظل قاصرا وناقصا، فلا حرية بدون (قيود) تنظيمية وأطر ومفاهيم عامة مرجعية. حتى في أعتي النظم الديموقراطية مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، سنجد أن ممارسة هذا (الحق) السياسي مباح فقط في أطر خاضعة لمبادئ مشتقة من مفاهيم عقيدتهم. فهل يمكن أن يتم تأسيس حزب ماركسي أو لينيني أو جيفاري في الولايات المتحدة كمثال، هذا من المحال، وفي المذبحة (المكارثية) خير مثال.

وإذا كنا نلوم الغرب علي جهالته لحكمة علي إسلامنا بسوء تطبيق بعض سفهاءنا (!!)، فكيف نحكم علي (مفاهيم) الديموقراطية من تطبيقات الآخرين المختلفين عنا في الثقافة والدين ؟؟؟.

إذا أخذنا (الديموقراطية) علي كونها (الحرية السياسية) للمواطنين في (إطار مرجعي) سنجدها أقرب إلي مفاهيمنا الإسلامية وثقافتنا العربية. فالله عز وجل قد أنزل الكتاب وجعل الحق علي لسان رسوله الكريم وفي قلبه، وفيهما الإطار المنظم للحياة، فما نهي عنه حرام وما أحله حلال وما سكت عنه فهو من عفو الرحمن علي بني الإنسان. والله عز وجل ليس بظالم للعبيد يوم الحساب حيث الثواب والعقاب، فهو يحاسبه علي (قراراته)، والقرار لا يكون إلا للأحرار.

ونحن الأعلم بدنيانا بشهادة رسولنا الكريم، ولنا (الحرية) التامة داخل الإطار العقائدي، فلا نحرم حلالا ولا نحلل حراما وما كان بنص (قرآني أو من صحيح الحديث) نفذناه، وما غُم علينا ففي فقهنا وفقهاءنا الخلاص والملاذ.

نسميها (ديموقراطية) أو أي من المسميات الأخرى، المهم أن يكون لصوتنا تأثيره (وإلزامه) وقوته في تفويض من نراه صالحا مزيلا للآلام معبرا عن الآمال، وان نكون أحرارا في شئون حياتنا، منصاعين بالعبودية (المطلقة) لله عز وجل وحده.

والعبودية المطلقة لله هي قمة الحرية أو قل هي الحرية المطلقة (!!!)، فهو المرجعية الوحيدة السامية التي نصبو إليها ولا مرجعية سواه، ومن ثم فليس لنا إلا سيدا واحدا، والكل مستوون فيما عداه، لا تمييز ولا تشريف إلا لمن يستحق، بعمله وعلمه وورعه وتقواه.

***************************

المعارضة الوطنية تحتاج إلي منظومة تحاكي منظومة الدولة

نقول في السياق بالنسبة لموضوع الدولة، أن هناك الكثير من العلماء والمفكرين الإسلاميين قد أجمعوا علي عدم وجود شكل محدد للدولة الإسلامية، لا إمارة ولا مملكة ولا سلطنه ولا إمبراطورية ولا خلافة ولا جمهورية، ولكن هناك مفاهيم عامة وقواعد تنظيمية حاكمة لإنشاء قواعد الدولة الإسلامية أساسها (العدل) بين الرعية.

أما عن الأحاديث المتناثرة من بعض الفصائل عما يسمي (بدولة الخلافة الإسلامية)، فنحن نوافقهم ولا نعارضهم (ونحلم) معهم بأن يأتينا يوم تكون في الأمة الإسلامية دولة واحدة قوية، وليكن (مركزها) هو البلد الأصلح وحاكمها أو خليفتها هو الأكثر قوة وتقوي وعدلا، وحتى يأتي الميعاد دعونا نقبل بالنظام الجمهوري الحالي في بلدنا المحروسة مصر، ونعمل جاهدين لتقوية أمرها وإعلاء شأنها، عسي أن يتحقق الأمل المنشود علي يد أحفادنا أو أحفاد أحفادنا أو حتى أحفاد أحفاد أحفادنا، لإنشاء الخلافة الإسلامية بهدف مرحلي هو (الولايات المتحدة العربية) وبغاية كبري هو (الولايات المتحدة الإسلامية).

