الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر عصب النظام السياسى الاسلامى
بقلم: مجدي حسين
" و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير
و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون " 104
آل عمران
"كنتم خير أمة أخرجت للناس
تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون بالله "
110 آل عمران
كتبت
دراسة مطولة على ضوء هاتين الآيتين "الجهاد صناعة الأمة - بحث فى
فريضة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر " فهل يمكن أن نزيد عليها الآن . نعم و لكن من
زاوية كشف طبيعة النظام السياسى الاسلامى ، فقد كان بحثى السابق ينصب على فريضة
المعارضة السياسية فى الاسلام ، و وجوب و حتمية مواجهة الظلم و الظالمين الاستكبار و
المستكبرين ، و ان ذلك ليس جزءا متمما للعقيدة فحسب بل هو فى جوهرها .
أما
الزاوية التى نركز عليها فى هذه الدراسة ، فهى اكتشاف ملامح النظام
السياسى الاسلامى من خلال هذه الفريضة الجوهرية ، التى
أعتبرها الله سبحانه و تعالى دليل و قرينة و شرط أن تكون أمتنا هى خير أمة
أخرجت
للناس ، بحيث ان التخلى عن هذه الفريضة يفقدنا صفة الخيرية . و يفقدنا
بالتالى
عبوديتنا لله عز و جل .
إن تدبر
المعانى العميقة لـ " الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر " يصل بنا الى الجهاز
العصبى الذى يحكم جسد المجتمع المسلم ، و انه نظام اجتماعى شامل على
جوهره و محوره يقوم نظام الشورى ، و من الملفت للانتباه أن آية الشورى
سترد بعد قليل فى سورة آل عمران و كأننا أمام عملية تركيبية متصاعدة لهيكل النظام
الاسلامى : (1) العدل أساس الحكم . (2) شروط و مواصفات الحاكم بعد العدل :
العلم - الكفاءة - السلامة الجسدية و الصحية . (3) لا إكراه فى الدين. (4) سنة التدافع. (5) الأمر و النهى .
(6) الشورى .
و يتفق
العلماء و المفسرون و الفقهاء بلا خلاف حول المعانى الأساسية لفريضة
الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر ، و يمكن أن نجملها فى التالى :
أولا :
أن دائرة الأمر و النهى أوسع من دائرة الحلال و الحرام ، فاذا كان من
الطبيعى ان يشمل المعروف الحلال ، و المنكر الحرام ، و الحلال بين و الحرام
بين ، و بينهما أمور متشابهات يحسمها العلماء . إلا ان المنكر قد يشمل أمورا مباحة
فى حد ذاتها ، و لكنها فى زمان و مكان محددين تكون ضارة بالمجتمع . مثلا لا شك أن
تعمير الصحراء حلال و مطلوب ، إلا ان دراسة جدوى لمشروع محدد (كمشروع توشكى مثلا
) يمكن ان تثبت أنه اهدار للمال العام دون جدوى اقتصادية من أجل صناعة مجد شخصى
زائف للحاكم ، و من هنا يكون انتقاد المشروع و النهى عنه أمر واجب شرعا .
اذن فان
دائرة المعروف و المنكر تمتد لتشمل كل جوانب الحياة السياسية و
الاجتماعية و الاقتصادية ، و من بينها أمور قاطعة تمس دائرة الحلال و الحرام و لا
تحتاج لأى إجتهاد ، و هناك أمور تحتمل وجهات النظر و تحتاج للعلماء و المتخصصين كى
يحسموها ، و هى الأمور المتعلقة بالمصلحة ، و لكننا سنجدها فى النهاية تنضبط بقواعد
الشرع ، و لاشك أن كثيرا من هذه الأمور سيرد تفصيلها عند الحديث عن نظام
الشورى .
و هناك
إعجاز بلاغى فى تحديد هذين المصطلحين "المعروف" و
"المنكر" ، فالمعروف هو الشئ الذى يعرفه الناس و المنكر هو
الشئ
الذى يجهلونه ، كما نقول ببساطة فى حديثنا اليومى : هذا شخص معروف و هذا شخص
نكرة . و
هذا المعنى يشير الى أن فطرة الانسان تدله على الخير و تعزفه عن الشر ، و
لذلك جبل
الانسان على انكار الأعمال الشريرة التى يرتكبها ، و لا يوجد انسان عاقل و
متزن
يجاهر بأعماله الشريرة ، بل هو ينكرها أمام الناس و ليس فقط عندما يقع فى يد
العدالة .
