كذب يتلوه كذب.. في مستنقع الكذب الامريكي!

 

 

 

بقلم :ناصر السهلي

              - كاتب من فلسطين

ثمة من يعتقد في عالمنا العربي بأن كل ما يصدر عن الادارة الامريكية من أفعال وتصريحات تشكل مجتمعة حالة من الطهر السياسي الصادق في تعاملها مع قضايا المنطقة... وفي تناولنا لمسألة الصدق الامريكي نكتشف كم  البؤس الفكري والسياسي الذي يعيشه هذا البعض في تناوله لكل ما يصدر عن الادارة الامريكية، وربما تشكل هذه الحالة واحدة من الامثلة التي تؤشر الى حالة من الضياع الكامل عند هؤلاء الذين يرددون الكذب الامريكي المفضوح للتستر به عن حالة من الفشل الذريع على امتلاك الشجاعة للاعتراف بأن أمريكا " قد تخطئ" مثل بقية الدول والبشر...

نحن لن نتطرق لكل حالات الكذب الامريكي التي يعرفها الان الكثير من العرب وغير العرب، لكن دعونا نذكر بأنه في الغرب ثمة حركة متنامية تضم في صفوفها كتاب وفنانيين وصحفيين والكثير من المثقفين والملايين من البشر الذين لا ينتمون بالمعنى العرقي او الثقافي او الديني للعرب ، حيث اكتشفت، ربما قبل الكثير من العرب الذين أعمتهم الشعارات والخطابات الدعائية الامريكية، بأن الادارة الامريكية لا يمكنها أن تصحوا من تلقاء نفسها لتتحمل وزر حرية البشر فجأة وبدون مقدمات ولتقدم نفسها منقذا للبشرية وإن بشكل إنتقائي مكشوف...

 

لا يحتاج الانسان لأن يكون إسلاميا ( بالمعنى السياسي والفكري) ولا ماركسيا ولا حتى ماويا ليتعرف على أطنان الكذب الامريكي الذي تصيغه ماكينة دعائية ضخمة وأقلام غارقة في الهوية المجهولة وأدمغة تتبدل مثل تبدلينا للسراويل...

 

البعض يرى مثلا بأن أمريكا هي المخلص و "المحرر" من أنظمة سياسية عربية معينة، وبالصدفة تجد أن أمريكا " المخلصة" و"الصادقة" في كل ما تقوله لم تقل منذ خططت لغزو العراق كمقدمة لتغيير الخارطة الجيوسياسية للمنطقة العربية إلا الكذب...

ما نقوله هنا هو التالي:

-         أمريكا ستخلص البشرية من "ظاهرة الارهاب"

-         أمريكا ستخلص البشرية من "أسلحة الدمار الشامل"

-         أمريكا ستنشر "الديمقراطية" عند العرب

-         أمريكا ستحرر الشعوب من أنظمة قمعية

 

لن ندخل كثيرا في القصد من " ظاهرة الارهاب"... لكن دعونا نسأل عن السبب الذي يدعو الادارة الامريكية الى اعتبار حركات مقاومة الاحتلال منظمات "ارهابية" طالما هي تتشدق بشعار حرية الشعوب؟

لنأخذ مثلا حركة حماس وغيرها من حركات المقاومة الفلسطينية، فمتى مارست حماس وغيرها، في السنوات الاخيرة، عملا إستهدف الاحتلال غير دفاعا عن النفس وسعيا للتحرر من هذا الاحتلال الذي لا حاجة هنا لتكرار ما يلقاه هذا الاحتلال من الدعم التاريخي الامريكي...ولأن شعار "الحرية" ليس أكثر من شعار كاذب ترفعه الماكينة الاعلامية الامريكية فلا نجد في كل ما تعرض ويتعرض له الشعب الفلسطيني يوميا عند تلك الماكينة والعمل الديبلوماسي والسياسي الامريكي إلا القراءة الملتوية التي تنتصر للجلاد والطلب من الضحية أن تقبل كل ما يُملى عليها تحت طائلة القتل والاقتلاع من الارض وما بينهما من ممارسات واضحة...

 

دعونا نفترض أيضا صدق النوايا الامريكية في تخليص البشرية من" أسلحة الدمار الشامل" وبناءا عليه... وفقط عليه شرعت أمريكا لنفسها غزو بلد عربي وإسقاط نظامه وزرع التقسيم المذهبي والطائفي والعرقي بناءا على نظرية الاستعمار الكلاسيكي في التقسيم لأجل سيادة قوة الاحتلال ومن يتعاون معه... ففي العراق إتضحت صورة الكذب الامريكي المتواصل، فحين لم يعد هناك الكثير من الأسئلة المثارة حول تلك الأسلحة التي بسببها تم غزو العراق وجدت الادارة الامريكية لنفسها الكذبة المتعلقة بمحاربتها للارهاب وأن غزوها ووجودها في العراق هو بسبب هذا الارهاب!

