الكارثة المحققة التي صارها نموذج الحرية
والديمقراطية بالعراق
بقلم :د. بشير موسي نافع
كان التهديد الذي
وجهه الرئيس الامريكي لسنة العراق، مخيراً إياهم بين
الموافقة علي مسودة الدستور أو الحرب والموت، مفاجأة بكل المقاييس. فالدستور، منذ
عرف العالم الدساتير، هو وثيقة تأسيسية للدولة والجماعة الوطنية لا ينبغي، ولا
يمكن، ان يفرض بالتهديد والخوف. وكان من المفترض ان كتابة الدستور هو عمل عراقي بحت، يقوم علي توافق فئات
الشعب العراقي وقواه السياسية. وطبقاً لقرارات مجلس الأمن، وتصريحات العديد من
شخصيات الحكم الجديد، فقد أصبح العراق منذ بداية العام دولة مستقلة ذات سيادة،
يستطيع الطلب من قوات الاحتلال الجلاء عن البلاد متي
أرادت حكومته. فكيف إذن يتدخل الرئيس الامريكي في هذا
الشكل المباشر في مسألة عراقية كبري، لا يخفي علي أحد أنها مصدر انقسام بالغ بين
العراقيين؟
الإجابة، فيما يتعلق بالسيادة والاستقلال، سهلة
وواضحة. فالعراق لم يزل بلداً محتلاً، لا يتمتع لا
بالسيادة ولا بالاستقلال. وواشنطن معنية بالمستقبل الذي
يسير إليه العراق، ربما أكثر بكثير من زعماء قواه السياسية الجديدة وقادة حكومته
الحالية. هذا لا يعني بالطبع ان واشنطن تقرر أمور
العراق كما تشاء؛ بل ان محدودية الخيارات الامريكية هي التطور الرئيسي في الكارثة التي صارها نموذج الحرية والديمقراطية الذي وعد به العراقيون. القول بأن الامريكيين
كانوا يدفعون باتجاه ان يكون الدستور العراقي الجديد ما
أصبحت عليه المسودة التي ارتكبتها لجنة صياغة الدستور، هو قول غير صحيح. الحقيقة ان الأمريكيين لا يطمأنوا لحلفائهم الحاليين في العراق،
الحلفاء الذين تحكموا في كتابة المسودة، ولكنهم لم يجدوا خياراً آخر سوي القبول بهكذا حلفاء. بكلمة أخري، اكتشف الحلفاء العراقيون الحاليون ان لا مناص أمامهم من اللجوء إلي الأمريكيين، واكتشف الأخيرون ان الخيارات ضاقت حتي اضطرتهم للقبول بهؤلاء الحلفاء. كلا الطرفين وجد نفسه في
أزمة مستحكمة، أضلاعها انهيار الأمنيات واستحالة تحقيق الطموحات الأولية، انفجار
العراق بقوي بالغة الحيوية، أخفاها احتلال النظام السابق لصورة العراق، وتصاعد
المقاومة والعنف إلي ان أصبحت معادلاً استراتيجياً
للاحتلال. ولذا، فمهما كانت وجهة النظر الامريكية
الحقيقية في مسودة الدستور، فليس ثمة من سبيل إلا القبول به.
ان كان هناك من أمل في استراتيجية
خروج أمريكي من العراق، فقد بات هذا الأمل معلقاً بإقرار دستور ما، وتركيب دولة ما
في بغداد، وإعداد جيش عراقي ما، وإلقاء مسؤولية العراق الجديد علي أكتاف هؤلاء.
لم يكن أحد ممن خططوا
للحرب والاحتلال في الإدارة الامريكية يتصور، حتي في أثقل كوابيسه وأكثرها عتمة، ان
ينتهي مشروع الحرية والديمقراطية في العراق، مشروع الرد علي الإرهاب الدولي الذي
مثلته القاعدة ، وما قيل انها الثقافة المولدة للعنف
والإرهاب الإسلاميين، إلي ما انتهي إليه. عراق ما بعد كتابة الدستور هو أسوأ بكثير
من عراق ما قبله. العنف والموت اليومي، انهيار مؤسسة الدولة وعجز أجهزتها عن توفير
أدني مستوي من الخدمات الضرورية، انتشار الفساد والنهب بين أعلي مستويات الحكم، ثم
يأتي التطور الأخطر: وضع البلاد علي طريق التقسيم، تفجير العراق طائفياً وعرقياً،
وخلق اضطرابات إثنية وطائفية في كل الجوار العراقي.