إذن
دائرة الأمر و النهى تشمل شتى أمور المجتمع و تتطابق مع ما نسميه الآن
العمل السياسى و لكن بالتسلح بالمنهج الربانى ، و عموده الفقرى : الحلال و
الحرام و لكنه يشمل أيضا الأمور و القضايا و المشكلات المستجدة التى تحتمل
وجهات نظر لكن لابد ان تحسم باستبيان الأمر الشرعى من العلماء
و
المتخصصين و استقرار المجتمع بوسائل الشورى على تصنيف المسألة المستجدة بين
المعروف
و المنكر ،لأنها كما ذكرنا قد تكون أمور ليست محرمة فى حد ذاتها . لذا نرى
الآية
الكريمة "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر"
جاءت لتشمل كافى مناحى الحياة ، و ليست كما اختزلها البعض فى عدد من
النقاط التى تمس العبادات و الأخلاقيات فحسب (كالخمور و
اللهو الحرام و ارتداء الحجاب و ايقاف العمل أثناء مواعيد الصلاة ، و معاقبة
المفطر علنا فى شهر رمضان ) .
ثانيا :
ان الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر واجب على كل مسلم و مسلمة و ليس
مجرد حق ، و هذا ما يرفع مستواه الى أعلى من مستوى الحقوق فى المفهوم
الديموقراطى الغربى ، فالحق يمكنك ان تستخدمه أو لا تستخدمه ، أما الواجب فيتعين
عليك القيام به كى يصح اعتقادك الدينى ، و بالتالى فان ممارسة "الأمر و النهى
" قربى لله سبحانه و تعالى الذى يحض عليها ، و يعتبرها من
جوهر
عبادته ، و اعتبار ان هذا واجب "و المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض
يأمرون
بالمعروف و ينهون عن المنكر و يقيمون الصلاة " يرفع من مستوى الأداء
الاصلاحى
للمجتمع ، لانه لا يحتمل التقصير فيه ، و لا يجعله اختيارا ، فتزداد عناصر
مقاومة
الجسد للأمراض الاجتماعية ، فيصبح "الأمر و النهى " هو كرات الدم
البيضاء التى تطرد الخبث من الجسم و تحصاره ، تصبح جهاز المناعة الطبيعى
عندما يعمل فى أقصى درجات فاعليته .
فى
التجربة الديموقراطية الغربية ، أنت غير مطالب بمواجهة الاعوجاج فى المجتمع
، فأنت حر طالما تتصور ان الاعوجاج لا يمسك فى عدم الالتفات إليه و اصلاحه .
مثلا
عندما تنشر الصحف الأمريكية عن فساد تشينى ورامسفلد (استغلال علاقتهما
بشركة هاليبورتون ) و فساد بوش نفسه (فضيحة أثرون ) ، فمن
السهل أن تطوى هذه الصفحة و كأن شيئا لم يكن ، و لا يشعر أى مواطن أمريكى
بأنه
مطالب بمتابعة القضية الى النهاية ، و لا يوجد فى المعتقد الدينى أو السياسى
ما يحض
على ذلك .
و أثناء
زيارتى للولايات المتحدة دار حوار ذا مغزى بينى و
بين مرافقتى ، فقد لاحظت استيائى الشديد من السائق الذى لا يخفى
شذوذه
الجنسى ، و انه يريد ان ينتهى من توصيلنا حتى لا يفوته موعده مع صديقه . و
أخذت
أسألها هل يمكن للشاذ جنسيا أن يكون عضوا فى الكونجرس ، قالت نعم يمكن خاصة فى
مناطق
تمركزهم مثل هنا فى سان فرانسيسكو.
و سألتها
هل يمكن للوزراء و الرئيس أن يكونوا من الشواذ ، قالت : ليس بعد .
و لكنها
عادت لتسألنى : لماذا أنت مهتم و منزعج من الأمر لهذا الحد . فقلت لها :
ما رأيك أنت هل ترين أن الشذوذ الجنسى أمر طيب و طبيعى . قالت : لا
، و لكن لا أهتم بهذا الأمر فسألتها ما هو شعورك اذا كان شقيقك مثلا شاذ جنسيا ، قالت :
ان الأمر لا يعنينى فى شئ و لا يهمنى إن كان شاذا أم لا .