من السخافة بمكان أن يُكرر الرهط العميل على امتداد الساحة العربية هذا الكذب الامريكي وتصديقه والتجند في خدمته بذات الوقت الذي يُعلن فيه رامسفيلد بعظمة لسانه بأن المسلحين في العراق لا يمكن هزيمتهم ولو بعد 12 سنة... إلى جانب الإدعاء بأن الأمريكي يفاوض بعض مجاميع المقاومة العراقية في لعبة دائرة الكذب التي يتسح بها الامريكي الغارق في مستنقع كذبه... إن ذلك الرهط العميل الذي يطلق على عملياته في المدن العراقية أسماءا مثل البرق والرمح والخنجر وغيرها من المسميات التي تُعبر عن بؤس العملاء وإنحطاط أدوات علاتهم يتضح من ادعاءات رامسفيلد بأنهم يلعبون في الوقت الضائع الذي يسبق حالة الانهيار الغير معلن لهذا الاحتلال وانكسار شوكته على امتداد الارض العراقية...

ربما يتذاكى رامسفيلد بالادعاء بأنه يتفاوض مع من يفترض أن يكونوا "إرهابيين" وعليه يكون مشروعه مكشوفا تماما أمام نفي معظم مجاميع المقاومة العراقية لوجود هذا التفاوض،لكن بالتأكيد ليس في عمل عملاء الاحتلال أي ذكاء إن إعتقدوا حقا بأنهم في طريقهم عبر الخنجر والرمح أن يكسروا شوكة المقاومة المتقدة رغم كل الاتهامات السخيفة عن المقاومة العابرة للحدود وهم الذين يرجون جيوش العرب للدخول الى العراق قبل انسحاب الامريكي منه!

 

وفي المسألتين المتبقيتين في مسلسل الكذب الامريكي كالادعاء بنشر الديمقراطية وتحرير الشعوب من الديكتاتوريات ، نعرف وبالملموس بأن أمريكا تريد حقا أن تنشر فكرا سياسيا معينا يجري من خلاله دمقرطة المجتمع العربي... ولكن... على أن تكون تلك الديمقراطية منتقاة تماما بحيث تتم عملية فلترة دقيقة لكل القوى والاحزاب والحركات التي تحمل فكرا خارج عباءة الفكر السياسي الامريكي ومشاريعه في هذه المنطقة... نحن نعرف كما يعرف غيرنا بأن أمريكا بدل ان تبحث عن أجوبة صحيحة لأسئلة مشروعة عند أكثر القوى السياسية والثقافية العربية عن دعمها اللامشروط للكيان الصهيوني الغاصب وإذلاله اليومي للشعب الفلسطيني منذ 57 عاما عبر حزمة من الحماية العسكرية والسياسية والمعنوية أمام كل القرارت الدولية، هي تبحث عبر هزيمة الأنظمة العربية من خلال تغييرات تجميلية هنا وهناك لفرض تصوراتها لما يجب أن تكون عليه المنطقة... نحن نعرف كما يعرف غيرنا بأن القذافي الذي تتهافت أمريكا عبر حلفاءها لإقامة أفضل العلاقات معه ليس بالديمقراطي النزيه جدا... لكنه مثالا تريد للاخرين الاختذاء به... ثم إن ذاكرة العرب ليست قصيرة الى هذا الحد بحيث نرى بأن "التحرير" الذي تم في العراق قد جلب شيئا غير الكارثة في ترسيخ المذهبية والطائفية والقومية والتقسيمات الجغرافية حسب رغبة هذا وذاك من الاتين مع الاحتلال... وتعرف هذه الذاكرة بأن ما جرى في ابوغريب هو التعبير الحقيقي للحرية الامريكية وقراءتها لقيمة الانسان العربي...

 

قد يكون مسلسل الكذب الامريكي أطول بكثير مما يتضح من ممارسات وتصريحات يومية... لكنه ريما يكون كذبا في صالح الشعوب التي تراكم بنضالها وكفاحها حيث يغوص بوش كما غاص جونسون في وحل ارادة الشعوب الحية... لكن يبقى السؤال الأهم : ما الذي سيستفيده هؤلاء العملاء حين ينهار مسلسل الكذب الامريكي تحت ضربات المقاومة؟؟