ليس ثمة ما يدافع عنه
في النظام العربي الحالي. فتقسيم المجال العربي إلي دول،
يرتكز بعضها إلي كيانات قديمة وبعضها الآخر إلي المخيال
الإمبريالي، لم يوفر لأكثر هذه الدول أسباب البقاء والاستمرار. ولكن هذا النظام قد
استقر منذ عدة عقود، كما ان أحداً من نخبه السياسية لا
ينكر ان الوضع الأمثل هو الانتقال من حالة الانقسام الحالية
إلي حالة من التضامن العربي الإقليمي، أو حتي الوحدة. وهذا
بلا شك ما أعطي مؤسسة الجامعة العربية شرعيتها وقدرتها علي البقاء طوال أكثر من
نصف قرن، بالرغم من العواصف الجامحة التي عاشها النظام العربي والجامعة نفسها. وهذا
أيضاً أحد الأسباب الرئيسية وراء الوحدة المصرية ـ
السورية، تشكيل مجلس التعاون الخليجي، واتحاد دول المغرب العربية، وتوقيع
الاتفاقية العربية للتبادل الاقتصادي الحر. ما يحدث الآن في العراق هو الدفع
باتجاه آخر، اتجاه المزيد من التشظي، اتجاه تقويض
الهوية العربية، وإطاحة الدولة العربية وتقسيمها إلي كتل إثنية
وطائفية. وليس هناك من معني ثان لمسودة الدستور العراقـــــي المقترحة.
لربما يمكن ان يفسر، أوحتي ان يفهم، لماذا ترفض القوي
العراقية الحاكمة اليوم الاعتراف بشرعية المقاومة أو التفاوض معها. فقوي المقاومة متعددة ومختلفة في توجهاتها؛ والقوي السياسية المتحالفة
مع الاحتلال لا تريد شركاء في الحكم ممن قاوموا هذا الاحتلال. مثل هذا الخيار يمس
بشرعية هذه القوي وأسس الحق الذي تدعيه لحكم العراق، وهي التي قبضت علي السلطة ليس
بإرادة الشعب او الجيش العراقيين، بل بقوة الغزو
الأجنبي. ولكن ان ترفض هذه القوي التفاهم مع الحزب
الإسلامي ومجلس الحوار الوطني من السنة العرب، فهذا مؤشر واضح علي السير في طريق
التفجير الأهلي للعراق. في الوقت الذي أوضحت مظاهرات الأسبوع الماضي، من بغداد إلي
البصرة، ومن كركوك إلي بعقوبة، ان رفض مسودة الدستور
ليس عربياً سنياً فحسب بل وشيعياً أيضاً. ما لم تستطعه حملات اغتيال قيادات ووجهاء
وعلماء السنة والشيعة ستحققه مسودة دستور الحكيم والجلبي
والجعفري والطالباني. رفض عروبة العراق، والتأسيس
الدستوري لكانتونات كردية وشيعية وسنية، ومن ثم
انشقاقها عن بعضها البعض، ورفض البند المتعلق بالحفاظ علي وحدة البلاد، هو في
الحقيقة ليس مسودة لدستور عراقي جديد، بل مسودة حرب أهلية. وربما كان وراء هذه
المسودة عقل شيطاني ما، لا يرغب حتي في التوصل إلي
اتفاق وطني علي الدستور؛ عقل يعتقد ان المسودة لابد ان توضع في صيغة لا تثير غضب وشكوك الحليف الامريكي من جهة، ويضمن رفضها من المحافظات الثلاث ذات
الأغلبية السنية العربية: الأنبار وصلاح الدين ونينوي، من جهة اخري. حتي إذا سقط مشروع الدستور في الاستفتاء الشعبي بهذه
المحافظات، قيل ان الرفض كان سنياً عربياً وان من حق
الأكراد والشيعة الذهاب إلي خياراتهم الخاصة. أي ان
تقسيم العراق هو المشروع الحقيقي خلف مسودة الدستور بغض النظر عن اقرارها أو لا، والاتفاق عليها أو لا.