فهكذا
رغم أنها لا تقر الشذوذ الجنسى فى حد ذاته ، إلا انها محايدة إزاء المنكر
، الذى تحول فى عرفها - و عرف كثيرين فى الغرب - الى مجرد اختيار و حرية
شخصية ، لا يستأهل حتى تغيير المنكر بالقلب . أما فى عقيدتنا فاننا مأمورون
بتغيير المنكر و مقاومته سواء ارتكبه القريب أو البعيد ، الصغير أو الكبير ، الذى نعرفه
أو الذى لا نعرفه . فأى المجتمعات أكثر إصلاحا و رقيا و حصانة و أخلاقية .
ثالثا : و هذا
ينقلنا
الى النقطة الأكثر جوهرية ، و هو عموم الالتزام بالأمر بالمعروف و النهى عن
المنكر
لكل المواطنين . لاحظ تعبير (كنتم خير أمة ) أى انه يشمل الأمة بأسرها . فنحن أمة "يسعى بذمتهم
أدناهم" يحكمنا الحديث الشريف (كلكم راع و كلكم مسئول عن
رعيته ... ) بدءا من الحاكم حتى الخادم . و (الدين النصيحة ) . يفتخر
النموذج الفكرى الغربى بأنه يعلى أكثر من شأن الفرد و الفردية ، و نحن ندعى
ان النموذج الاسلامى يعلى أكثر من شأن الفرد و لكن
بصورة تخدم الفرد و الجماعة معا و تعلى من شأنهما ، فكما رأينا فان
التقويم واجب (و ليس مجرد حق ) لكل فرد فى المجتمع ، و أن
كل فرد
لديه حصانة و هو يقوم بذلك ، حصانة مباشرة من الله و رسوله، و لا توجد فرقة
بعينها
أو كهفوت بعينه ، يختص بهذا الأمر ، كما ان المقامات رغم أنها محفوظة إلا
أنها لا
تعيق أى فرد من ممارسة الدعوة و النقد تجاه أى فرد ، حتى و ان كان الأخير
حاكما أو
كبير المقام . و على خلاف وصف أحد مفكرى الغرب بأن المجتمع الرأسمالى
الغربى
هو حرب الجميع ضد الجميع ، فان المجتمع الاسلامى هو إصلاح الجميع للجميع .
(و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر ) كما جاء فى سورة العصر التى قال عنها
الامام الشافعى : (لو تدبر الناس سورة العصر لكفتهم ) و تواصوا بالحق أى
أوصى بعضهم بعضا . و هو نفس المعنى الذى ورد فى نقد بنى اسرائيل (كانوا لا يتناهون عن
منكر فعلوه لبئس ما كان يفعلون ) أى لم ينه بعضهم بعضا .
و لاشك
أن النموذج الديموقراطى الغربى - من هذه الزاوية - أقرب الى الاسلام من
النموذج الاستبدادى و لكنه لا يرقى الى المستوى الاسلامى الذى هو أكثر
"ديموقراطية" ان جاز التعبير ، اذا كان الفهم الشائع
لـ
"الديموقراطية" هو الحريات الأكبر للناس ، للمساهمة فى ادارة المجتمع ،
و المشاركة السياسية . فالنموذج الاسلامى يكرس ما يسمونه الآن "
المجتمع المدنى " أى " الأهلى" ، يكرس مسئولية
الجميع فى المشاركة السياسية ، و انها واجبة كأمر مقدس من الله عز و جل ، و ليس مجرد حق
قانونى يمكن استخدامه بصورة اختيارية .
و يكشف
تاريخ حضارتنا الاسلامية أن الأمة (بمعنى المجتمع الأهلى ) كانت تتولى
إدارة المؤسسات الدينية و التعليمية و الصحية و الخدمية بصورة لا مركزية و أن
الدولة لم تحتكر هذه المهام كما هو الحال الآن فى زمن الردة عن أصولنا الحضارية .
و عندما
نقول ان كل الناس يشاركون فى الاصلاح (الأمر و النهى) فاننا نعنى
ذلك بصورة حرفية : كل مسلم و مسلمة . و أشار عديد من الفقهاء الى أن مرتكب
المنكر مطالب أيضا بممارسة الأمر و النهى ، ليس على سبيل النفاق ، و لكن باعتبار ان
مرتكب المنكر ليس فى حالة دائمة من الانحراف ، و فى مختلف المجالات و فى كل الأوقات
، و باعتبار أنه يشجع نفسه على الاقلاع عن المنكر حين يدعو قرناءه للكف عن المنكر
، كما قد يكون ارتكب منكرا مرة ثم أقلع عنه ( كل ابن آدم خطاء و خير الخطائين
التوابون) .
