دستور العراق وانتخابات
مصر بداية تفكيك الأمة العربية
بقلم :د. يوسف نور عوض
توقف العالم العربي خلال الأيام الماضية مدهوشا
وهو يستمع إلي التصريحات التي أطلقها الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسي
حول مسودة الدستور العراقي والتي قال عنها انها وصفة للفوضي في العراق لأنها ذكرت أن الشعب العربي في ذلك البلد
جزء من الأمة العربية ولم تصف العراق كله الذي لعب دورا مهما في التاريخ العربي
علي أنه جزء من الأمة العربية.
وقال الكثيرون أن تصريحات الأمين العام للجامعة العربية هي الإنجاز الوحيد
له منذ أن تولي مسؤولية الأمانة العامة للجامعة. ولكن موقف عمرو موسي لم يمر دون
نقد قاس من رئيس الوزراء العراقي إبراهيم الجعفري الذي انتقد الجامعة العربية
والحكومات العربية بأسرها بأنها تقف موقف المتفرج من العراق وتجبن حتي أن ترسل سفيرا إليه.. وكان ذلك موقفا متوقعا من رئيس
الوزراء العراقي ولكنه موقف لا يغير الصورة العامة في العالم العربي وهي العيش في
حالة مستمرة من القلق والخوف، ذلك أن الذي حرك عمرو موسي كي يقدم نقده ليس في
حقيقة الأمر الخوف علي الوضع الداخلي في العراق بقدر ما هو الخوف علي المصير
العربي بصورة عامة، ذلك أن العرب ظلوا عبر فترة طويلة من الزمن يبسطون الأمور إلي
درجة الإخلال، فهم يتحدثون عن الأمة الواحدة والعقيدة الواحدة ويتحدثون عن اللغة
علي أنها الرباط الذي يوثق الوشائج بين أبناء الأمة العربية ولكنهم لم يتوقفوا عند
المفرقات، سواء كان ذلك علي مستوي الاقتصاد أو نوعية أنظمة الحكم أو اي مفرق آخر، ولكننا نعيش في مرحلة ثبت فيها أن اللغة والعنصر
لن يكونا سببا قويا لتوحيد الأمة إذا انعدمت الأسس التي تقوم عليها الدولة
المتكاملة. ولا شك أن الذي دفع عمرو موسي للإعراب عن خوفه من آثار الدستور العراقي
هو معرفته بأنه لو قبلنا مبدأ أن العرب هم فقط الذين يعتبرون أنفسهم جزءا من الأمة
العربية فإن ذلك سوف يفتح الباب أمام الأكراد في سورية والأقباط في مصر والبربر في
شمال أفريقيا الذين سيطالبون جميعا بحكم مستقل وهو ما سيفتح الأبواب المغلقة وذلك
ما تريده الولايات المتحدة وإسرائيل اللتان تشعران أن توحد الأمة العربية لا يصب
في مصالحهما. ولا شك أن كثيرا من الشعوب العربية التي تعيش في حالة عقيمة من عدم
الوعي تعتقد أن تفكك الدول العربية هو أكثر جدوي لها من
الدولة الموحدة.
