ولد الطايع!
بقلم :شعبان عبدالرحمن
اللافت في الأمر.. أن
الرئيس معاوية ولد الطايع انخلع من الحكم كما تنخلع
«الطوبة» من الجدار الكبير دون أن يدري بها أحد.. لقد كان إخراجه من
الحكم أشبه بعملية تبديل وظائفي داخل دائرة من الدوائر دون قلاقل أو مشكلات.
ما معنى أن رئيساً ــ كان ملء السمع والبصر وجميع مفاتيح قوة الدولة وصولجانها في
قبضته على امتداد مايقرب من واحد وعشرين عاماً (12/12/1984م ــ 3/8/2005م) ــ يقع ضده انقلاب
يخلعه وينهي كل هذه الإمبراطورية في ساعات قليلة.. ثم لا نسمع عن تململ أو احتجاج لصالحه أو حتى مقابلة الناس لما حدث
بسلبية!
قبيل الانقلاب بساعات
شاهدنا مدى الحفاوة والتبجيل التي ودع بها الرجل في
مطار نواكشوط، وقبل ذلك شاهدناه يطوف الشوارع ومن حوله الآلاف من «الهتيفة»..
وشاهدناه في أوج زهوه وهو يحبط أكثر من ثلاث محاولات
انقلابية في عام واحد.
أين ذهب كل ذلك! وكيف راح
أدراج الرياح؟!
إن لذلك معنى واحداً هو أن
الدكتاتور الذي سجن موريتانيا ممثلة برموزها الوطنية.. قد
تمكن من امتلاك حناجر بعض الناس وأجسادهم،
تتحرك معه أينما ذهب نظير مصالح ومغانم معروفة، ولكنه لم يمتلك قلوب أحد..
حتى أقرب الناس إليه والأشد ثقة بهم لأنهم هم الذين انقلبوا عليه!
ولم يكن واحد وعشرون عاماً
كافية ليضرب بجذوره في قلوب الناس أو في التراب الموريتاني، وإنما امتدت تلك
الجذور وترعرعت فوق قشرة
الأرض أو تحت الرمال الناعمة، فكان يكفيها نسمة هواء لاقتلاعها.
لن نتوقف طويلاً أمام سجل
الرجل، وإنما هو كغيره من الحكام الذين غرقوا في بحار «عسل السلطة» حتى آذانهم..
وأسكرهم صولجان الحكم حتى أنساهم أنفسهم..
ولا أعتقد أن ولد الطايع لم يترك شيئاً ليُغضب به الشعب الموريتاني إلا فعله.. ولم يترك في المقابل
باباً يرضي الصهاينة والأمريكان إلا
«ولجه».. وفي النهاية خسر الطرفين.. فقد وجد شعباً يرقص في الشوارع بطريقة طوعية
فرحاً بإزالته.. وسارت الحياة سيراً
طبيعياً في البلاد، وكأن شيئاً لم يحدث.. وفي نفس الوقت أدار الصهاينة والأمريكان له ظهورهم.. فقد انتهت اللعبة! كما حدث من قبل مع شاه إيران، وسيحدث من بعد مع الآخرين.
لقد دفع ولد الطايع فاتورة باهظة للصهاينة والأمريكان، من استقلال بلاده
وهويتها وقيمها وحريتها واقتصادها، وفي المقابل لم يحصل منهم إلا على الفتات، وفي ساعة العسرة تركوه تائهاً بين
أدغال أفريقيا.
دفن النفايات الصهيونية في
أراضي بلاده ووسع دائرة التطبيع، ورعى مخططاً خطيراً لسلخ موريتانيا من عقيدتها
وهويتها الإسلامية.. أطلق العنان لقوافل
التنصير تحت لافتات العمل الإنساني.. وغض الطرف عن شيوع
الفساد الأخلاقي الممنهج.. وفتح المجال لضرب اللغة العربية.. وبالطبع
فقد قضى على كل مظاهر النشاط الإسلامي، ابتداءً من كتاتيب تحفيظ القرآن حتى
المساجد.. وقد مهد لذلك
كله بوضع قادة التيار الإسلامي في السجن بالتهمة الجاهزة.. «الإرهاب» حتى يفعل ما
يحلو له!
لقد حاول الرجل خلع
موريتانيا من جذورها الإسلامية، فخلعه الشعب من قلبه ومن بين صفوفه إلى غير رجعة.
الغريب أن الرجل (المولود
عام 1941م) مازال يحلم بأنه يحكم وأنه صاحب إنجازات كبرى، فقال في تصريحه اليتيم
لـ«إذاعة فرنسا
الدولية»: «كانت الآفاق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية
واعدة، والبلاد تعيش ديمقراطية تعددية..»! بالطبع لم يقل الرجل شيئاً عن سر تأخر تحقيق تلك
الآفاق واحداً وعشرين عاماً.. ولو بقي قرناً يحكم!!
سكرة الحكم الديكتاتوري تعمي
صاحبها عن كل شيء إلا عن نفسه.. ولذا فلا أعتقد أن أحداً
من المستبدين سيتعظ بما جرى!.