و فى هذا
يقول عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه "لو أن كل امرئ لا يأمر
بالمعروف و لا ينهى عن المنكر حتى يلزم بذلك نفسه ، لما كان هناك أمر بالمعروف ولانهى
عن المنكر و لقل الواعظون و الساعون لله بالنصيحة " .
إن
"الأمر و النهى" أشبه بالماكينة الهائلة ، لها أذرع فى كل مكان
، لادارة المجتمع و تصحيح مساره يشارك فيها كل الناس ، و هى
مهمة مقدسة ، اذ هى قضية دين قبل أن تكون قضية دنيا ، فهى تستهدف اصلاح
الدنيا
إرضاء لله سبحانه و تعالى ، و هى أيضا طريق لأن تصبح الحياة أكثر تراحما و
تكافلا و
انسانية .
و هذه
الماكينة تعمل بشكل رأسى و أفقى و دائرى على مختلف المحاور و المستويات ،
بشكل رأسى أى بين الحكام و المحكومين ، بين الرؤساء و المرؤسين و بصورة
متبادلة ، وبشكل أفقى أى بين الناس بعضهم بعضا من مستويات اجتماعية و سياسية
واحدة أو متقاربة ، و بشكل دائرى أى بين أى مجموعة من الناس ( أسرة - مجموعة أصدقاء -
ركاب حافلة أو طائرة - رواد أى مكان عام أو خاص .. الخ ) نجد جميع الثغرات
فى المجتمع و قد تم سدها ، فى عملية اصلاح و تقويم تجرى بصورة هادئة سليمة على مدار
الساعة ، كالشهيق و الزفير . و لعل الحديث الشريف هو الأفضل وصف لهذه الحالة ..
"الدين النصيحة قالوا : لمن ؟ قال : لله و لرسوله و لأمة
المسلمين
و عامتهم " و بطبيعة الحال فان الشق الأول أى "لله و لرسوله " تعنى
إتباعهم
و إتباع تعاليمهما. و كذلك الحديث "جاهدوا الناس فى
الله تبارك و تعالى القريب و البعيد و لا تبالوا فى الله
لومة لائم و أقيموا حدود لله فى الحضر و السفر " . و الحديث:" لا يحقرن أحدكم
نفسه أن يرى أمرا عليه فيه مقالا ثم لا يقولوه فيقول الله ما منعك أن تقول فيه فيقول
رب خشيت الناس فيقول و أنا أحق أن يخشى " . و الحديث " ألا أخبركم بأفضل
من درجة الصلاة و الصيام و الصدقة قالوا: بلى قال: اصلاح ذات البين و فساد ذات البين هى
الحالقة " .
اذن
الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر أشبه بأجهزة الجسم التى تنظم عمله و
صحته و تنقى السموم منه و تفرزها، و لكن "الأمر و النهى" لا يعمل بصورة
آلية كهذه الأجهزة ، و لكن بالوعى و المعرفة و الادراك كل فى حدود علمه ، فاذا أدرك الناس
مسئولياتهم أمام الله ، لأصبح "الأمر و النهى " أشبه بهذه الأجهزة التى تعمل -
و كأنها - تعمل بصورة آلية تلقائية بدون طقوس خاصة أو استعداد خاص أو تحديد لفئة
خاصة تتولى ذلك دون غيرها .
و تثار
هنا مسألة الخشية من سوء أداء هذا الواجب ، كممارسة الأمر و النهى بفظاظة
، أو بدون علم ، أو باستعلاء و غرور ، و كل هذه المخاوف وان كانت حقيقية و
يجب التوصية بالحذر منها و لكن لا محل لها اذا كان المقصود هو نزع هذا الواجب (ليس
مجرد الحق) من أى مسلم . فسوء الأداء يمكن تقويمه ، و لا يؤدى الى حظر أو تقييد هذه
الفريضة بشكل تحكمى ، فالانسان الفظ ينفض الناس من حوله ، و الذى يتحدث بغير علم
يزور الناس عنه فورا أو بعد حين و يتجهون لمن هو أكثر علما .. و هكذا فان المجتمع
ينظم نفسه بنفسه فى هذا المجال .