والسؤال هو إذا كان ذلك موقف كثير من
الناس في داخل المجتمعات العربية فلماذا يصبح هو الموقف الرسمي ولماذا تشجع
الحكومات العربية الناس علي دعم هذا الاتجاه؟ الإجابة ببساطة هي أن الحكومات
العربية لم تدخل في أي عقد اجتماعي مع شعوبها لأنها إما حكومات وراثية وإما حكومات
مغتصبة للسلطة وبالتالي فليس لديها أي مسؤوليات تجاه شعوبها كما أنها لا تمارس
السياسة من أجل تحقيق مصالح الشعوب بل تمارسها من أجل تحقيق الفوائد للنخب دون
اعتبار للسواد الأعظم من الشعب وبالتالي من السهولة أن تغير الحكومات العربية
مواقفها دون إحساس بالذنب كما يفعل العقيد القذافي الآن
وغيره من حكام العرب. ويحدث ذلك في ظل غياب كامل للشعوب العربية التي تفتقر إلي
إرادة التغيير وتري أن العيش في الذل والهوان أهون لديها من أن تقول كلمتها بحرية
في ما تريد، ولعلنا ظللنا منذ أيام نسمع في إذاعة ألبي بي
سي العربية صوت احد المواطنين المصريين يقول نستطيع أن
نتخيل البحر بدون ماء ولكننا لا نستطيع أن نتخيل مصر بدون مبارك ولا شك أن الذي
يقول مثل هذا الكلام إما هو رجل فقد الوعي أو الحس بمشكلاته الخاصة وإما هو منتفع
من النظام ويري أن زواله يعني انتهاء مصالحه، ولكن أن يحدث هذا من رجل عادي في
الشارع المصري فهو أمر مقبول أما أن يصدر من إذاعة كانت في يوم من الأيام مدرسة
تتعلم منها الشعوب العربية فهو الأمر المزري لان إذاعة ألبي بي
سي ليست إذاعة عربية موجهة لاستقطاب ميول الشارع العربي
بقدر ما هي خدمة هدفها تقديم المفيد في إطار سياسة الدولة التي تدفع نفقاتها ولكن
إذاعة ألبي بي سي أصبحت
إذاعة مختطفة وهي بحاجة إلي قرارات حاسمة لكي تضعها في مسارها الصحيح وتخلصها من
الركاكة التي أصبحت من سماتها خاصة من خلال برنامج بي بي سي إكسترا
الذي لا يجيد المقدمون فيه حتي أصول القراءة السليمة
ناهيك بان يستقطبوا الشباب العربي الذي لا يحتاج لاستقطاب لان هدف ألبي بي سي هو أن تجعل الناس يرتفعون
إلي مستواها لا أن تنزل إلي مستوي العامة بكونها ليست إذاعة وطنية في العالم
العربي.
وإذا كنا نقبل مبدأ الانتظار حتي ترتقي بعض
المجتمعات العربية لتضع أسس المجتمع الحديث فإننا لا نشعر أن الأمر في مصر يتطلب
ذلك لأن مصر فيها قاعدة عريضة من المثقفين والقادرين علي التغيير الذين يدركون أن
التغيير في الأمة العربية لا يمكن أن يتم إذا لم يحدث التغيير في مصر ولا نعني
بذلك أن مصر هي التي ستحدث التغيير في العالم العربي بل نعني أن نموذج التغيير
الذي تقدمه مصر هو الذي ستتبعه معظم الدول العربية ولكن للأسف الشديد فإن مصر لا
تسير في طريق التغيير بل تسير في طريق تكريس الأوتوقراطية والشمولية التي عطلت
مصالح الشعب المصري أكثر من نصف قرن، ذلك أنه من السخف أن يبحث الرئيس المصري عن
شركة خاصة تبحث له عن أسلوب يقنع به الشعب المصري أنه
يقود حملة انتخابية حقيقية وتحدد له الخطابات التي يقولها وهو محاط بعدد بشباب
الجامعات ويلبس بطريقة الشباب وكأن الشعب المصري لا يريد أكثر من خدعة لكي يتقبل بها بضاعته، ولو كان الرئيس المصري يقف علي المصالح الحقيقية
للشعب المصري لتساءل أولا ماذا قدمت له خلال أربعة وعشرين عاما انقضت؟ وهل أريد
الاستمرار في الرئاسة بعد أن بلغت السابعة والسبعين لأن لدي برنامجا لم أكمله أم لانني أري أن المنصب لا يستحقه احد غيري؟ وكان
علي الرئيس أن يتساءل هل من الأفضل للشعب المصري أن أضع له نظاما ديمقراطيا
لانتقال السلطة أم اخدعه بنظام يتظاهر بالديمقراطية بينما داخله شر يذهب بكل