وقبيل الخوض في تفصيل التناظر بين الدولة وبنائية المعارضة لنرجع قليلا إلي "فكر وفلسفة" إقامة الدولة بعمومها، و"الفاضل" منها بخصوصها، وهو ما تناوله العديد من أصحاب الفكر حديثا وقديما، عربا وعجما، نذكر منهم (كمثال): أفلاطون، دانتي، أبن خلدون، والفارابي، بل وأن طاغور (شاعر الهند العظيم) قد قام بعمل نموذج مصغر لمجتمعه الفاضل في مقاطعته الخاصة!!. وقد لا نتفق معهم تماما (لاختلاف المفاهيم وطبيعة عصرية الحياة) ولكن هناك من الأساسيات ما هو غير قابل للنقاش أو الخلاف. ودعونا وبشيء من الاجتهادية، نناقش (الدولة) وهيكلتها البنائية:

1 – الدولة عبارة عن (منظومة) ديناميكية، بمعني تفاعلها مع البيئة المحيطة، لا يكمن عزلها وانعزالها.

2 – هذه المنظومة تتكون من (وحدات وظيفية) Functional Units، تجمعات، أفراد، مؤسسات، تنظيمات، تترابط فيما بينها، وتتفاعل مع أقرانها، تحت (تحكم وسيطرة) متمثلا في قواعد نظامية وأجهزة ووسائل تحكمية، لأداء عملا ما (أعمال الدولة)، لتحقيق هدفا ما (أهداف الدولة).

3 – من أهم مهام (التحكم والسيطرة) هو عمل الضبط والتوافق والتناغم بين وحدات المنظومة الوظيفية المختلفة، لضمان حسن الأداء وعلاج الانحراف Deviation، وإجراء أعمال التسوية والضبط Adjustments.

4 – لابد أن تنبع (القواعد النظامية)، اللازمة لأداء أعمال التحكم والسيطرة، من مشكاة (مفاهيم) قياسية إنسانية عقلانية، يقوم باشتقاقها (العلماء والحكماء).

5 – مشكاة المفاهيم، علي مستوي المجتمعات الإنسانية، مصدرها ثقافات، بما تحويه من تجارب متراكمة Accumulated Experiences، وإيمان ومعتقدات Believes. وعلي أرضيات الحضارات تُمثل هذه المشكاة بالعقائد الدينية، أو حتى الفكرية.

ولعل ما ذهب إلية أفلاطون في جمهوريته، يتواءم وجوهره مع هذه الأساسيات، فقد انحاز (للحكماء) ووضعهم علي رأس جمهوريته، فهم أصحاب التشريع والقضاء، ثم وضع (الجند أو العسكر) في المرتبة الثانية، فهم حماه الجمهورية من أعدائها بخارجها ولحفظ النظام داخلها، ثم أدرج (التجار) في المرتبة الثالثة، وهم العنصر الديناميكي لحركة البضائع والإنتاج والأموال، وأخيرا (العامة) بما يمثلونه من وسائل إنتاج وأعمال أخري.

ولم يفصح لنا أفلاطون عن (مشكاة المفاهيم)، والتي منها تُشتق (القواعد المنظمة)، وهو ما أُصطلح علية (عصريا) بالقوانين وقوانين القوانين (الدساتير)، ولعلة أعتمد علي محصلة (أعمال فلاسفة اليونان) بدءً من سقراط، وما تراكم من خبرات ونتائج ممارسات.

ويجب أن يأخذ التنظيم السياسي المعارض للسلطة الحاكمة شكل نمذجي مقارب لتلك البنائية، فهو كمنظومة يجب أن يكون ديناميكي متفاعل مع الوسط الخارجي لا خامل إستاتيكي، وهو يتكون من وحدات وظيفية بينها ارتباط وعلاقات، وهو له مهام يؤديها وأهداف يصبو إليها، وهو يحتاج للتنظيم والإدارة بمجموعة من القواعد النظامية، وهو يحتاج إلي مفاهيم قياسية مرجعية سواء أكانت إنسانية عقلانية، وكل هذا يتم بمنهجية وآلية تنفيذية.

ومن هنا تظهر أهمية (مشكاة المفاهيم) التي لن تتأتي إلا بتكوين (حلف الفضول أو الفضلاء) الذي أشار إليه الأخ الكريم (هويدي) في مقاله، وهذا الحلف هو المسئول عن تشييد (منهجية) أو خارطة طريق، فالمصطلحان مترادفان ويعنيان مجموعة الخطوات ذات العلاقة اللازمة لأداء عمل ما ولتحقيق هدف ما، مع تحديد الآليات والمهام والأدوار والأهم هو (الخطوات البديلة) في حالات التعثر. وهو ما أشار إلية الأستاذ (سيد ياسين) في البحث عن منهجية ومراعاة التطبيق العملي.