أما فى
مجال السياسة و الدعوة العامة، فان الاسلامى الأكثر ورعا و الأكثر علما هو
الذى تكون كلمته مسموعة أكثر ، و آراءه أكثر تأثيرا ، و نحن فى هذا المجال
أمام حالة من الانتخاب الطبيعى . فأبو حنيفة بمجرد أن استقل بدائرة خاصة بالمسجد حتى
ألتف الناس حوله و تركوا استاذه لان أبى حنيفة لديه علم أغزر . و الامام الشافعى
ألتف حوله فى بغداد ستة أفراد فى البداية و لكن مع دخوله المسجد الكبير تلاشت
قرابة خمسين حلقة و لم تعد هناك إلا حلقة واحدة حول الامام الشافعى .
و فى
حياتنا المعاصرة نشهد نماذج قريبة من ذلك ، فالناس تتجه فى كل حى و
قرية الى المسجد الذى فيه الخطيب الأغزر علما ، و تنفض عن الخطباء قليلى البضاعة
، و فى إطار الأحزاب السياسية الاسلامية فان الناس تلتف بصورة أكبر حول الأكثر
إخلاصا و علما و التزاما بالاسلام ، خاصة فى الأحوال التى تكون فيها أنشطة هذه
الأحزاب و الجماعات غير مقموعة ، و يمكن للجمهور التعرف عليها بسهولة و المفاضلة بينها .
رابعا :
المسئولية الخاصة للأئمة:
اذا كان
الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر فريضة عامة شائعة لكل أبناء الأمة ،
فمن باب أولى أن تكون مهمة الخاصة من العلماء و الأئمة و أولى الأمر من أهل
العقد و الحل . و هذا ما تشير إليه الآية الأولى (و لتكن منكم) أمة أى جماعة . و
كما جاء فى الآية الكريمة (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين
) .
و
المسئولية أمام الله أعظم ، و المسئولية أمام الناس و المجتمع أكبر
للأئمة و القادة بقدر علمهم و معرفتهم ، و بحكم مسئوليتهم و تأثيرهم فى المجتمع
، و باعتبار أنهم النخبة القدوة للناس . فاذا لم يكونوا أمناء تحق عليهم أوصاف
أحبار بنى اسرائيل ، (صنفان من أمتى : إن صلحتا صلحت الأمة و ان فسدتا فسدت الأمة :
الأمراء و العلماء ) .
فهناك
أمور لا يصح الأمر و النهى فيها بدون علم و تفقه خاص فى أمور الدين ، و
تحتاج لاجتهاد خاص فردى أو جماعى ، كذلك يجب على العلماء عدم استخدام علمهم
فى لى الحقائق و الثوابت ( المعلوم من الدين بالضرورة ) لارضاء الحاكم ، أو
لدنيا يصيبونها ، و يجب عليهم ألا يستشكلوا و يجهلوا الأمور الثابتة على عامة الناس
. كالقول بان اتفاقية الكويز ( مع أمريكا و اسرائيل المحاربتين ) حلال ، أو القول
بالسماح بالخمور لتشجيع السياحة .
و لأن
الاسلام لا يعرف الكهنوت ، فان أهل العقد و الحل ، من قادة الجماعات و
الأحزاب ، و المفكرين الاسلاميين ، و المتخصصين من الأتقياء المؤمنين فى شتى
مناحى العلوم الطبيعية و الاجتماعية ، عليهم واجب التصدى بالرأى و المشورة ، و
الأمر و النهى ، و عدم ترك الأمور فى يد مجموعة من "العلماء " خاصة بعد أن
أصبح العلماء تابعين للسلطان ، و يعينون من قبله ، و ترفع درجاتهم و تخفض وفقا لأوامره ،
مع جهله بأصول الشرع و الشريعة .
لذلك فان
مهمة الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر فى القضايا الكلية التى تمس
المجتمع ككل ( التشريعات - السياسات الاقتصادية ، و
السياسات الداخلية و الخارجية ) تتوزع على كل هؤلاء : البرلمان - الأحزاب - و
الصحف -
و وسائل الاعلام - و الجماعات السياسية - و الجمعيات العلمية فى شتى
التخصصات.