طموحات الشعب المصري؟ ولكن الرئيس المصري لا يسأل نفسه هذه الأسئلة وهو غير معني بها فقد قال في أول عهده أنه لن يحكم أكثر من فترتين وها هو
يطلب الخامسة وكل فترة مدتها ست سنوات، ولكن الناس لا يتحركون بل يساعدونه بالدخول
معه في انتخابات أسلوبها مزور لكي يمنحوا نظامه شرعية سياسية، وذلك أخطر ما في
الأمر لان الرئيس مبارك بمجرد فوزه بفترة جديدة ويعلن للملأ أنه جاء بانتخابات
شعبية نزيهة فإن أول ما سيفعله هو الانقلاب علي هؤلاء الذين وضعوا أنفسهم في خانة
المعارضة ليعلمهم كيف تكون عقوبة الخارجين علي النظام. ومن المؤسف أن نمجد مواقف
الطوائف الدينية التي تنطلق من مباديء واضحة ولكنها تهادن
نظام الحكم وهو يقوم بهذه المسرحية الهزلية كما هو شأن البابا شنودة الذي وصف
الرئيس مبارك بالوطنية والحكمة ودعا إلي تأييده ما أثار حفيظة بعض الإصلاحيين في
كنيسته وكذلك شأن جماعة الإخوان المسلمين الذين وإن لم يعلنوا تأييدهم صراحة
للرئيس مبارك فإن دعوة مرشدهم العام تحتمل التأويل من الناحيتين وهو ما يترك الباب
مفتوحا اعتقادا من الجماعة أنها باتخاذ هذا الموقف من الرئيس مبارك يمكنها في
المستقبل أن تتعامل معه كحزب معترف به وذلك خطأ في
التفكير لان الحكومة المصرية لا تتخذ موقفها من الإخوان المسلمين بسبب أفكارهم السياسية
بل بسبب تخوف الولايات المتحدة وإسرائيل من أي نظام ديمقراطي في مصر يمكنه أن يوصل
التيارات الإسلامية إلي الحكم لأن في ذلك تخريبا لكل الاستراتيجيات السياسية في
المنطقة وذلك سبب تأييد إسرائيل لاستمرارية مبارك علي الرغم من حالة الجفاء
الشكلية التي يمارسها الرئيس حسني مبارك في علاقاته مع إسرائيل، وأما الولايات
المتحدة فلا شك أنها تتظاهر بأنها تريد أن يكون هناك نظام ديمقراطي في مصر وتصر
علي أن تكون هناك رقابة دولية علي الانتخابات في مصر وليس ذلك لأن الولايات
المتحدة تريد أن تضمن مجيء أي حكومة ديمقراطية هذا البلد بكونها تعلم أن الحكومة
الديمقراطية في مصر لن تكون موالية لها وهي لذلك تريد أن تقنع الشعب المصري أن
عودة مبارك إلي الحكم تتم وفق رقابة دولية وهو نفس اللون من الخداع الذي تمارسه
الولايات المتحدة عندما تصف الدستور العراقي الجديد بأنه خطوة بناءة نحو الديمقراطية
في حين أنها تعلم أن ما يجري في العراق في الوقت الحاضر هو تكريس للمذهبيات الدينية والنعرات
العرقية، ولما رأت الولايات المتحدة أن العرب بدأوا
يتنبهون لما يجري في العراق فتحت من جديد ملف اغتيال الحريري وذلك لصرف الأنظار
مؤقتا عما يجري في العراق.
وإذا بدأنا ننظر لكل ما يجري في العالم العربي في الوقت الحاضر أدركنا أن
هناك استراتيجية باتت واضحة وهذه الاستراتيجية
تستهدف القضاء علي أي تفكير عروبي وحدوي من خلال طرح
مشروعات مثل الفدرالية والحكم المستقل وذلك هو السبيل الذي يؤدي في نهاية المطاف
إلي تفكيك الأمة العربية وأضعاف شانها بحيث تصبح لقمة سائغة أمام أعدائها، ولا شك
أن عوامل التفكك في الواقع العربي الراهن أقوي من عوامل الوحدة وان الكثيرين
المدفوعين بثقافة الفقر واليأس السياسي سيسيرون في هذا الطريق ظنا منهم أنه الطريق
الموصل للنجاة أو هو نوع من جلد الذات، ولن تتخذ الدول العربية أي موقف من أجل
إصلاح شأنها لان الحكام العرب يطبقون في أساليب حكمهم نظرية شيخ القبيلة الذي يقول
كل شيء لي وليذهب الجميع إلي الجحيم وذلك هو الموقف في مصر وليبيا والسودان وغيرها
من البلاد العربية وهو موقف لا يمكنه أن يتغير إلا إذا امتلكت الشعوب العربية
إرادتها ولا يبدو أن ذلك سيحدث في المستقبل القريب.