عروبة
الأرض أم السكان؟
بقلم
: د. ابراهيم علوش
مسودة «دستور العراق
المحتل»، باعتبار العراق غير المحتل له دستوره، تقول إن العراق جزءٌ من العالم
الإسلامي، وإن العرب في العراق
جزءٌ من الأمة العربية، بدلاً من اعتبار العراق نفسه جزءاً من الأمة
العربية.
وبغض النظر عما سيحدث
لـ«دستور العراق المحتل» من جهة التعديلات والإقرار أو عدمه، إذ إن كل تلك
الخزعبلات المسرحية ليست لها أية مشروعية
تاريخية أو قانونية في ظل الاحتلال، ولا يجوز أن تؤثر في استمرار المقاومة بشيء،
فالمهم هنا الفكرة الواردة في المسودة حول
عروبة السكان كشيء منفصل عن عروبة الأرض، أي زعم عروبة العراقيين العرب،
ولكن ليس العراق.
الفكرة
نفسها يكرسها المعترفون بـ«عرب إسرائيل» كقومية، لينكروا
عروبة فلسطين عندما يعترفون بدولة «إسرائيل». ويكرسها الداعون لدولة «ثنائية القومية»، أو «دولة
لكافة مواطنيها»، في «إسرائيل»، أو «دولة ديموقراطية»،
دون الإصرار على عروبة فلسطين. والمشكلة
الأساسية هنا هي التضحية بالهوية الحضارية للأرض عن خبثٍ
أو سذاجة... وهي الهوية التي يكرسها الميثاق
الوطني الفلسطيني غير المعدل عندما يعلن في بنده الأول إن فلسطين جزء لا
يتجزأ من الأمة العربية.
ولنلاحظ أن هذا التوجه،
توجه القفز فوق عروبة الأرض، يرتبط بالعولمة أساساً، وحاجة الإمبريالية والشركات
متعدية الحدود لتجاوز الجغرافيا، ولتكريس
تعددية ليبرالية في كل مكان لمحو الهويات الحضارية الراسخة. ويرتبط هذا التوجه في
بلادنا، ثانياً، بحاجة الكيان الصهيوني
لتفكيك المنطقة وتجزئة المجزأ وتقسيم المقسم، لتحديث اتفاقية سايكس-بيكو للقرن الواحد والعشرين.
الأطفال في المخيم يكتبون
على الجدران والدفاتر أن فلسطين عربية، ووجدان شعبنا يعرف أن «الأرض بتتكلم عربي»، فالهوية الحضارية علاقة بين الأرض والشعب والزمن لا يمكن محوها
بقرار، ولم تكن الرأسمالية الغربية أصلاً هي التي خلقت حقيقة الوجود القومي حتى
تقرر شطبه، وفي بلادنا بالذات، يشكل
الوعاءان العربي والإسلامي القاسم المشترك الذي يحتوي الأغلبيات
والاقليات، والنخب الحاكمة والمعارضة، والسهل والجبل والبحر والصحراء... وقد قال ابن
خلدون في مقدمته أن العروبة وصلت حيثما وصل الجمل، ووصل الإسلام حيث يصل الحصان.
وفي دراسة مهمة موثقة جيداً للدكتور فؤاد مرعي في مجلة البيان الكويتية، عدد
يوليو/ أغسطس 1998، يتصدى الكاتب للزعم القائل أن
عرب الجزيرة قدموا إلى مصر وبلاد الشام والرافدين كغزاةٍ أجانبَ، ويثبت أن
عناصر القرابة اللغوية والعرقية والثقافية، أي العروبة، هي التي مكنت للفتح من الانتشار بهذه السرعة في
تلك الأمصار، وأن السكان تعاملوا مع جيوش الفتح كأخوةٍ محررين، ولم يقتضِ الأمر
أكثر من بضعة أيام في الكثير من الأحيان،
بعد مئات الأعوام من الاحتلالين الساساني
والبيزنطي، ليقاتلوا مع جيوش الفتح حتى كعربٍ مسيحيين. وإلا، فإن خوض المعركة في آنٍ واحدٍ ضد أكبر
إمبراطوريتين في ذلك الزمن كان سيكون حماقة استراتيجية
كبرى، ولكن كبار الصحابة، ولم يكونوا من
الطائشين المتهورين، كانوا يعرفون أن في الشام والعراق ومصر احتياطاً استراتيجياً
زاخراً يمكن الاعتماد عليه. وما كان ليتم ما
تم لهم من نصر مبين لو كانت بلاد الشام والرافدين والنيل عندهم كأوروبا
الغربية للصينيين مثلاً. ولذلك كان طبيعياً بعدها أن يسهم الإسلام بازدهار العربية والعروبة، في مواطنها
الطبيعية، كما أسهمت العروبة بانتشار الإسلام.
ولكن المطروح اليوم هو
تغيير الهوية الحضارية للمنطقة، وخلق هويات متضاربة
مجزأة تحت عنوان «الشرق أوسطية»، وهو مشروع
العولمة، ومشروع الحركة الصهيونية، وليس فقط مشروع من وضع عينه على جنوب
العراق. وعلى الإسلاميين هنا أن يروا أن التمسك
بالعروبة شرط ضروري لمواجهة مشروع التفكيك الجغرافي والحضاري، وعلى الديموقراطيين الشرفاء أن يروا أن التمسك بالوعاء
الثقافي الإسلامي، كصفة حضارية أصيلة غير
حركات الإسلام السياسي، شرط ضروري لمواجهة الهجمة الإمبريالية-الصهيونية. وفي
النهاية، ليست هناك أية مظالم تبرر تفكيك
الوطن، فالنضال من أجل الحقوق الديموقراطية لا نشكك
بمشروعيته، لكن تفكيك الأمة وتسليمها للأجنبي
شيء مختلف تماماً.