مثلا عندما يسعى وزير لردم أجزاء من نهر النيل ، فان القول الفصل فى ذلك
يكون
لعلماء البيئة ، الذين يقولون إن ردم جزء من النهر يؤثر سلبا على مجمل حياة
الكائنات
به ، و يؤثر سلبا على مساراته الطبيعية بما يضر بالبيئة العامة للوادى . ان النظم الاستبدادية التى تضرب
المؤسسات الشعبية السياسية و الأهلية و العلمية أو لا تحترم آراءها تضرب واحدة من
أبرز آليات "الأمر و النهى" ، أى آليات إصلاح المجتمع .
كذلك فان
العلم الشرعى فى حد ذاته ليس حكرا على طائفة محددة من العلماء فان
المفكرين الاسلاميين الذين تفقهوا فى الدين بصورة عصامية خاصة فى زمن
ازدهار المطبعة و المطبوعات ، بامكانهم أن يفتوا فى الدين ، فى حدود
علمهم، خاصة بعد أن أصبحت مؤسسات اعداد العلماء تحت قبضة الحكام غير
الملتزمين
بشرع الله . و بالتالى فان جوهرية ( الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر ) تحتم أن يكون النظام السياسى
الاسلامى ، ملتزما بحرية الرأى و التعبير ، و ملتزما برعاية و إزدهار شتى مؤسسات
العمل الشعبى و الأهلى و النقابى و العلمى ، و على رأسها البرلمان الذى له دور
رقابى و لا يقتصر على التشريع ، ثم الأحزاب و الجماعات و الهيئات الشعبية كالنقابات ،
و الجمعيات العلمية (جمعيات المهندسين - علماء الطبيعة - الأُثار .. الخ ) ، و
أيضا هيئات الحكم المحلى الشعبى التى تجمع بين الادارة و الرقابة . و أن تكون
كل هذه الهيئات بالانتخاب . و من نافلة القول التأكيد على اعادة الاستقلال
للمؤسسات الدينية كالأزهر و الافتاء ، بحيث ينتخب العلماء شيوخهم ، و
تحرير الأوقاف من سيطرة الدولة ، لأن الأوقاف فى الأصل مؤسسات
شعبية .
باختصار
فان ما يسميه الفقه السياسى الغربى (توازن السلطات ) هو اختراع
اسلامى فى الأصل و ان هيمنة الحاكم ( أو السلطة التنفيذية) على مقدرات البلاد و
العباد هى بالتحديد ضد أبسط قواعد النظام الاسلامى ، و
احتكار السلطة أو ادعاء العصمة محرمتين فى الاسلام باتفاق العلماء .
و
بالتالى فان المصلحة و السنن الاجتماعية تقتضى أن تكون هناك جماعات قوية
و مستقلة عن السلطان حتى يمكن "للأمر بالمعروف و النهى عن المنكر " ان
يزدهر و أن تكون هذه الفريضة مشمولة بالضمانات .
و اطلاق
هذه الحريات لن يؤدى إلى فوضى كما يخشى البعض ، لأن الشورى - كما سنفصل
فيما بعد - تأتى لتنتهى الى قرارات بالاجماع أو الأغلبية أو التوافق و
التراضى فتصبح القرارات ملزمة للجميع . و بالتالى فان اطلاق "الأمر و
النهى" يؤدى الى تفجير طاقات الأمة فى ابداء الرأى و الفكر ثم توحيد
هذه
الطاقة فى اتجاه التنفيذ بعد اكتساب القناعة الداخلية ، التى تعطى للتنفيذ
ضمانات
الاخلاص و الاندفاع الواثق ، و ليس عن طريق الاكراه ، الذى هو طريق و عنوان
الفشل فى
تطبيق أى سياسة أو قرار .
خامسا : ممارسة الأمر و النهى مع
الحكام
هو الأهم :
يقصر
فقهاء السلطان ، و بعض العاملين فى الحقل الاسلامى ، الأمر بالمعروف و
النهى عن المنكر على الأفراد و فى أمور شخصية ، بينما أهم ما فى هذه الفريضة هو
ممارستها مع الحكام ، لأن الحكام هم الذين يصلحون أو يفسدون المجتمع ككل ، ذلك ان
انحراف المواطن الفرد يعود بالوبال عليه و على دائرة محدودة من المتعاملين معه
، فى حين ان انحراف الحاكم يؤدى الى انحراف المجتمع بأسره ، بما يملكه من سلطات و
هيمنة عامة على شئون المجتمع .