ومن الطريف، أنه في عالم الصناعات والأعمال، لا تُعطي (شهادة الجودة) إلا لمن كانت لدية (منهجية)، والمنهجية تُشتق مما يُسمي (بمدرسة منهجيات)، وكمثال في عالم (نظم المعلومات)، فهناك (مدارس مفاهيم منهجية) School of Methodologies، ومنها ما يسمي بـ (هندسة المعلومات)، ثم منهجيات مختلفة تعتمد علي هذه المدرسة، للتطبيق والإنتاج. ولذا فلنسأل أنفسنا سؤال، ما هي المنهجية التي نسير علي منوالها، لتنظيم الأفعال وإدارة الأعمال؟؟؟، والجواب ليس عسيرا أو صعب المنال، فالواقع والحال يشي بما لا يقال، فإن لم يكن هناك منهجية، فلا جودة .. بل فوضوية!!

*****************************

مقتطفات من الأوراق الربعة:

1 - المعوق الرئيس المعطل للإجماع الوطني في رأي (هويدي)، وهو محق تماما، يتمثل في الخلاف (العلماني الإسلامي)، ومن ثم فهناك مسؤولية اللحظة التاريخية الراهنة التي تملا بها الأمة وتفرض على الجميع أن يرتفعوا فوق حساباتهم ومراراتهم، وأن يسارعوا إلى رأب ذلك الصدع الخطير. وإذا لم يفعلوها الآن وليس غدا، فلن يُغفر لهم ذلك، في الدنيا والآخرة. والدنيا هنا للعلمانيين والآخرة للإسلاميين.

2 – يدعو (هويدي) إلي إنشاء (حلف فضول) جديد يعقده الطرفان بأطيافهما المختلفة، ومنه ينطلق الجميع لتحقيق الأهداف الوطنية المشتركة، التي تصب في وعاء الإصلاح السياسي وإحداث التغيير المنشود. ويضيف أن ثمة إجماعا على تشخيص الحالة ولكن الخلاف السياسي يدور حول الإجابة على مختلف أسئلة العلاج. وحلف الفضول تحالف بين فضلاء مكة قبل الإسلام تعاهدوا فيه بألا يدعوا ببطن مكة مظلوما من أهلها أو من سائر الناس إلا كانوا معه على ظالمه حتى ترد له مظلمته.

3 – أما لماذا فكرة الحلف الآن فيعرض هويدي أسبابه وفيها إسقاط علي الواقع المصري والعربي كالآتي: يعتبر الحلف نقله تاريخية حضارية جعلت منه أول تجمع في التاريخ للدفاع عن حقوق الضعفاء أو حقوق الإنسان بلغة زماننا، ولأنه حلف أهلي خالص انعقدت جولة إرادة الفضلاء الشرفاء في المجتمع، ولأنه استهدف نصرة المظلومين قاطبة من أهل مكة أو من غيرها.، ولأن نبل الهدف فيه جعله متجاوزا الأيديولوجيات حتى باركه وتمنى الانضمام اليه نبي الإسلام رغم أن إطرافه الأصليين كانوا مشركين. وتلك السمات جعلت من الحلف مرشحا للاحتذاء من جانب نخبة الفضلاء الذين اختاروا نصرة أمتهم واجتمعت إرادتهم حول ذلك الهدف النبيل، رغم ما بينهم من اختلاف في المعتقدات أو الاجتهادات وهو أكثر ما يحتاجه التحرك المصري الآن.

4 – وما نعرضه في سياق فكرة أخونا (هويدي) أن يأخذ هذا التحالف الشكل الفيدرالي (علي الأقل) لا الكونفودرالي (!!)، فتحتفظ الأطياف والفصائل بأفكارها وعقائدها لكنها تخضع لقيادة واحدة عادلة التنظيم. أما عن مواصفات (عدالة التنظيم) فقد أشارت إلية ورقة مجموعة كفاية بأن يتم التحالف بالتنظيمات وليس بالأفراد مع مراعاة الحجم الفعلي للقوي المختلفة في مجموعة القيادة العليا.