ما يمكن ان يحمله تمرير مشروع الدستور/الانقسام هو الوصول بالعراق
والمنطقة إلي هول لا بعده هول. فالكيان الكردي (الذي هو الحل الأفضل للعراق علي
أية حال)، مهما أحاطت به من متغيرات سيولد مخاوف
وطموحات متناقضة في كل من تركيا وإيران وسورية. أما الكيان الشيعي فما يمكن ان ينجم عنه فهو أسوأ بكثير. من ناحية، ستؤدي عقلية تقاسم
المزرعة إلي صراعات لا أول لها ولا آخر في الكيان الشيعي نفسه، وبين من يأملون في
التحكم فيه وفي مقدراته. ومن ناحية أخري، سيؤدي تفكيك العراق باسم الكيان الشيعي
إلي اضفاء مصداقية علي خطاب بعض السنة المشككين في
إسلام الشيعة، داخل العراق وخارجه، ومن ثم إلي تصعيد طائفي غير مسبوق في المنطقة،
تصعيد مصحوب بسفك عري الجماعة ودماء ابنائها. هناك عدد كبير من سنة العراق العرب، وعدد ليس بالقليل من شيعته
العرب، يرون في أنفسهم حراساً لعروبة العراق ووحدته، وسيقاتل هؤلاء إلي نهاية
الزمان ضد كل من سيحاولون تقسيم العراق أو إسقاط انتمائه العربي. وهناك سنة
عراقيون وغير عراقيين يرون في الشيعة خطراً علي الإسلام ووحدة المنطقة، ينتظرون
بفارغ الصبر ان توفر القيادات الشيعية الأدلة علي
مصداقية مقولاتهم. إن كان هؤلاء قلة هامشية اليوم، فقد يتحولون إلي تيار عريض في
الغد، عندما يري ملايين العرب ان وطناً من أعمق أوطانهم
تاريخاً يصبح هشيماً من الكيانات المتصارعة. ما الذي سيحدث لسنة البصرة والمحافظات
الجنوبية الأخري، من الصويرة
إلي الناصرية إلي المدائن، ومساجدهم وأوقافهم تنتشر في كافة مناطق الجنوب؟ وإن طرد
هؤلاء أو استمرت عمليات الاعتداء الدائرة علي أوقافهم ومساجدهم، فمن سيحمي شيعة
بلد وبغداد وكركوك وتلعفر من انتشار عدوي الهوس
الطائفي؟ وكيف ستصمد آلاف العائلات العراقية المختلطة، التي بنيت منذ عشرات السنين
علي زواج السني بشيعية أو الشيعي بسنية، في مواجهة هذا الوباء؟ أما
كيف سيتم التوفيق في الكيان الشيعي بين القوي الشيعية المتصارعة، فلا يمكن لأحد
التنبؤ به.
بيد ان هذا كله ليس سوي وجه واحد من وجوه الجحيم الذي يحاول
الحكيم وشركاؤه جر العراق والمنطقة إليه. فإن سار العراق
باتجاه الفيدرالية والانقسام، فما الذي سيمنع سنة إيران من المطالبة بحكم ذاتي أو
استقلال؟ من الذي سيمنع عرب الأهواز والمحمرة من
المطالبة بكيان مماثل، وبعض من مناطقهم لم تصبح جزءاً من إيران إلا في العشرينات
من القرن الماضي، وقواهم السياسية القومية تنشط من أجل الانفصال عن إيران منذ
عقود؟ وكيف سيمكن للدولة الإيرانية تبرير رفضها لهذه
المطالب أمام حلفائها من العرب والمسلمين، بل وأمام العالم بأسره. ما يحق لشيعة
العراق وأكراده لابد ان يري حقاً لسنة إيران وعربها
وكردها. ولن يقف الانحدار الأهلي إلي هذا الحد؛ فمن
الكويت إلي الإمارات العربية المتحدة إلي البحرين والسعودية، هناك جاليات شيعية لا
تنقصها أصوات الفيدرالية والحكم الذاتي والانقسام. وعندما يري هؤلاء ان شيعة العراق قد ساروا في طريق الانقسام، فلن يعدموا من
سيدعو إلي قيام دولة شيعية من بغداد إلي دبي ومن البحرين إلي القطيف.
وعندها أي إلهام سماوي سيمنع الحشد العربي السني من الاصطفاف خلف قيادة الزرقاوي وشركائه لمواجهة الخطر الشيعي الداهم علي وجود
العروبة والإسلام؛ والاستدعاءات التاريخية من ابن العلقمي إلي اسماعيل الصفوي لا تحتاج جهداً هائلاً لنقلها إلي صفحات المنشورات
والانترنت ودروس المساجد والفصول الدراسية.
ان سمح لحفنة الانقساميين بتحقيق أحلامهم
البائسة فسيفتحون علي العراق والمنطقة أبواباً من الموت والاحتراب الأهلي سيبدو ما
نراه اليوم في بغداد وبعقوبة والكوت بالنسبة إليه كنسبة
حوادث الطرق إلي الزلازل المدمرة. الذين جهلوا العراق وتاريخه قبل الاحتلال، لا
يجب ان يسمح لهم بتحديد مستقبله لمجرد ان وفر لهم الاحتلال مقراً آمناً في المنطقة الخضراء. ليس الامريكيون أول من جاء إلي هذه المنطقة غازياً. قبلهم جاء
الغزاة وذهبوا، أو امتصت شعوب المنطقة وثقافاتها من اختار ان
يبقي منهم. الغزاة يذهبون أو ينتهون، عاجلاً أو آجلاً. وعندها
ستحاسب الشعوب كلاً علي ما اقترفت يداه. ليس ثمة أمة في العالم يسكنها التاريخ كما هذه الأمة. وتهديد عروبة
العراق ووحدته ليس بالأمر الصغير حتي يسقط من الذاكرة
الجمعية للعرب والعراقيين.