و قد
ذكرنا ان تواصى الناس بعضهم ببعض أمر أساسى لحماية قاعدة المجتمع ، و
لا خلاف حول ذلك ، و لكن الخلاف حول إسقاط هذا "التواصى" مع الحكام و
المتنفذين و أصحاب السطوة و الصولة و الصولجان ، خشية العواقب الوخيمة . (يا بنى أقم
الصلاة و أمر بالمعروف و أنهى عن المنكر و اصبر على ما أصابك ان ذلك من عزم الأمور
) أى ما أصابك من الأمر و النهى . و قد توجه الأنبياء و الرسل أول ما توجهوا
الى الحكام و أولياء الأمر لإصلاحهم و ادخالهم فى دين الله ، فمنهم من استجاب و
أصلح و منهم من عاند و استكبر و هم الأكثر ، و لكن فى كل الأحوال لم يتخل الرسل عن
مجاهدة الحكام طوال مسيرتهم ، و المقصود هنا اصلاح الحكم ، و حتى يكون الحكم لله.
جاء فى
الحديث الشريف ( اذا رأيت أمتى لا يقولون للظالم منهم أنت ظالم فقد تودع
منهم ) . (أفضل جهاد قولة حق عند سلطان جائر ) - (سيد الشهداء حمزة و رجل قام إلى
إمام جائر فأمره و نهاه فقتله ) ، نحن اذن أمام صورة من أرفع صور الجهاد ،
و الجهاد هو ذروة سنام الاسلام .
و لن
نستزيد فى هذه النقطة رغم جوهريتها ، لأنها كانت أساس موضوع دراسة
(الجهاد صناعة الأمة) و فيها تفصيل شديد لكل هذه المعانى ، استنادا لمئات من
الأدلة الشرعية من القرآن و السنة .
سادسا :
الأمر و النهى ليس مجرد ابداء النصيحة :
و من
خصائص فريضة "الأمر و النهى" ، انها ليست مجرد ابداء النصيحة ، بل
هى تستهدف تغيير المنكر بعمل فعال ، و تستهدف الوصول الى نتيجة ، و هى الاصلاح .
(من رأى منكم منكر فليغيره بيده
فان لم يستطع فبلسانه ، فان لم يستطع فبقلبه و هذا أضعف الايمان ) .
نحن هنا
أمام حديث جامع يوضح أن الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر يتطابق مع
ما نسميه الآن "العمل السياسى" ، حتى و ان كان يتضمن المفهوم الأشمل
المشار إليه الذى يتضمن شتى مناحى الحياة الاجتماعية و الشخصية بين كل الناس بعضهم مع
البعض فى مسلكياتهم الشخصية الظاهرة (لاحظ تعبير "من رأى" ) أى ان المسلم لا
يتتبع عورات أخيه المسلم ، و لكن له الظاهر من سلوكه ، و
قد قتل
الفقهاء هذا الجانب بحثا من حيث آدابه و شروطه ، و لكننا نركز - فى هذه
الدراسة
- على ملامح النظام السياسى الاسلامى . و تغيير المنكر فى هذا الحديث يضع
الأساس
لمفهوم العمل السياسى ، و بالأخص فى مجال تغيير المنكر باليد ، و قد ركز
العلماء
الرسميون فى ردهم على بعض ممارسات بعض الجماعات الاسلامية ، على انتفاء حق
المواطن
فى تغيير المنكر باليد ، باعتبار ان ذلك من اختصاص السلطات الرسمية ، و
خوفا من
شيوع الفوضى . و الواقع ان هذه حقيقة منقوصة ، و ربما تنطبق على مسألة
اقامة
الحدود ، أى تطبيق القانون و هو بالفعل من تخصصات : الشرطة - النيابة - المحاكم .
و لكن
العمل السياسى أوسع من ذلك ، فهناك سياسات للحكومة قد تتعارض مع الشريعة
الاسلامية ، و هناك قوانين تتعارض مع الشريعة الاسلامية ، و ممارسات حكومية
أيضا تقع فى نفس الخانة .
و بالتالى فان عقد المؤتمرات ، و تنظيم المواكب و المسيرات ، و تدبيج العرائض ، و الاعتصامات و الاضرابات ، و الحملات الصحفية ، و اسقاط النواب السيئيين خلال الانتخابات (ان وجدت انتخابات حرة! ) ، و شن حملات صحفية و سياسية لإقصاء مسئول تنفيذى أو المطالبة بمحاكمته ، كل هذه