5 – وهناك حقيقتان أتفق فيهما (هويدي) مع (ورقة مجموعة كفاية) وهي أن مشاركة الجماعات الإسلامية نعطي التحرك الشعبي القوة والمدى (النطاق)، فبدلا من العشرات أو المئات يمكن أن يصل التحرك إلي مئات الألوف وقد يفوق المليون، وبدلا من الاقتصار علي أحياء معينة في المدن الكبرى (القاهرة والإسكندرية) يمكن أن يشمل كافة محافظات الجمهورية (حتى أسيوط الذي ادعي البعض أن حضور الإخوان فيها خافتا ضعيفا).

6 – عن الضمان الذي يضمن عدم (انقلاب) طرف علي الآخر، فهو التعهد بميثاق بألا يكون الفصيل المشارك طرفا في أي عمل من أعمال العنف المسلح مستقبلا، وان يخضع لخيار طريق التعبير السلمي وقواعد الديموقراطية، فليس لأحد أن يملي علي الآخر ما الذي ينبغي أن يقوله أو يفعله في أدائه السياسي.

7 – ويحذرنا الأستاذ (ياسين) في مقاله بأن انتقال النظام السياسي المصري من (السلطوية) إلى الليبرالية والديمقراطية أشبه بالسير في طريق مزروع بالألغام. ويصف كودار النظام السلطوي بمحدودية الفكر والقدرات لأن النظام السلطوي عادة ما يركز على عدد محدود من الشخصيات السياسية يدير بهم العملية السياسية بطريقته مع تركيز شديد على رأس الدولة باعتباره هو بمفرده رأس الحكمة ومصدر الإلهام. وفي هذا السياق ووفق خطة مدروسة (!) يتم القضاء أولاً بأول على المواهب الفكرية المبدعة، وعلى الشخصيات العامة الواعدة، حتى لا يبقى على المسرح سوى الشخوص السياسية السلطوية التي لا ولاء لها إلا لرأس الدولة.

وهو هنا يتحدث عن حالة إصلاح السلطة الحالية لنفسها، أي أن تقوم بتغيير نظامها بنفس رجالها (!!). فهو يتحدث عن حالة الانتقال غير المنظم من السلطوية إلى الديمقراطية وما يترتب عليه من انسحاب الدولة من أداء عديد من وظائفها التنموية والخدمية والذي قد يؤدي إلى ترك المواطنين في العراء بدون أي حماية، على أساس أن كل مواطن ينبغي أن يبحث بنفسه عن سكن وعن عمل، بعدما تعود الشعب علي تفويض الدولة في أموره مقابل إشباع حاجاته الأساسية في الغذاء والسكن والعمل، وهو الأمر الذي سيؤدي إلي استفحال ظاهرة البطالة وخصوصاً بين الشباب.

8 – وحديث الأستاذ (ياسين) لا يتوافق ودعوانا إلي الإصلاح بتغيير النظام القائم الحالي، ولكن نأخذ منه (فكرة) مجموعة الأسئلة التي أستعارها من أحد الباحثين الأمريكيين (ذي الأصل التشيكي) في دراسته للتحولات الإصلاحية في أوربا الشرقية، ونعيد صياغتها للتوائم مع حالتنا كالآتي:

أ - ما هو موقفنا الحالي (موقف السلطة، موقف القوي الوطنية المعارضة).

ب – ما هي الغاية التي نريد أن نصبو إليها  (Destination) ؟.

ج – كيف يمكن تقسيم المسافة بين (أ ، ب) إلي أهداف مرحلية ؟؟

د – كيف نصل من نقطة لأخرى، وما هي الخيارات والبدائل ؟؟

هـ – ماهي الوسائل والموارد المطلوبة ومدي توفرها (الحالي والمستقبلي، والمحلي والخارجي)؟؟ وكلمة خارجي هنا مقصود بها المنظات الدولية، المحكمة الجنائية الدولية وجمعيات حقوق الإنسان ومناهضة التعذيب كمثال.

و – ما هو المطلوب تغيره وما الذي يمكن الإبقاء عليه (مرحليا أو دائما) ؟؟

ز – ما هي الأعمال المطلوبة لتنفيذ المهام المختلفة وللوصل إلي الأهداف المرحلية.

ح – ماهي الأدوار المطلوبة (Roles) وتوزيعها علي الكوادر المتاحة ؟؟

ط – ماهي المخاطر المحتملة (Potential amount of losses) ؟؟.

ى – ما هي التغيرات المتوقعة (الإقليمية والدولية) وكيف يمكن إدارتها ؟؟

ومجموعة الأسئلة السابقة هي مخالفة تماما لما عرضة الأستاذ (ياسين)، وهي ليست إلا نموذجا لمجموعة من الأسئلة يجب وضعها والبحث عن إجابات لها.

