الدولة على حساب وحدة الفلسطينيين؟
بقلم :رنده حيدر
ثمة تخوف حقيقي لدى الفلسطينيين من أن تتحول خطة
فك الارتباط من غزة إلى "هدية مسمومة" حتى قبل انتهاء مدة الشهر الذي
فرضته الحكومة الإسرائيلية موعداً لتسليم القطاع إلى السلطة الفلسطينية بعد
الإخلاء التدريجي للمواقع العسكرية الإسرائيلية منه.
أمران أساسيان يثيران
المخاوف والشكوك الفلسطينية، قضية السيطرة على المعابر وعودة البناء في المستوطنات
في الضفة الغربية وتسريع عمليات البناء في جدار الفصل.
حتى الآن ترفض "إسرائيل" بصورة قاطعة
تسليم السلطة الفلسطينية السيطرة على المعابر التي تربط القطاع بكل من الضفة
الغربية ومصر. والقضية الأكثر إلحاحاً المطروحة اليوم هي معبر رفح حيث يحاول
المصريون إيجاد صيغة تسوية للخلاف الفلسطيني -الإسرائيلي يقوم على جعل الخروج من
غزة يخضع لرقابة فلسطينية - مصرية مع وجود طرف ثالث دولي،على أن يقام معبر جديد
للقادمين إلى غزة جنوب القطاع ويكون تحت إشراف الجيش الإسرائيلي.
حتى الآن ترفض "إسرائيل" ذلك رغم
موافقتها على نشر 750 جندياً مصرياً من حرس الحدود على الجهة المصرية من قطاع غزة
لحفظ الأمن ومنع عمليات تهريب السلاح والتسلل عبر الحدود.
تبرر "إسرائيل"
إصرارها على إبقاء السيطرة على المعابر تحت قبضتها بأسباب أمنية متذرعة بأنها لا
تريد أن تتحول غزة بعد خروج الجيش الإسرائيلي منها إلى مركز لنشاط المنظمات
الفلسطينية المعادية لها في ظل عجز الأجهزة الأمنية الفلسطينية التابعة للسلطة على
فرض الأمن وإحكام قبضتها على القطاع. لكن السلطة الفلسطينية ترى في ذلك استمراراً
للاحتلال وإجهاضاً لأي سيادة فلسطينية كاملة على الأرض ومحاولة لعزل القطاع عن
سائر المناطق الفلسطينية وتحويله إلى "سجن كبير" بحسب وصف أكثر من مسؤول وناشط فلسطيني.
الموضوع الآخر المثير
للمخاوف بدء الحكومة الإسرائيلية تنفيذ خطة توسيع البناء في المستوطنات اليهودية
في الضفة وبصورة خاصة في مستوطنة معاليه أدوميم بهدف ربطها بمدينة القدس استعداداً لضمها إلى "إسرائيل"
ضمن جدار الفصل. ترافق ذلك مع إعلان الإدارة الأميركية تنازلها عن مطالبة "إسرائيل"
بتحديد لمسارات البناء الذي تعتزم تنفيذه في مستوطنات الضفة الغربية وتمسكها فقط
بضرورة إخلاء "إسرائيل" للمواقع الاستيطانية غير القانونية.
ومعنى ذلك أن
الأميركيين تنازلوا لشارون عن مطلبهم تجميد البناء في المستوطنات إلا ما يدخل في
باب النمو الطبيعي للزيادة السكانية وإلزام الحكومة الإسرائيلية بحدود واضحة
ومحددة في هذا الشأن ترسم خطوط البناء المسموح به.
تراجع الأميركيون عن
موقفهم مكافأة لشارون على تنفيذه لخطة فك الارتباط وإخلائه المستوطنات اليهودية في
غزة مما يمنحه حرية البناء من جديد داخل مستوطنات الضفة وخارجها وفرض حقائق جديدة
على الأرض تغير بصورة كبيرة عدداً من المعطيات الجغرافية الحالية، فيرسم البناء الجديد
خريطة مختلفة تمنع قيام أي تواصل جغرافي بين المناطق الفلسطينية التي من شأنها أن
تشكل الدولة الفلسطينية العتيدة.
لم يعد الصراع الدائر اليوم بين "إسرائيل"
والفلسطينيين صراعاً على الأرض والحقوق وإنما على صورة الدولة الفلسطينية المقبلة.
هذا هو الهدف السياسي البعيد الذي رمى إليه شارون بخطوته الأحادية والجزئية في
الخروج من غزة: القضاء بصورة تدريجية على حلم الدولة المستقلة ذات السيادة،
واستغلال الوقت من أجل ترسيخ واقع جديد يقسم المناطق الفلسطينية إلى كانتونات أو معازل تفصل ما بينها
حواجز عسكرية أو جدار فصل أو طرق التفافية.
الأهم من هذا كله
تفتيت التجمع السكاني الفلسطيني عبر عزل العرب من سكان القدس الشرقية عن الضفة
الغربية، وعزل التجمعات السكانية الفلسطينية في الضفة الغربية بسلسلة من الأسوار
والحواجز والأسلاك الشائكة المكهربة والخنادق تقسمها إلى أكثر من 10 أو 13 كانتوناً وعزل سكان غزة عن الضفة.
ليست وحدة الأرض الفلسطينية هي المهددة فقط وإنما
وحدة الشعب الفلسطيني الذي تريد "إسرائيل" أن يكون تحقيق حلم الدولة على
حساب وحدته وتواصله.