ومن الملاحظ أن هذا الأسلوب هو المتبع في (التخطيط المنهجي) لأداء الأعمال التي تتصف بسمة المستقبلية. ومع ملاحظة أن الدخول المباشر في التفصيلات سيعيق حتى عملية التخطيط وليس التنفيذ فقط، لذا يجب أن يتم البدء بصورة (بانورامية) عامة يمكن تسميتها الصورة العامة (General Picture) وهي أكبر قليلا من إعلان مبادئ وأقل من الأعمال التفصيلية.

9 – ومن النقاط الجديرة بالذكر في تقرير ورشة العمل الخاصة بالأحزاب السياسية والإصلاح في العالم العربي نستعرض النتائج الآتية:

أ - إن ما يعرف (بالحزب الحاكم) في الدول العربية هو في حقيقته (حزب الحاكم)، فالحاكم أقوى من الحزب وهو الذي يصيغ سياساته وبرامجه وينتفي قياداته، ليكون احد وسائل سيطرته إلى جانب جهاز الدولة وخصوصا الجهازين العسكري والأمني. ولعل هذا ما ينطبق (تماما) علي الحالة المصرية والتي تكاد ان تكون النموذج الأكبر في ذلك (!!).

ب - ان ما يعرف بأحزاب المعارضة ليست مطلقة في معارضتها (!!) ولا تطمح للوصول إلى الحكم والذي هو هدف مشروع لأي حزب سياسي، فما هو موجود في معظم البلدان العربية هي أحزاب معارضة محصورة في حيز ضيق لا بحيث تمثل البديل للحزب الحاكم، بل لتضفي عليه مصداقية، ولتنفيس الاحتقان السياسي والتباهي أمام الدول الغربية لاستحقاق رضاها ومساعداتها. هناك حصة أحيانا في البرلمان لا تتعداها وصحافة محدودة الانتشار وتهميش من قبل الدولة. وكتعليق نقول: ان من (الرعب) ان نتخيل ان هذا يمكن ان ينطبق علي (جماعة الإخوان) وخاصة بعدما تسرب من أخبار عن (صفقة) الإفراج عن المعتقلين وكذا موضوع السبعين مقعدا في البرلمان القدم (!!!؟؟؟؟؟).

ج - ان غالبية أحزاب المعارضة غير متفقة في البلد الواحد على مشروع للإصلاح وغير متكاتفة في النضال من اجله، ولازالت الخلافات الجزئية تفرقها كما أنها عاجزة في أكثرها على استنهاض الجماهير لقرض هذا الإصلاح.  ومن العجب العجاب هو في التقاء معظم الأحزاب العربية الحاكمة والمعارضة على معارضة مشاريع الإصلاح الأجنبية ( الأمريكية والأوربية) باعتبارها تستهدف الهمينة وكأننا لسنا واقعين بالفعل تحتها، وكأننا لسنا محتلين إرادة وأرضا، و هناك القلة التي تتعاطى مع هذه المشاريع بموضوعيه وعقلانية فتؤيد ما هو حق وترفض ما هو باطل، ولا شك ان للغرب مصالحة من مشاريع الإصلاح، ولكن أليست هناك مصالح مشتركة في ذلك الإصلاح ؟؟؟؟. ونضيف ونقول: ماهي الوسيلة المثلي لتجنب صدام مع القوي المهيمنة عالميا أثناء السعي لتغيير السلطة الحالية ؟؟؟.

وفي الختام، نري أن المشكلة الكبرى في فصائل المعارضة المصرية هي وجود الضبابية بين (الانتهازية السياسية)، التي يراها البعض حقا مشروعا في استغلاله للأزمة الحالية في تعضيد موقف حزبه أو مكاسب جماعته أو حتى موقف شخصه (!!!؟؟؟؟)، وبين التجرد الوطني التام الذي يسمو فوق المصالح الشخصية وتلك هي قمة المثالية.

وأيضا نقول: أنه لايمكن توصيف هذين المتناقضين كفئتين منفصلتين صريحتين (Crisp) !!!، بل هما أقرب إلي أن يكونوا نقطتين علي خط مستقيم، وكل لاعب علي مسرح الأحداث يقع بينهما في مكان ما (!!)، وطبقا لهذا الموقع سيلاقي جزاه.

وللحديث بقية إن كان لنا في العمر بقية